Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


تنبّه الكنيسة الارثوذكسية مَنْ لها واليها والعالم الذي تحيا فيه الى أنّ "هيئة هذا العالم تزول"، وتدعو الجميع (وليس فقط الرهبان...) الى عدم التعلّق بهذا "الدهر الحاضر الخدّاع"، والى النظر الى "رئيس الإيمان ومكمّله يسوع" (عبرانيّين 12 :2)، واختياره وحده إلهاً وسيداً وحيداً على القلب.

هذا الطابع الفريد ليس هو، في مفهوم الكنيسة الارثوذكسية، وليد الظروف او تهرباً من مواجهة العالم وصعابه، كما يحلو للبعض أن يقولوا، وإنما هو من أهمّ خصائص الدعوة الجديدة. وذلك أن الرب نفسه رسم أن ثمة فرقاً بين حبّ الأرض واختيار السماء، اذ قال في عظة الجبل: "لا تكنزوا لأنفسكم كنوزاً في الأرض، حيث يُفسد السوس والعثّ، وينقب السارقون ويسرقون. بل اكنزوا لأنفسكم كنوزاً في السماء، حيث لا يُفسد السوس والعثّ... فحيث يكون كنزك يكون قلبك" (متى 6: 19-21). وهذا ما أكده الرسول بولس، بقوله: "لأنه ليس لنا هنا مدينة باقية، وإنما نسعى الى مدينة المستقبل" (عبرانيّين 13: 14)، وأننا "لم نأتِ العالم ومعنا شيء، ولا نستطيع أن نخرج منه ومعنا شيء..." (1 تيموثاوس 6: 6-10).

ويعلم العارفون أن هذا التعليم عينه امتدّ في كتابات الآباء الأولين وحياتهم. يقول القديس إغناطيوس الأنطاكيّ في رسالته الى كنيسة رومية: "ماذا تفيدني ملذّات العالم؟ ما لي وفتنة ممالك هذا العالم؟ إني أفضّل أن أموت مع المسيح من أن أملك أطراف المسكونة" (6: 1)، وأيضا: "لا أريد أن أحيا كما يحيا البشر" (8: 1). فالعالم فانٍ، وهذه الحقيقة يعرفها حقّاً من أدرك أن يسوع هو كل شيء، وأن طاعته ومحبته هما "الكنز الذي لا يبلى أبداً". غير أن هذا ما عنى يوماً أن الكنيسة التي "تحيا وفق الروح" ترفض العالم، او تعيش فيه أمّة او إتنية جديدة. وذلك أن الكنيسة هي "أم العالم" في نظرته الى الانسان والوطن وخدمتهما في كل الميادين: الروحيّة والمدنيّة والاجتماعيّة والثقافيّة... نقرأ في رسالة شهيرة من القرن الثاني، وهي "الرسالة الى ديوغنيتُس" (التي يرجَّح أن كاتبها هو بانطينوس العظيم مؤسس مدرسة الإسكندرية)، هذا الكلام الرائع الذي يساعدنا على توضيح ما نريد قوله هنا: "لا يتميّز المسيحيّون عن سائر الناس لا بالبلد ولا باللغة ولا باللباس. ولا يقطنون مدناً خاصة بهم، ولا يستخدمون لغة محلّيّة غير عادّية، ونمطُ عيشهم ليس فيه أي تمييز... وهم يتوزّعون في المدن اليونانية او البربرية حسبما قُسم لكل منهم، وهم يتكيّفون والعادات المحلّيّة المرعية، في ما يخصّ الملبس والمأكل وأسلوب المعيشة، فيما هم يجاهرون بالشرائع الغريبة وغير المألوفة حقّاً الخاصة بملكوتهم الروحاني، ويقيمون كل في وطنه، ولكن كغرباء مستوطنين. ويؤدّون واجباتهم كاملة كمواطنين ويتحمّلون كل الأعباء كغرباء. فكل أرض غريبة هي بمثابة وطن لهم، وكل وطن هو بمثابة أرض غريبة...".

ولعلّ خبرة الكنيسة المتمثّلة بالصوم والتقشّف وحياة التوبة والشركة (كما صوّرها كتاب أعمال الرسل)...، هي خير برهان على طابعها النسكي. والصوم، في جوهره، وسيلة من الوسائل التقديسيّة التي تساعد المؤمن على الترفّع عن العالم والانتصار على أهوائه وكل ما يوحي به سيّد هذا العالم الخدّاع (إبليس)، يقول الربّ: "هذا الجنس لا يخرج الا بالصلاة والصوم" (متى 17: 21). والتقشّف لون من ألوان الوعي أن كل ما في الدنيا (أكلاً وشرباً وسهرات وسيّارات وبيوتاً وأثاثها...) نستعمله بحكمة وتمييز ولا نغرق فيه او يقلقنا ويهمّنا. والتوبة رجوع الى الله يفترض تركاً لكل لذّة مضرّة. وحياة الشركة تجسيد للمحبّة الغالبة للفردية والأنانيّة وهي امتداد الى الكنيسة الأخيرة التي نذوق بركاتها هنا في أوان الرضاء... وهذا ما قاد الكنيسة المجاهدة في هذا العالم الى أن تخرج على كلّ مَن يجعل ذاته محوراً لحياته (كما فعل آدم قديماً فطُرد من الفردوس)، ولا يتجاوز مصلحته الشخصية ويكون كليّاً للمسيح الذي أعطى العالم نفسه كليّاً. وذلك أن قاعدة الالتزام الكنسي هي: الكلّ للكل. الكل للرب ولبعضهم البعض. هذا ما رآه بولس فيما تكلّم على مواهب الروح القدس (1 كورنثوس 12 و14). وما من شك في أن المسيح الذي هو غاية الوجود لا تراه في أعضاء الكنيسة وحسب، وإنّما في كل انسان مهما كان دينه او جنسه...، وبخاصة تراه في كل مريض او محتاج او جائع او عطشان او مشرّد او عريان، كما يؤكد الرب نفسه (متى 25: 31-46). وهذا ما دفع الكنيسة الى أن تكتشف سبباً آخر للنسك، ألا وهو محبة الفقراء. ولعلّ أفضل مثال على هذا كلّه هو المسيح نفسه الذي وهو الغنيّ "افتقر من أجلنا" (2 كورنثوس 8: 9). أن ترى المسيح وتتمثّله هو، في النهاية، غاية الحياة الجديدة. يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث: "لقد أصبحنا أعضاء المسيح، وها نحن الآن أعضاء المسيح. انا الكلّيّ الشقاء يد المسيح ورجل المسيح. انا الشقيّ أحرّك يدي، والمسيح في يدي كلّها، فأفهم أن الألوهة لا تنقسم".

رسالة الكنيسة المتنسكة في العالم، في آخر المطاف، أن تنبئ بيوم جديد يعطي فيه الله أحبّاءه الذين يجسّدون رسالته ملكوت الفرح.

عن نشرة رعيتي 2000/26

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع