Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


تحوِّلُ الدهريةُ الكنيسةَ إلى مؤسسة عالمية لكنها لا تلغيها. كثيرون قد عالجوا الدهرية من عدة أوجه، دينية وغير دينية، ولكنهم لم يتوصلوا إلى تعريفها على الشكل الذي قدّمه الأب ألكسندر شميمن. فهو يعرّف الدهرية بأنها هرطقة ضد الإنسان كونها قبل شيء تنفي عنه صفته التعبّدية، أي أن الإنسان الدهري ليس كائناً متعبداً. وتعريف الدهرية هذا يصعب قبوله عند الكثيرين كونهم يرون أن الكنيسة هي نظام فكري واجتماعي- أخلاقي وبالتالي لا يرون أي تضارب بين الكنيسة وما يجري حولنا في هذا الدهر. من هنا أن تزيين الكنائس وتجميلها وتوسيعها والاهتمام بثياب الكهنة وبفرش الكنائس وحتى بالترتيل، يتجرّد أحياناً عن معناه التقديسي ليصبح اهتماماً جمالياً بمواصفات جمال هذا الدهر وليس الدهر الآتي.

فإذا اعتمدنا هذا تحديد الأب شميمن الصحيح للدهرية آخذين بعين الاعتبار أن الترتيل هو ممارسة للعبادة يكون أن ما ينطبق على كل ما يتعلّق بالعبادة ينطبق على الترتيل أيضاً. من هنا يصبح ضرورياً التوقف عند الازدياد العظيم في عدد المرتلين والجوقات حتى أن بعضها، وليس القليل، لم يعد يرتبط برعية بل أصبح نوعاً من فرقة تؤدّي ما تؤدّي حيث تريد، فتارة في مسرح وتارة في قاعة غير كنسية ولا مانع عندها من أن تؤدي الترتيل بمقابل المال. إلى هذا، نجد أن تجارة قائمة بذاتها مادتها هي الأشرطة والاسطوانات الترتيلية حتى أن البعض صار يستمع للترتيل حيث يليق وحيث لا يليق.

ومن دون أن نسترسل في وصف هذه الحالة الدهرية، لا بد أن نتوقف عند قول التقليد في هذا الشأن. نقرأ في أكثر من قانون من الشرع الكنسي، عن صفات المرتل الذي يُحسَب بين المكرّسين. فهو مطالَب بالكثير مما هو مطلوب من الإكليريكيين من حيث الالتزام بالصوم والحشمة عدا عن طريقة الترتيل والصلاة. فأين هو الوضع اليوم من هذا؟ أكلّ المرتلين صوّامون؟ أكلّهم محتشمون حتى أثناء وقوفهم على منبر الترتيل؟ أكلّ المنضمّين إلى الجوقات مُسامون؟ أكلّهم مستعدون للالتزام بما تمليه عليهم الكنيسة؟ أكلّهم يعرفون الحدود بين المُتاح والنافع؟ أكلّهم يعرفون ما هو دورهم العبادي؟ قال لي مرة أحد رؤساء الجوقات أنه غير معني باللاهوت هو معني بالموسيقى. فأية نهضة هي هذه التي تقوم على هذا الفكر؟ أيكفي أن يعرف المرء التركيبات الموسيقية حتى يصبح مرتلاً حتى لا أقول ناظماً للتسابيح؟ أيليق أن يسمّى امرؤ لا يقرأ الكتاب المقدس مرتلاً؟ أيُعقَل أن يعتلي منبر الترتيل مَن لا يعرف الكتب الطقسية بل حدود معرفته هي كتب النوطات وسلالم الألحان؟ ماذا نقول عن أديار الجبل المقدس التي لا تتبع أي موسيقى بل يكتفي رهبانها ببعض التنغيم، إذا نغّموا؟

في كنيستنا اليوم الكثير من المرتلين وهذا ما يراه البعض دليل نهضة، وهو كذلك إذا أدّى دوره ومهمته. نحن نعتقد بأن الترتيل هو أصلاً من أعمال الملائكة، لذا ما نرجوه هو أن يكون ترتيلنا ملائكياً. إن ما يجعل الترتيل ملائكياً ليس الألحان ولا جودة الصوت، رغم كونهما عاملَين مساعدَين، بل هو ذلك العيش للرهبة الملازمة لموضوع الترتيل. الفرق بين النشوة من الموسيقى والرهبة في العبادة كبير. لو كان الهدف من الترتيل هو دفع المصلين نحو تلك النشوة لما كان هناك أي مانع من استعمال الآلات الموسيقية، على غرار ما يجري في كنائس الغربيين، و لربما كان صار مقبولاً استبدال المرتلين بتسجيلات صوتية لبعض الأفذاذ منهم، على غرار ما يجري على المآذن. الترتيل عمل يبدأ من النوس ويخرج من الفم بمشاركة القلب، لكنه لا يبدأ من القلب كي لا يستحيل مجرد أداء عاطفي يحرّك المشاعر لكنه لا يثير التقوى. إن ترتيلاً لا يحرّك إلا العواطف وهمّ مؤدّيه الأول هو الألحان والأصوات هو ترتيل دهري قد ينتج عنه تجارب.

في أوائل الزمن المسيحي كان الكل يرتلون. وقد يكون حسناً أن نبدأ العمل على استعادة الترتيل المشترَك الجماعي. هذا كلام قد يثير حفيظة بعض قادة الجوقات و المرتلين المنفردين. لكن، رعائياً، أن يكون عندك رعية مصلية وصوت سيء هو أفضل بكثير من رعية متفرّجة وصوت جيل. الأمر الأكثر إلحاحاً هو تقديس المشاركين في الصلاة. صحيح أن الترتيل الجيد يرفع نفس الإنسان لكن المشاركة تثبتها في المكان الذي ترتفع إليه. الإنسان المشارك يتذوّق حلاوة العبادة فتُحفَظ نفسه من تجارب هذا الدهر.

الأب أنطوان ملكي
نقلاً عن مجلة التراث الأرثوذكسي

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع