Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


أيقونة المسيح الضابط الكلإنّ تطبيق المناهج النقدية الحديثة لفن الرسم على الأيقونات غير كافٍ، بحدّ ذاته، لفهم هذه الصور الكنسية بكافة أبعادها. هذا لا يعني أن الأيقونة غير قابلة للبحث العلميّ، بل أنه من أجل إستخلاص جوهر الرسالة المحتواة فيها، علينا الإلتفات إلى الخلفيّة الإيمانية العميقة التي وراء كل أيقونة. فأشكال الأيقونات وأصنافها تستند إلى تلك الحكمة الشاملة التي نجدها في الكتابات اللاهوتية والليتورجية للكنيسة الأرثوذكسية كما أنها مرتبطة بالحياة الروحية المعاشة في وسط جماعة المؤمنين.

أما نمط الأيقونة الممثلة في الصورة الظاهرة أعلاه، فهو النمط المدعوّ بـ"المسيح الضابط الكل" (في اليونانية o Christos o Pantokrator). ومن أشهر النسخ الأصليّة لدينا هي هذه الأيقونة الروسيّة التي تعود إلى القرن الخامس عشر وتُحفَظ حاليًّا في متحف المتروبوليتان للفنون في مدينة نيو يورك. وتشير أيقونات المسيح الضابط الكل إلى الجلال الإلهي الذي يتصف به الخالق وحده، كما وأنه هناك ملامح ساطعة لناسوت الابن المتجسد نلاحظها في الرسم المفصّل لجسمه البشريّ.

يجلس المسيح في هذا الرسم على عرشٍ منحوتٍ جميلٍ يليق بجلالة صاحبه، ومنه يبارك الربّ بيمينه كل مَن يقف أمامه وبالتالي الخليقة بأسرها. ونرى في حضنه كتاب الأناجيل المفتوح، ونقرأ فيه نصًا مكوّنًا من استشهادين: "لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكمًا عادلاً لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون" (يوحنا 7: 24 ومتى 7: 2أ). إنّ ملك الملوك وقاضي القضاة يظهر هنا داخل هالة خضراء بيضاويّة الشكل وفي مربعَين أحمرَين منحنيَي الجوانب يشكلان نجمة ثمانية الأطراف ترمز إلى الخَلق الجديد أي إلى القيامة والدهر الآتي. ونجد نجمةً كهذه في أيقونات التجلّي أيضًا حيث يظهر مجد الرب السرمديّ لرسله (راجع متى 17: 1-13 ولوقا 9: 28-36).

وفي أيقونتنا يضمّ المربع الأول الصغير جسد المسيح الجليل بكل بهائه الملحوظ في طريقة جلوسه وخصوصًا في لون ردائه الذهبيّ. ومن زوايا المربع الصغير تنبع خطوط الهالة البيضاويّة التي تضمّ في داخلها عالم الملائكة الممثّل بالشاروبيم لأنّهم، حسب التقليد، هم والسرافيم يحيطون بالعرش السماويّ (راجع مزامير 80: 1؛ 99: 1؛ حزقيال 10: 1-20). من هنا نرى أنّ في خدمة القداس الإلهي تسمّى جماعة المؤمنين المزمِعين أن يستقبلوا ملك الكل بـ "الممثلين الشاروبيم سرّيًا"، لأن حضور المسيح في سرّ الأفخارستيا يجعلنا إزاءَ المجد الإلهي كما هو حال الشاروبيم في هذه الأيقونة. وأما إختيار اللون الأحمر للنجمة الثمانيّة الأطراف واللون الأخضر للهالة البيضاويّة، فهو مستوحى دون شك من وصف يوحنّا الحبيب للعرش الإلهي الذي يقول: "… وإذا عرش موضوع في السماء وعلى العرش جالسٌ. وكان الجالس في المنظر شبه حجر اليشب والعقيق (لونهما الأحمر) وقوس قزح حول العرش في المنظر شبه الزمرّد (لونه الأخضر)" (رؤيا 4: 2-3).

وفي زوايا المربع الثاني الكبير، تقع رموز الإنجيليّين الأربعة الذين بشروا بالخبر السارّ في اتجاهات الأرض الأربعة. ونجد في الزاوية العليا، إلى يسار المشاهد، رمز متى الإنجيلي الذي على شكل إنسان، ويظهر في الأسفل أسد يرمز إلى الإنجيليّ مرقس. وإلى الأعلى في الزاوية اليمنى نرى نسرًا يرمز إلى يوحنا الإنجيليّ، يليه في الأسفل ثورٌ يرمز إلى الإنجيليّ لوقا. وهناك تقليد كتابيّ قديم جدًا يعود تاريخه إلى ما قبل سفر حزقيال النبيّ (راجع حزقيال 1: 4-10) يربط هذه الكائنات الأربعة بالعرش السماويّ. وقد تبنّى سفر رؤيا يوحنا هذا التقليد (راجع رؤيا 4: 6-8) الذي نسبتْه الكنيسة، منذ القديس إيريناوس أسقف ليون (القرن الثاني م.)، إلى الأنجيليّين لأنه كما كانت تحمل الكائنات الأربعة العرش الإلهي حيث يشاء، هكذا تحمل الأناجيل مجد الرب إلى مَن آمن بالكلام الوارد فيها وحفظه. وتجدر الإشارة إلى أنّ صور الإنسان والأسد والنسر والثور تشير بالتسلسل إلى أحكم وأشرف وأسرع وأقوى المخلوقات على الأرض التي تخضع لخالقها من أجل نقل الخبر الخلاصيّ لكلّ البشر. ومن هنا نرى أنّ في الكنائس يرسم الأنجيليون على العواميد الأربعة المركزية رمزًا لأحكم وأشرف وأسرع وأقوى ما يحمل أساس الكنيسة وبنيتها.

يُرسَم الخالق المحاط بالشاروبيم في حركة قويّة وهادئة في آنٍ واحدٍ تنعكس على عالم الإنسان عبر رفرفة أجنحة الملائكة ووقوفهم في اتجاهات متعددة، وأخيرًا من خلال حركة الكائنات، التي تبدو متوجهة نحو المشاهد. تجدر الإشارة إلى أنّ الأيقونة تقدّم الأناجيل الأربعة على أنّها تنبعث من العرش الإلهيّ وتبحث عن أفراد جنس البشر كلّهم ليعرفوا من خلالها ربّنا يسوع المسيح وشريعته الخلاصيّة.

تأتينا هذه الأيقونة ببضعة أفكار في لمحة واحدة. إنّها تذكّرنا أولاً بأنّ يسوع المسيح هو الرب والسيد الأعلى إذ أنّ مجده يمتدّ ليس فقط في هذا العالم، بل أيضًا في كل زمان ومكان. كما وأنّها تذكّرنا بأن السيد هو محب البشر والمحسن إليهم ولذلك حركته الطبيعية هي حركة البركة والإعتناء. وأخيرًا تخبرنا الأيقونة بقانون ملكوت المسيح وهو وارد في النص الأنجيليّ الذي يدعو قرّاءه إلى الغفران ومسامحة بعضهم البعض.

يسوع المسيح يملك على الكنيسة والمسكونة بأسرها وهو ملك إلى الأبد. قانونه نجده في الأناجيل وإرادته الأولى هي أن يخلّصنا نحن وكل البشر. هذه هي رسالة أيقونة المسيح الضابط الكل وهي تعزّي قلوبنا كلّما رأيناها ورأينا مَن يطبّق رسالتها على الأرض.

د. دانيال عيّوش
معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتيّ


المراجع:

  • Altaner، B. / Stuiber، A.، Patrologie. Leben، Schriften und Lehre der Kirchenväter، Freiburg et all.، 1993، pg. 110-117.

  • Asurmendi، J.، Ezequiel (C.B. 38)، Estella، 21984، pg. 10-16.

  • Fischer، H.، Die Welt der Ikonen. Das religiöse Bild in der Ostkirche und in der Bildkunst des Westens، Frankfurt - Leipzig، 1996، pg. 12-28.

  • Oesterreicher-Mollowo، M. (Ed.)، Herder-Lexikon Symbole، Freiburg et all.، 61998، pg. 10.128.

  • Ouspensky، L. / Lossky، V.، The Meaning of Icons، Crestwood (N.Y.)، 21989، pg. 71-73.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع