Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


آخر ما أوصى به السيّد المسيح تلاميذه، بحسب بشارة القدّيس متّى، هو ما قاله بعد قيامته من بين الأموات "اذهبوا وتلمذوا كلّ الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (متّى 28: 19). يوجز التراث الكنسيّ الأرثوذكسيّ، في الكتاب المقدّس وعند الآباء، هبات المعموديّة تحت العناوين الثلاثة الآتية:

  1. الولادة الجديدة والتألّه،
  2. الاشتراك في موت المسيح وقيامته،
  3. الانتماء إلى الكنيسة جسد المسيح وشعب الله الجديد.

يشير السيّد المسيح في حديثه مع نيقوديمُس (يوحنّا 3: 1-21) إلى أنّ المعموديّة هي ولادة جديدة بالماء والروح، ويؤكّد أنّ مَن يريد أن يرى ملكوت الله، أي أن يحيا إلى الأبد، فعليه أن يولد من علُ، وذلك بأن يولد ثانيةً بالمعموديّة. المعمودية، إذاً، هي شرط من شروط رؤية ملكوت الله والحياة الأبديّة. هذه الولادة الجديدة تؤهّل المعتمد، إذا بقي أميناً على معموديّته، أن يتألّه، وعلى حدّ قول القدّيس بطرس الرسول يصير الإنسان شريك "الطبيعة الإلهيّة" (2 بطرس 1: 4). وقد شبّه آباء الكنيسة حالة الإنسان المعتمد والمؤلّه بالحديد في النار، يبقى على طبيعته، حديداً، ولكنّه يأخذ من طبيعة النار احمرارها وحرارتها ومفعولها، فيصير بدوره ناراً محرقة. وهذا أيضاً يذهب في ما قاله الآباء قديماً بأنّ ابن الله صار إنساناً ليصير الإنسان إلهاً بالنعمة لا بالطبيعة.

هذه الولادة الجديدة تمنح الإنسان أن يصير أيضاً ابناً لله ووارثاً مع المسيح، فيستطيع أن يدعو الله كما كان يدعوه المسيح: "أبّا، أيّها الآب" (رومية 8: 15)، وأن يصلي الصلاة التي علّمنا إيّاها المسيح نفسه "أبانا". هكذا، لا يبقى الإنسان غريباً عن الله: "لستم غرباء ولا نزلاء، بل أنتم مواطنو القدّيسين، وأهل بيت الله" (أفسس2: 19) الولادة الجديدة تدخل الإنسان في عائلة جديدة، على رأسها إلهٌ يخلّصه ويبرّره ويقدّسه، أمّا أعضاء العائلة فهم إخوة وأخوات قدّيسون وأبرار يسعون معاً بقلب واحد إلى ربّ العائلة للسكنى معه إلى الأبد.

يشدّد القدّيس بولس الرسول على أنّ المعموديّة هي ولادة جديدة واشتراك في موت المسيح وقيامته. فبعد أن يقيم الرسول مقارنة بين آدم الذي به دخلت الخطيئة إلى العالم والمسيح الذي به دخل البرّ إلى العالم، يتوسّع في الكلام على كون المعمودية اشتراكاً في موت المسيح وقيامته. فكما أنّ المسيح مات وقام، هكذا بالمعموديّة يموت الإنسان عن الخطيئة ليحيا في الله حياة جديدة (رومية 6: 3-7). وقد ورد في القوانين الرسوليّة في موضوع تقدّيس الماء: "قدّس يا ربّ هذا الماء، حتّى إنّ المعتمدين فيه يُصلبون مع المسيح، ويموتون معه، ويُدفنون معه، ويقومون للتبنّي".

إنّ طريقة المعموديّة بالتغطيس لا تزال هي المعمول بها، إلاّ لأسباب قاهرة كالمرض الشديد. والتغطيس في الماء هو العلامة الحسّيّة لما تعنيه المعموديّة، فهو يرمز إلى موت الإنسان القديم ودفنه، والانتشال منه يرمز إلى الحياة والقيامة. وثمّة علاقة وثيقة بين المعموديّة والنزول إلى الجحيم، فالتغطيس الثلاثيّ يرمز إلى الدفن الثلاثيّ الأيّام والنزول إلى الجحيم، والانتشال من الماء هو العودة إلى الحياة، هو القيامة الأبديّة. هذه القيامة على صورة المسيح تمنح المعتمد الخلاص والحياة الأبديّة، ذلك الخلاص الذي حقّقه السيّد المسيح عندما افتدى الإنسان والطبيعة البشريّة برمّتها على الصليب.

إنّ الإنسان بالمعموديّة يصير عضواً في الكنيسة، شعب الله الجديد وجسد المسيح. فالمعموديّة هي بالنسبة إلى الكنيسة ما كان الختان بالنسبة إلى شعب العهد القديم. الختان كان علامة العهد القديم، لذلك كان علامة مؤقّتة، عليه أن يزول ويفقد معناه بمجيء السيّد المسيح، ولا سيّما أنّ الختان كعلامة كان محصوراً بشعب واحد، في حين أتى المسيح ليجمع كلّ الأمم في شعب واحد وجسد واحد.

 وهذا ما أبرزه القدّيس بولس حيث يؤكّد أنّ المعموديّة هي علامة العهد الجديد، وأنّ غير اليهود ليسوا بملتزمين الخضوع للختان قبل معموديّتهم. فالشريعة لم تكن سوى مؤدّب يرشد إلى المسيح (انظر غلاطية 3: 25-28).

تدعو الكنيسة المعتمدين حديثاً "مستنيرين"، لأنّهم رأوا النور الحقيقيّ وتحرّروا من الخطيئة، وصاروا في النور الذي لا يغرب. يقول القدّيس اكليمنضُس الإسكندريّ في كتابه "المربّي"، مستنداً إلى قول مرنّم المزامير "قد قلتُ إنّكم آلهة وبنو العليّ كلّكم" (مزمور 81: 6): "عندما نعتمد نستنير، وعندما نستنير نصير أبناء، وعندما نصير أبناء نصير كاملين، وعندما نصير كاملين نأخذ عدم الموت".

ثمّ يتابع اكليمنضس قوله: "المعموديّة نعمة، استنارة، غسل، إكمال: غسل لأنّنا بها نتنقّى من آثامنا؛ ونعمة لأنّ القصاص المترتّب على خطايانا قد أُبطل؛ واستنارة لأنّنا نتأمّل نور خلاصنا ونَنفذ بالبصيرة إلى الأمور الإلهيّة؛ وإكمال لأنّه لا ينقصنا معها شيء". هذه أهمّ النعم التي يهبها الله لمختاريه بالمعموديّة، إذا ما بقوا أمناء على الروح الذي سكن فيهم منذ لحظة دفنهم وقيامتهم بشراً جديداً مع المسيح.

عن نشرة رعيتي 2002

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع