Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


لن أتكلّم، في هذه العجالة، على المعموديّة سراً، ولن أحاول شرح معانيها، وإنما سأتبسط في توضيح بعض ما يجب أن ينتبه اليه المؤمنون في ما يزمعون أن يقدّموا أطفالهم لنيل العضويّة الكنسية، وبخاصة التذكير بأهمية المعمودية المبكرة.

ومن المعلوم بدءا أن الشرق المسيحي قديما كان يكمل سر المعمودية للطفل في اليوم الاربعين من ولادته. وهذا له معانيه الجمة والعميقة، ولا يتوافق وكل تأخير للمعمودية مهما كان سببه. وذلك لأن تأخيرها يسيء الى خلاص الله الذي لا يؤجل قبوله او اقتباله... وترى أن الكثيرين يهملون المعمودية المبكرة لغير سبب: فمنهم من يتكاسلون عن إتمامها لأولادهم صغارا او لا يشعرون بضرورتها المبكرة، ومنهم من يخافون من تغطيس الطفل فيؤخرون معموديته، ومنهم من تأثروا بأفكار غريبة عن التراث المسيحي فينتظرون أن يكبر أولادهم ليفهموا السر أفضل، ومنهم يؤخرون المعمودية بحجة انهم لا يقدرون على إقامة احتفال (عشاء او ضيافة فخمة...) للمناسبة؛ ومنهم بحجة انتظار أحد أقاربهم المزمع أن يأتي من السفر بعد شهور عدة (بخاصة إن كان هو المختار عرابا للطفل). وثمة بعض الذين يعيشون خارج لبنان لا يعمدون أطفالهم الا في وطنهم وبين أقاربهم وأصدقائهم...، وهذا -على أهميته- يقتضي، في أحيان كثيرة، تأخير المعمودية...

وهذه الأسباب، مجتمعة او منفصلة، تسيء الى ما هو أولي في تراثنا، وأعني أن ينال الطفل، في المعمودية، عضوية الكنيسة وأن يكون شريكا في الأسرار المقدسة منذ نعومة أظافره. وهذه مشيئة الله الذي قال: "دعوا الأطفال يأتون إلي ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات" (متى 19: 14). : 14).

اما أن يردد الواحد أحد الأسباب التي ذكرتها أعلاه، فأمر لا مكانة له في الوعي والتقوى المسيحيين. فالإهمال مصيبة، والخوف من التغطيس مصيبة أخرى لا مبرر لها، وإخضاع المعمودية لأي شرط دنيوي يؤجلها كالضيق المادي او انتظار قريب مسافر... هو تطويع المعمودية لبعض التقاليد الاجتماعية وإخضاعها لمشيئة بشر. ومن قال إن إجراء المعمودية يفترض، مثلا، حفلا او بذخا وأكلا وشربا...؟! أليست هذه أمورا من هذه الدنيا وتقزيماً لسر الخلاص؟ واستطراداً أقول إن السعي الى تنظيم حفل دنيوي ما يتبع المعمودية يوحي بأن المعمودية تفترضه او انه يكمّلها، وهذا، وما يرافقه من بذخ، عيب فاضح ويخالف تواضع المسيح.

المعمودية انتماء الى دنيا الحق الذي هو كمال الفرح الذي لا يوازيه فرح. هي فرح بالرب واستسلام لعطاياه وتجنّد لطاعته وخدمته. والبذخ ضدّ هذه كلها، وليس هو من دواعي الكرم او تعبيراً عن الفرح الحقيقي او إنشاء له. ولنعتبر أن الناس قادرون على صرف أموالهم (وهؤلاء ما عادوا اليوم كثراً) ويريدون أن يعبّروا عن ابتهاجهم في هذه المناسبة الفريدة، فلماذا لا يتبرعون للكنائس التي يقصدها الفقراء يومياً طلباً للمساعدة؟ أم أن مساعدة المحتاجين التي تفرح الله (وهم إخوتنا وأصدقاء الرب الحقيقيون) باتت امراً مستهلكاً ومزعجاً، او يمكن تأجيله او تجاهله؟! خصوصا اننا اعتدنا على أن نفكر بأن الأقرباء والأصدقاء ينتظرون فرحاً آخر في هذه المناسبة...

ولماذا تؤجل معمودية طفل بانتظار أن يأتي أحد الأقرباء من سفره؟ وأقرباء المؤمن الحقيقيون هم أعضاء كنيسته. لماذا نضع شروطاً لا أساس لها؟ (ولا أريد أن يفهم أحد انني، لا سمح الله، ضدّ محبّة الأقرباء او الأصدقاء...).

ولماذا يُظن أن القريب يفرح بالمشاركة في المعمودية (وهذه واجبة إن لم تكن داعياً لتأخير المعمودية)، ولا يفرح بخبرها ومشاركته في الصلاة -ولو من بعيد- من أجل أن يقدس الله هذا المولود جديداً، وأن يثبت في محبة خالقه والإخلاص له؟

ولماذا نعلّي شروطاً (مثل فهم الطفل) لا تقولها كنيستنا التي تستند على تأكيد الكتب المقدسة أن المعمودية هي اشتراك بموت المسيح وقيامته، أي بخلاص الله المجانيّ، وهذا الخلاص بدّل على أن الله يطلب من البشر شيئاً، لا الفهم ولا غيره.... وعندما قرر....، أي عندما قرر أن يرسل ابنه الوحيد ليموت عن العالم ويخلصه من حكم ابليس ويهبه الحياة الأبدية؟ أليس وضع مثل هذه الشرط (فهم الطفل) إهانة لقرار الله ومحبّته، وتبنّي لتعاليم منحرفة لا أساس لها ولا صحة؟ وايضا الا يوحي هذا الشرط بأن المعمودية توقف التعلّم؟ والتعلم مسؤولية المؤمن الفاهم في كل وقت، لأنه يساهم في كشف وجوه الله الحيّة والمتعدّدة.

وتأخير معمودية الطفل، سواء كان ذكراً أم انثى، "قصاص" له وبآن للمشتركين في السر، ويعرقل الخدمة ومتابعتها. وفي هذه الحال يكون صراخ الولد هو السيد، ولا تضاهيه سوى محاولة إسكاته، فتفقد حينئذ خدمة السر رونقها وقدسيّتها... والواقع أن الناس، عموما، وأقول هذا بأسف شديد، باتوا نادراً ما يعيرون الإصغاء الى خدمة المعمودية أهميّة... وكلمات السرّ تقدم معانيه.

وذلك أن ما لا يخفى على ملتزم أن المشاركة في الصلاة، بفهم، أمر لا تضاهيه أهميّة، اذ انها، من جهة أولى، تبيّن فهم المؤمنين عضويّتهم الكنسية وفي آنٍ قداسة الله التي ينالها المعمد في السر، وتؤكد، من جهة أخرى، حرصهم على أن يكون هذال المولود لله مخلصاً لمعموديته (اي مندرجاً في حياة الجماعة ورافضاً كلّ بعد وتفرّج...)، وبمعنى آخر أن يكون حجراً حيّا في البناء (الكنيسة) ومساهماً في ارتفاعه، وهذا بكلام مبسّط، يعني أنهم يؤمنون بأنه سيساهم شخصياً في قداستهم وقداسة الكنيسة وبأنه رسول الله في العالم.

بعض الأمور إن أقلعنا عنها، بجرأة، تعبير عن مصالحتنا للحق وتأكيد أن ما تسرّب إلينا من أخطاء هو غبار لا قيمة له ويسهل نقضه ورميه خارجاً.

عن نشرة رعيتي 2000

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع