Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


تحتفل الكنيسة الأرثوذكسيّة في التاسع من شهر كانون الأوّل بذكرى حبل القدّيسة حنّة العجائبيّ بالقدّيسة مريم والدة الإله. والرواية الكنسيّة تشير إلى إنّ حنّة كانت عاقراً ومتقدّمة في السنّ حين حبلت بمريم، على مثال أليصابات حين حبلت بيوحنّا المعمدان. ومريم ويوحنّا هما الشخصان الوحيدان _ ما خلا السيّد المسيح - اللذان تحتفل الكنيسة بذكرى الحبل بهما وبولادتهما، وهذا يدلّ على أهمّيّة هذين الشخصين في القصد الإلهيّ الذي بلغ قمّته في تجسّد ابن الله. وتعترف الكنيسة أنّ حبل حنّة بمريم تمّ بقدرة الروح القدس.

في العام 1854 أعلن البابا بيوس التاسع عقيدة "الحبل بلا دنس"، وهي العقيدة التي رفضتها الكنيسة الأرثوذكسيّة بحزم. تقول هذه العقيدة إنّ "مريم قد عُصمت منذ اللحظة الأولى للحبل بها من كلّ دنس الخطيئة الأصليّة، وذلك بنعمة وإنعام فريدين من الله القدير، ونظراً إلى استحقاقات يسوع المسيح مخلّص الجنس البشريّ". ولفهم هذه العقيدة لا بدّ من الحديث عن "الخطيئة الأصليّة" بالمفهوم الكاثوليكيّ لها، وبخاصّة عند المغبوط أغسطينس الذي اعتبر أنّ الخطيئة تنتقل بالوراثة إلى كلّ إنسان يولد من نسل آدم. فكلّ إنسان يولد خاطئاً ومنحرفاً ومستعبداً للشهوة. أمّا بشأن مريم العذراء، فيقول أغسطينس إنّها قد تحرّرت كلّيّاً، بنعمة خاصّة، من الخطيئة الأصليّة، وقد منحها الله هذه النعمة عندما وُلدت.

لقد رفضت الكنيسة الأرثوذكسيّة عقيدة الحبل بلا دنس ليس إنكاراً لقداسة مريم، بل لأنّ نظرتها  إلى الخطيئة الأصليّة وعواقبها في الإنسان تختلف عن الكنيسة الكاثوليكيّة. فلا وجود لعبارة "الخطيئة الأصليّة" في الكنيسة الشرقيّة التي تتكلّم على "خطيئة الأبوين الأوّلين" أو "خطيئة الجدّين الأوّلين"، عن خطيئة آدم وحواء. ويرفض الأرثوذكس مسألة انتقال الخطيئة بالوراثة، فآدم وحواء هما خطئا، أمّا نسلهما فيرث فقط ما نتج عن سقوط آدم وحواء، أي الأعراض المرافقة للطبيعة الإنسانيّة كالتعب والمرض والموت. وهذا ما استلزم الخلاص بالمسيح، إذ تشوّهت صورة الله في الإنسان ووجب إعادتها إلى المثال بقبول الإنسان الحرّ والواعي لهذا الخلاص.الخلاص.

من هنا، لا ترى الكنيسة الأرثوذكسيّة مستقيماً التعليم الكاثوليكيّ حول عقيدة "الحبل بلا دنس". وقد ردّ الأرثوذكس على هذه العقيدة، فاعتبروا إنّ الله أنعم على مريم العذراء بملء القداسة، وقد تجاوبت مريم مع هذه النعمة، فلم تقترف أيّ خطيئة وبقيت "منزّهة عن العيب"، و"الممتلئة نعمة"، و"الكلّيّة القداسة". ولكنّ هذه النعمة لا تعني، في نظر الكنيسة الأرثوذكسيّة، عصمة من الخطيئة الأصليّة، فمريم خضعت للموت كسائر البشر وتحمّلت معهم عاقبة خطيئة آدم وحواء. وكما قال أحد اللاهوتيّين الأرثوذكس تعليقاً على هذه العقيدة: "إنّ العصمة تحرم مريم العذراء من صلتها الصميمة العميقة بالجنس البشريّ"، وتسلب، تالياً، الحرّيّة الإنسانيّة كلّ قيمتها، و"تقطع الاستمراريّة مع قداسة العهد القديم، تلك القداسة التي تجمّعت من جيل إلى جيل لتكتمل أخيراً بشخص مريم العذراء الكلّيّة الطهارة التي بطاعتها المتواضعة خطت الخطوة الأخيرة التي كان ينبغي على الإنسان أن يخطوها لكي يصبح عمل خلاصنا ممكناً".

وتبقى المشكلة الكبرى في مسألة خلاص مريم من دون الحاجة إلى فداء ابنها، فالسؤال الذي طُرح في هذا الصدد هو: "إذا كان المسيح وحده هو المخلّص والفادي، فكيف يكون مخلّص أمّه إن هي حُرّرت من الخطيئة الأصليّة قبل الفداء؟". فيقول أحد اللاهوتيّين الكاثوليكيّين جواباً على السؤال إنّ ثمّة طريقتين تحقّق بهما فداء البشر: الطريقة العامّة التي تشمل كلّ البشر، والطريقة الاستثنائيّة التي تميّزت بها مريم، فـ"افتُديت استباقاً لاستحقاقات ابنها يسوع المسيح"، الذي هو وحده مخلّص الجنس البشريّ، ولا خلاص بغيره. وهذا ما يأباه الفكر الأرثوذكسيّ الذي لا يقبل هذا الميل الحقوقيّ في التفكير والذي يطمس الطابع الحقيقيّ لعمليّة الفداء ولا يرى فيها سوى عمليّة "استحقاق" مبهم للمسيح، منسوب إلى كائن بشريّ، قبل آلام المسيح وقيامته وقبل تجسّده أيضاً.

إنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة، برفضها عقيدة "الحبل بلا دنس" وعصمة مريم العذراء من الخطيئة الأصليّة، تؤكّد في صلواتها على عظمة مريم ومكانتها الفائقة في سرّ التدبير الإلهيّ. فأهمّيّة مريم تكمن في هذه الـ"نعم" التي قالتها لملاك البشارة بكامل حرّيّتها وملء إرادتها البشريّة. وإذا عُصمت مريم فكأنّها تكون قد سُلبت هذه الحرّيّة والإرادة، وهكذا تبطل أن تكون كاملة الإنسانيّة، بل تكون، عندئذ، كآلة مبرمجة مهمّتها أن تلد يسوع. ويمكن إيجاز الكلام على عظمة مريم بأنّها كانت إنسانة، كسائر البشر، اختارت أن تهب نفسها هيكلاً لسكنى ابن الله. لذلك، تمدحها الكنيسة الأرثوذكسيّة فتكرّمها وترفعها على سائر المخلوقات، بمَن فيهم الملائكة. وهناك في الأدب الكنسيّ الشرقيّ الكثير من الترانيم والأناشيد (كالمديح) التي ترفع من شأن مريم ودورها وشفاعتها.

نشرة رعيتي
الأحد 7 كانون الاول 2003
العدد 49

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع