Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يسوع المسيح هو الذي كشف لنا أن الله "آب" بكل ما يحمله هذا الاسم من محبة ورحمة وحنان. أبوة الآب ليست مجرد وصف لعلاقة الآب بالابن الوحيد وحسب، بل مصدر كلّ أبوة إنسانية، فالرسول بولس يقول: "لهذا السبب أجثو على ركبتيّ لأبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تُسمى كل أبوة في السموات وعلى الارض" (أفسس 3: 14-15).

استعمل كتّاب العهد القديم وأنبياؤه صورة الأبوة الإنسانية ليصفوا علاقة الله بشعبه، فنراهم يقارنون محبة الله ورأفته بهم بمحبة أب ورأفته بابنه: "فإن الذي يحبه الرب يؤدبه ويرتضي به كأب بابنه" (امثال 3: 12)، وايضا: "كرأفة أب ببنيه يرأف الربّ بالذين يتقونه" (مزامير 102: 13). وإرميا يستعمل صورةً أبوية لله تجاه شعبه تحمل معاني الرعاية القصوى والحضن والحماية من كل المخاطر والأهوال حيث يقول: "يأتون باكين وأهديهم، متضرّعين وأسيّرهم الى مجاري المياه في طريقٍ مستقيم حيث لا يعثرون لأني أب لإسرائيل، وإفرائيم بكر لي" (أرميا 31: 9).

أتى الرسول بولس وقَلَبَ هذا المفهوم، وأشار كما في الآية أعلاه (افسس 3: 14-15) الى أن الأبوة الإلهية هي أساس كل أبوة إنسانية. فالله هو المحب، وكل محبة ارضية هي صورة ناقصة لمحبته: الله هو الرؤوف وكل رأفة انسانية هي صورة ناقصة لرأفته... أبوة الله كانت أبوةً لشعبه في العهد القديم. اما في العهد الجديد فنراها متأصلة في أبوته الأزلية للابن الحبيب. واذا انكشفت لنا هذه الأبوة نصبح عن طريق الروح القدس ابناء بالنعمة.

فبعد أن يؤكد الإنجيلي يوحنا في مقدمة إنجيله على أزلية الكلمة-الإله، يقول: "الله لم يَرَه أحد قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو أخبر" (يوحنا 1: 18). فقد تنازل الابن وسكن بيننا فكشف لنا عِظَمَ محبة الآب الذي لم يقبل بأقلّ من بذل ابنه من اجل حياة العالم: "لانه هكذا أحب الله العالم حتى انه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا 3: 16). محبة الآب لا متناهية، فالعطاء الذي يبذله الله لا يأتي مما يفيض منه ويزيد، بل يأتي من ذاته، ذلك انه يهب ابنه لخلاص العالم.

الآب فاتح ذراعيه دوما أمام أبنائه التائبين اليه كنبع من المحبة لا ينضب، ف "الله محبة" (1 يوحنا 4: 8و16). وهو يهب محبته بالابن والروح القدس: "الرجاء لا يخيّب صاحبه، لأن محبة الله أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي وُهب لنا" (رومية 5: 5). ولا يتردد الرسول بولس في إسباغ صفة المحبة على الآب: "ولتكن نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس معكم أجمعين" (2 كورنثوس 13 :13)، ولا يخفى أن هذا السلام الى أهل كورنثوس استعاره القداس الإلهي.

يسوع المسيح علّمنا ايضا أن نتوجّه في صلاتنا الى الله كأب، فصلاة "ابانا" التي نخاطب فيها الآب هي اساس كل صلاة تقوم بها الجماعة المؤمنة، كما أن الصلاة الشكرية التي صلاها يسوع قبل ذهابه الى الآلام (يوحنا 17) خاطب بها الآب... الرسول بولس يوضح أننا لا نستطيع أن نتوجه بالصلاة الى الآب ما لم يكن الروح القدس ساكنا فينا، فيقول: "فإن جميع الذين يُقتادون بروح الله هم ابناء الله، اذ لم تأخذوا روح العبودية ايضا للمخافة، بل اخذتم روح التبني الذي ندعو به أبّا ايها الآب" (رومية 8: 14-15).

اذا كنا نلنا التبني فذلك لأن الابن الوحيد قد صار مثلنا، واذا كنا سنرث ملكوت السموات فذلك لأن الابن الوحيد هو الوارث الحقيقي. فبقدر ما نعترف باللسان والحياة ان يسوع المسيح هو ابن الله ومخلّص العالم بقدر ما نصير مواطني ملكوت السموات: "وحيث نحن ابناء فنحن ورثة، ورثة الله ووارثون مع المسيح إن كنا نتألم معه لكي نتمجد معه" (رومية 8: 17).

عن نشرة رعيتي 1997

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع