Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


هو سرّ الحب الذي سبق الله فعيّنه قبل الدهور لمجدنا، وكشفه في ملء الزمان لتكون لجميع الناس شركة الحياة الأبدية. وهذا السرّ -الذي هو "حقيقة تتجاوز كل تفسير بشريّ"- يسبر أغواره كلُّ مَنْ خشع بصدقِ قلب أمام المصلوب العاري، وكان له موت المخلّص نبعَ حياة جديدة.

أخذ موضوع الصليب مكانة هامّة في كتابات العهد الجديد وبخاصّة في رسائل القديس بولس، وهو يتمحور حول نقطتين هامّتين: أوّلهما أنّ موت المسيح على الصليب هو حدث تمّ فعلاً في التاريخ، وثانيهما أنّ هذا الحدث هو حياة العالم. أوّل آية تلفتنا، في سياقنا، هي قول الرسول في رسالته الأولى الى كنيسة كورنثوس، وهي: "لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم الاّ يسوع المسيح وإيّاه مصلوباً" (2 :2)، وهو، لا شكّ يعني أنّ هذا الحدث الخلاصيّ لا يحتجزه الماضي وإنّما فعله مستمرّ في التاريخ، ويدلّ تالياً الى ما يرجو أن يراه الرسول في هذه الجماعة الناشئة، وهو آمن تقبل يسوع ربّاً ومخلّصاً، وهذا يعني أن تطيع كلمة الله في حياتها اليومية. وذلك أن البشرى السارّة التي لقّحهم بها الإناء المصطفى لا تُرتضى بالكلام فحسب، وإنمّا بالارتداد الكامل الى الله وصلبِ كلّ شهوة ضارّة في سبيل أن يتصوّر المسيحُ الغالب في مَن آمنوا به. ويورد الرسول، في رسالته الى أهل غلاطية، شهادة رائعة تساعدنا لنتبيّنَ أكثرَ المعنى الذي افتتحنا به الكلامَ هنا، يقول: "مع المسيح صلبتُ فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد فإنمّا أحياه في الإيمان إيمان ابنِ الله الذي أحبّني وأسلَمَ نفسَه لأجلي" (2: 20). طبعاً، بولس لا يتكلّم كما الناس يتكلّمون ولا يحيا كما يحيا العالم، فهو أدرك السرّ، وكانت حياته خير تعبير عن إدراكه، وذلك أنّه آمن بأنّ المسيح أحبّه حبّاً شخصيّاً لا مثيل له، وهو يقصد أن يقول هنا: إنّه لو لم يوجد في العالم إنسان آخر غيره، لكان ابنُ الله الوحيدُ أتى وأسلم نفسه من أجله. المسيح مات عنه وهو لا يستطيع أن يكون حياديّاً أمام هذا الحدث الرهيب. وإذا قال إنّه صلب "مع المسيح" فهو، لا شكّ، مؤمنا يعني أنّ المسيح حملَه (بولس) معه على صليبه. وهذه المعيّة تشير الى أنّ الرسول قبلَ خلاص المسيح الذي حقّقه في العالم، وتؤكّد، تالياً، أنّ هذا "الحبّ الجنوني" الذي هو نبع حياة جديدة ويُرتضى كلّ يوم بات هو حياته كلّها. أن نُصلَب مع المسيح لا يعني أن تكون لنا صُلباننا كأفراد منفصلين عنه، وإنّما أن نؤمن بأنّ يسوع قد اتّخذنا معه على صليبه ذاته وقضى على كلّ خطيئة فينا وفي العالم وأقامنا معه الى حياة جديدة.

مَنْ لمْ يذق ثمرة غلبة صليب المسيح في حياته لا يمكن "للخطيئة او للخلاص أو للفداء" أن يكون لها معنى عنده. ويسقط في الإثم كلّ مَن يعتبر أنّ لا قيمة للحياة من دون أن يغرف من ملذّات هذا العالم، وهو "ذلك الميدان البارد المجرّد" كما يصفه الأب ليف جيله. صحيح أنّ للعالم بريقاً مغرياً، ولولاه لما سقط أحد في خديعته: غير أنّ الحبّ الذي يذوقه المؤمنون في قلوبهم أقوى وأسطع، وسفينته التي تحملهم الى مرفأ النجاة هي الصليب. لا أريد أن يفهم قارئي أنّ الربّ يسوع قهّارٌ (وكيف يكون المصلوب حبّا بالبشر قهّارّاً؟)، وهو يطلب الناس غصباً عن إرادتهم. عظمته، في كلّ حال، أنّ محبّته المبذولة هي دعوة، لها، إن ارتُضيَتْ، كلّ القدرة على أن تبيد إصرار الغارقين في معاصيهم وأن تجدّدهم. يكفي الإنسان ليحيا أن يرتضي، بلا يأس، أن تغلبه محبّة السيّد المذهلة. وذلك أنّ الذي نزل الى أسفل الجحيم وغلب بموته الموتَ قادرٌ - إن شئنا - على أن "ينقذنا من كلّ سقطة وحزن"، وتالياً، أن يزيل كلّ تناقض بين حبّه لنا وتخاذلنا عن طاعة حبّه.

لا غرو من أن تجد في الدنيا مغريات جمّة واعتبارات تخالف جوهر الحق وتعمل ضدّه، وإنّما العجب أن تلقى مسيحيين غرقى في العالم ويتهافتون على ما يظنّون فرحاً ومجداً فيه. قد يزعج القول إنّ ما يجعل صليب المسيح حدثاً للدينونة هو أن يلهث المؤمنون بالله وراء قوّة العالم التي بطلت وأن يطلبوا مجداً زال وفرغ من معناه. كيف يكون صلب يسوع حقيقة حياتنا؟ هذا هو تحدّي مَن (يسوع) أطاع أباه حتّى النهاية. المسيح مات "من أجلنا" وهذا يعني أنّ لا قيمة للحياة بعيداً عنه، ولا قيمة للتمرّد والعصيان، لأنّ كلّ تمرّد قهره النّور الذي انبلج من القبر في اليوم الثالث (راجع اهتداء بولس). فالظلمة لا يمكنها أن تقاوم النّور، ولا الخطيئة البرّ، ولا الكره الحبّ... وكلّ تمرّد غباء مهما كان تفسيره. غير أنّ الأبرار يثقون بأنّ الحقّ غالب مهما زاد عدد أعدائه، وأنّه قادر، في كلّ وقت، على أن يقيم مملكته في طاعة التاريخ. لقد اختصر موت المخلّص تاريخَ البشر، وبدت دينونة العالم نصراً أكيداً وحاصلة كلّياً في تلك اللحظة التي ظنّ العالم فيها أنّ ابن الله مات مغلوباً. لا، العدد ليس بشيء، وقوة العالم ليست بشيء: الجمال والعقل والمال والسلطة...، وكلّ ما يُظنّ أنّه شيء، صار لا شيء، لأنّ يسوع "قوّة الله وحكمته" (1كورنثوس 1: 24) فضح العالم وقلب مفاهيمه وجعل مقاييس العالم لا قيمة لها، وبات هو وحده الكلّ وفي الكلّ.

المسيح غالباً في أحبّائه، هذا هو سرّه. هو لم يغلب على الصليب موتَهُ فقط، وإنّما الموتَ، وهذا يعني أنّه غلب بموته موتَ كلّنا وكلَّ تقاعس وخطيئة فينا وفي العالم... وهذه الغلبة هي سرّ الوجود الجديد، وذلك أنّ كلّ نور وفضيلة، في كلّ جيل، بتا به ممكنين. فالمسيح الذي تنازل وأبان قوّته وجماله في "العراء والقبح"، مكّننا نحن الذين كنّا قبل تجسّدِهِ وصَلْبِهِ لا شيء، أن نصير به ومن نحسبه غيرَ موجود ولا شيئاً، موجودين وفي كلّ شيء.

كان العالم غارقاً في حمأة الخطيئة لما أتى ابن الله وأحبّنا حتّى النهاية وأعطانا طريقَ النصرِ وضمانةَ الحياةِ الحقّ، هذا هو السرّ الذي "ظهر" وبات في متناول يد كلّ إنسان في العالم ليكشِفَهُ ويحيا.

عن نشرة رعيتي 2000

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع