Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يعلن المؤمنون المسيحيّون في كلّ مرّة يتلون فيها دستور الإيمان أنّ الله خلق "كلّ ما يُرى وما لا يُرى"، وذلك استناداً إلى سفر التكوين الذي يعلن أيضاً أنّ "الله رأى جميع ما صنعه فإذا هو حسنٌ جدّاً" (1 :31). من هنا، خلق الله الإنسان والكون كلّه صالحاً لأنّه لا يمكن أن يخلق الله شيئاً غير صالح. أمّا الشرّ فدخل إلى الطبيعة بالإنسان الذي خلقه الله حرّاً عاقلاً، فنحا الإنسان إلى الابتعاد عن الله فسقط بالخطيئة التي أجرتها الموت. لذلك رفضت الكنيسة منذ نشأتها اعتبار المادّة غير صالحة، بل عمدت إلى تقديس المادّة كوسيلة لتقديس الإنسان.

ظهرت في تاريخ الكنيسة المسيحيّة بعض البدع العرفانيّة التي دعت إلى نبذ المادّة كونها شرّيرة وغير صالحة، كبدعة المانويّة (القرن الثالث الميلاديّ) التي كانت تقول بإلهين اثنين: إله الخير الذي هو أساس الروح والعالم اللامنظور، وإله الشرّ وهو أصل الجسد والعالم المادّيّ. وقد رفضت المسيحيّة هذه البدعة وأعلنت أنّ المادّة صالحة في جوهرها وذلك لعدّة أسباب: أوّلها لأنّها من صُنع الله، وثانيها لأنّ الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله جُبل منها، واسم "آدم" مشتقّ من جذر له علاقة بالأرض، ف"أدمة" تعني التراب. أمّا السبب الأهمّ فهو أنّ الله خالق المادّة والإنسان المجبول من المادّة، عندما أراد أن يتجسّد اتّخذ هذه المادّة ليخلّص الإنسان من الخطيئة.

كذلك رفضت الكنيسة البدعة "الدوكاتيّة" (أو الشبهيّة) التي رفضت الاعتقاد بحقيقة تجسّد الكلمة في التاريخ، وقالت بأنّ المسيح لم يتّخذ جسداً حقيقيّاً بل مظهر جسد. وذلك انطلاقاً من اعتقادها بأنّ عالم الجسد والمادّة هو عالم فاسد لا يمكن أن يتّخذه ابن الله. لقد قاوم القدّيس يوحنّا الإنجيليّ هذا الرأي الفاسد عندما قال في فاتحة إنجيله: "والكلمة صار جسداً …" (1: 14)، فأكّد على حقيقة جسد المسيح. كما قاوم العديد من الآباء تعليم هذه البدعة، فالقدّيس أغناطيوس الأنطاكيّ (+ 108) يعتبر أنّ إنكار حقيقة بشريّة السيّد المسيح هو في الوقت نفسه إنكار حقيقة الفداء، لأنّه إنْ لم يكن ليسوع سوى جسد ظاهريّ، فهو لم يتألّم إلاّ ظاهريّاً، ونحن لم نحصل على الفداء إلاّ في الظاهر، وليس في الحقيقة. وهكذا، القائلون بهذه البدعة كأنّهم يعتبرون أنّ كلّ عمليّة الفداء ليست سوى مسرحيّة لبس فيها المسيح قناعاً وهميّاً خلعه بعد انتهائه من دوره.

يتابع القدّيس أغناطيوس الأنطاكيّ شجبه للبدعة المظهريّة بقوله إنّ الاعتقاد بعدم حقيقة تجسّد المسيح يجعل الإفخارستيّا (القدّاس الإلهيّ) مجرّد مظهر. من هنا تعتقد المسيحيّة بأهمّية المادّة في تقديس الإنسان والعالم. ففي الإفخارستيّا، وهي امتداد التجسّد، يستخدم المسيح، بناء على وصيّته لتلاميذه، الخبز والخمر ليتّحد بالإنسان. وقيامة المسيح من بين الأموات بالجسد، وصعوده إلى السموات هو دليل دخول المادّة المؤلَّهة في عالم الله الأزليّ. وأخيراً، في وعد القيامة العامّة ستشترك المادّة في الحياة الأبديّة، ذلك أنّ الكنيسة تؤمن بقيامة الأجساد في اليوم الأخير.

تعتبر الكنيسة أنّ ثمّة تناغماً بين تقديس الإنسان للمادّة وتقديس المادّة للإنسان، بمعنى أنّ مشاركة الإنسان بتقديس المادّة تجعل هذه المادّة فاعلة في تقديسه. من هنا، تؤمن الكنيسة بحضور المؤمنين للمشاركة في الأسرار التي من خلال رموز منظورة تجعل المصلّي في علاقة مع الله بالروح القدس. فالخبز والخمر (في سرّ الإفخارستيّا)، والماء والزيت والميرون (في سرَّي المعموديّة والميرون)، والزيت (في سرّ مسحة الزيت المقدّس)، تبقى موادّاً بلا فاعليّة إذا لم يشارك المؤمن بقوله "آمين" (لفظ يعني "فليكن") جواباً على إمام الصلاة (الأسقف أو الكاهن المنتدَب من الأسقف). الجماعة المصلّيّة المجتمعة بدعوة من الله هي التي تقدّس هذه الموادّ حتّى تتقدّس بها. الإنسان هو الأساس.

الإنسان بكلّيّته مدعوّ إلى الخلاص، لذلك لا تقيم الكنيسة فرقاً بين الروح والجسد. فالإنسان كائن واحد غير مزدوج، بعكس الاعتقاد الشائع القائل بأنّ روح الإنسان وحدها هي التي تشارك بالمجد الأزليّ. فالجسد هو الذي ينال كلّ الأسرار (المعموديّة، الميرون، الإفخارستيّا، المسحة…)، الجسد هو الذي يسجد ويصوم ويصلّي…

حواسّ الإنسان كلّها تشارك في العبادة: الأذن تطرب للتراتيل، العين ترى جمال الله في مخلوقاته والأيقونات، الأنف يتنسّم عبير البخّور، اليد ترسم إشارة الصليب وتشعل شمعة… هذا الجسد المادّيّ هو الوسيلة التي بها يعبّر الإنسان عن خضوعه لله بالعبادة والتسبيح. لذلك، هذا الجسد المسبّح لله في هذه الحياة الفانية سيشارك في التسبيح الأزليّ في ملكوت الله الذي لا يفنى.

يقول القدّيس الرسول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثس: "أما تعلمون أنّ أجسادكم هي هيكل الروح القدس الذي فيكم الذي نلتموه من الله وأنّكم لستم لأنفسكم. لأنّكم قد اشتُريتم بثمن كريم. فمجّدوا الله واحملوه في أجسادكم" (6: 19). مَن وعى أنّه هيكل للروح القدس وعاش بتوبة دائمة وحمل الله وأعطاه إلى الناس من خلال سلوكه ومحبّته للناس وتواضعه، لن يهجره الروح القدس وسيبقى ساكناً فيه إلى الأبد.

عن نشرة رعيتي 2002

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع