Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


إن فهم أية مسألة -الموت الرحيم مثلاً- وعلى نحو جلي ومطوّل، مع النتائج التي تترتب على ذلك في كل النطاق القانوني، ليس متوفراً لنا كل حين.

فالصعوبة تبدأ من بعد محوري وأساسي هو صلاح الحياة الإنسانية الذي يستحيل، بمقاييس طبيعتنا، أن نقدّره موضوعياً، فهو في شموليته، لا يؤلف مادة مضبوطة بالكامل بحسب طاقتنا وإمكانياتنا. ومن جراء هذا، تبرز صعوبة أخرى وهي أن نحدد "متى"، وهل يُسمح لنا أن نمنح الموت لمن لا رجاء عنده بالشفاء. وفي النهاية، حتى ينطفئ آخر بريق أمل بالحياة. والسؤال الذي يُطرح الآن هو: هل نمتلك الحق في أن نقرر وضع حد لحياة إنسان، يُنظر إليه علمياً على أنه في عداد الأموات حكماً، أو أن حالته أصبحت أمراً لا شفاء له. وبالمثل فإن تقديم الموت الرحيم إلى إنسان هو نفسه قرر ذلك، هو أمر مأساوي. إن استخدام الحرية هو مسألة شائكة قلّما أفلح الإنسان في تقديم حلول لها. الحياة الحاضرة هي بحدّ ذاتها سرّ ماورائي لا يستطيع أحد أن يدّعي امتلاك الحق للتدخل فيه، وأخذ زمام المسؤولية لتفعيله. لهذا، فإن مسألة الموت الرحيم تطرح عدداً من المشكلات، وتضع صعوبات يستحيل معها الكلام عن تحديد الوعي الإنسان اللازم.

إن هذه الملاحظات الافتتاحية تطرح المسألة التي ينبغي أن ندقّق فيها ونحدّدها، وذلك كي يصبح فهمنا ممكناً، ومقاربتها ممكنة. ومحاولة كهذه عند العلماء الاجتماعيين، لا يمكن تفسيرها على أنها محاولة لحل المشكلة. فهذا المسعى كان وسيبقى حركة في اتجاه فهم أسرار الحياة، وفهم الألم والمنطق والضمير والحب والحياة الاجتماعية والأسرار التي هي بمجملها الأساس لكل خصوصيات طبيعتنا الإنسانية، ومن شأنها أن تحدّد الخواص السلبية والإيجابية في المجتمع والحضارة بآن، وتميط اللثام عن حدودنا واحتمالنا فضلاً عن كل ما يمتّ إلى اللاهوت الأرثوذكسي بصلة، وإلى قيمة الشخص البشري وأصله الإلهي.

سوف ننطلق من تحديد واحد بحسب ما تستدعي منا المتطلبات العلمية، وذلك من أجل حصر المعاني وتحديدها. مسألة الموت الرحيم هي بمثابة حل لتحرير حياة الإنسان من آلام المرض في وضع لا تكون فيه الحياة حياةً. ويرتبط الموت الرحيم بمسألة الألم العضوي البيولوجي، والكرامة الشخصية، في ظروف من التردّي البيولوجي. وعبارة "الموت الرحيم" تعني الموت الهنيء، الحسن، الذي يُعتمد ويعوّل عليه بقصد تحرير الإنسان سريعاً من الألم والتردي البيولوجي. ومن منظور البحث الاجتماعي، فالموت الرحيم هو الاستسلام الطوعي أمام الحياة، وفي العادة يجري على الآخر. وهذا يعني أن الموت الرحيم، كحدث أخير، ينطوي على إشكالية، وحوار، واعتراضات منطقية، وثنائية، وتخطي التردد، واتفاق، إنه مسؤولية تضطلع بها الجماعة. بكلام آخر، الموت الرحيم، هو بمثابة مخرج فردي وجماعي بآن، من حالة لا شفاء منها، وينتهي بالموافقة الفردية. في الموت الرحيم، تقف المشيئة الفردية، بإزاء الإرادة الجماعية، وفي النهاية، يصدر القرار بالموت الرحيم، وهذه المنطقة مهمة جداً وذلك لأنها تحدد الخط الفاصل بين الموت الرحيم والانتحار.

أما التوضيح الأخير، فيأتي بمسألة دقيقة ذات صلة بتيبولوجيا الموت الرحيم، وهذا يظهر من خلال تبدلين واضحين اثنين: التبدل الأول، ويعد بمثابة اختيار شخصي عند المريض. والقرار، من الواجهة الأخلاقية صعب لأنه يتناول مسؤولية وقف الحياة عند المريض، وفي العادة يتخده أحد المقربين منه، أو الطبيب المعالج. وهذه المسؤولية تقود إلى مسألة أخلاقية، الأمر الذي يجعلنا نرى الفارق بين الموت الرحيم والانتحار، أي أن عمل الفريق الأخر هو الذي يميز الموت الرحيم عن الانتحار. والحالات التي برزت للملأ تقر بها رغبات مدوّنة عند المقبلين على الموت والشهداء وشهود العيان حيث هناك إفصاح عن النية بالقرار الأخير (الموت). والموت الرحيم ليس نوعاً من انتحار لم تكن فيه القوة على قتل الذات، إنما أُنيط الأمر بشخص آخر. الموت الرحيم هو تخلٍّ عن الحياة وعن كل ما هو مخفف للألم في إطار من ليونة بشرية تأخذ في الحسبان الفارق بين الصحة الكاملة والألم البيولوجي.

أما التبدل الثاني الذي يسود بنسب عالية، لجهة الموت الرحيم، فهو الضعف العاطفي عند المريض، أو شفقة عند أحد أنسبائه والمقربين منه، أو الطبيب. وتقترن هذه الحالة بتقدم المرض في السن، أو بقرار ضمني عند الأزواج المتقدمين في السن. أما في الحروب فيمارس الموت الرحيم بسبب الحالة المأساوية عند الجرحى في ساحة المعركة، من آلام لا تطاق، او استحالة نقل الجريح، مقروناً بانتفاء أي أمل بالخلاص، فتعطى "طلقة الرحمة" من جندي زميل، أو من أحد الجنود. إلا أنه وبعد انتشار الأيدز، فإن أهل المصاب قد يعمدون إلى الموت الرحيم لإعفاء المريض من الآلام المبرحة التي يذوقها في المرحلة الأخيرة.

واعتماد "الموت الرحيم" في الحالة الثانية، لا يستدعي موافقة المريض. وفي حالات يعجز فيها الطب عن تقديم أيّة خدمة مجدية، كما في الغيبوبة مثلاً، أو الجنون، أو في حالة الخدّج المشوهين (الخديج هو كل من يولد قبل الشهر التاسع)، أو عندما يتبين للطبيب موت الدماغ. في مثل هذه الحالات قد يُعتمد الموت الرحيم. لكن في مثل هذه الحال يكون لأقارب المريض المحتضر رأي أساسي.

على العموم، ومن المنظور المنهجي، فإن مقاربة الموضوع يمكن تقسيمها إلى وحدات ثلاث، هي:

  1. الجوانب العلمية والعاطفية من المسألة.
  2. القبول الاجتماعي بالموت الرحيم.
  3. النتائج الأخلاقية والاجتماعية المترتبة على قبول الموت الرحيم.

1- الموت الرحيم: علمياً وعاطفياً:

يتضح، بادئ ذي بدء، أن الحياة الإنسانية التي يتم إيقافها بالموت الرحيم، تنطوي على تعقيد، وتفاصيل المسألة برمّتها تقارب النطاق العلمي، وتحرّض عليه، فضلاً عن ذلك، فإن الموت الرحيم يمتّ بصلة إلى الجانب العاطفي الإنساني من الحياة الاجتماعية.

وأول اعتبار يضعه الموت الرحيم في صلة مباشرة مع الطب، هو الحق، وعلم الاجتماع. وعلى نطاق واسع، تتناول المسألة برمّتها علم أخلاق الحياة الاجتماعية، وعلم الاجتماع الديني بآن، ولا ننسى طبعاً الأخلاق الأرثوذكسية والروحانية الأرثوذكسية. كذلك هناك ما يجعل الموت الرحيم ذا صلة مع الاقتصاد، والتربية، وعلم النفس، والمؤسسة العائلية، وأيضاً السياسية، بحيث تُترجم بعض زوايا المسألة على أساس اعتبارات سياسية. فضلاً عن ذلك هناك الغاية الاجتماعية، ومسألة حداثة المناهج والتكنولوجيات المختلفة المعوّل عليها لمواجهة الآلام الإنسانية. وهذه كلها بدون استثناء، فضلاً عن المواقف العاطفية في الحياة المعاصرة، تتأثر إلى حدٍّ ما، وتزيد أو تنقص، من جراء تفعيل الموت الرحيم، وبصرف النظر عن أعداد الأشخاص المعنيين.

والتعقيد يقوم من الزواية أو المنظور الذي من خلاله يُراعى أو يُقبل اختيار الموت، بقصد إعفاء المريض من آلامه. إلا أن ذلك يقترن بالأخلاق التي لا تترك أي علم في وضع من اللامبالاة سيّما تلك العلوم التي تنشغل بالإنسان وعلاقاته الإنسانية.

وفي الكلام عن مصلحة المريض، هناك الضمير الطبي الذي يأبى أن يتنكّر أو يتجاهل القسم الذي قُطع لجهة حماية الحياة الإنسانية. وفي الأخلاق المسيحية، فالضمير يواجه احراجاً يتعلق بالحياة نفسها التي تقترن أخلاقياً وميتافيزيقياً بالله، لا بالمريض المتألم. والجهل الإنساني لما هو هدف الحياة، واستحالة كشف وتفسير غائية الألم الجسدي، مع عجز الإجراءات المعمول بها، عن قيادة الإنسان إلى تجاوز الألم، وابتغاء الصحة، من شأنها كلّها أن تجعل مسألة الموت الرحيم، أكثر تعقيداً.

ومصلحة المريض، يمكن أن ينظر إليها في الوقت نفسه، من زاوية الحق. وهنا تحظى إرادة المريض بأهمية خاصة. والمصلحة في هذه الحالة تراعي النية بحيث إنه يمكن أن تتطلع إلى الموت الرحيم، لجهة مسؤولية العناية بالمريض اقتصادياً (مادياً)، وأخلاقياً، أو لجهة انتظار الربح أو الكسب المادي، وتأمين المنفعة والخيرات.

يُضاف إلى ذلك أن اعتماد الموت الرحيم من شأنه أن يخفّض من الاحساس الاجتماعي لجهة مسألة إلغاء الحياة، فالإرادة الإنسانية الفردية ماتزال تحتل حيّزاً من الاهتمام في الضمير الجماعي او الاجتماعي. ومن الممكن بعد هذا أن مسألة المنفعة، تصبح حيلة يكون الموت الرحيم بنتيجتها، عملاً إجرامياً، وهذا بذاته يثير مشكلات اجتماعية جديدة ومأساوية. ولمّا كانت مسألة الموت الرحيم تقترن بالعلائق العاطفية والعائلية، فهذه كلها يترتب عليها انعكاسات تطال أفراد العائلة المعنية لاسيما الشباب. وهنا تظهر اعتبارات تربوية عليها تحفظات منطقية تتعلق بنمو الشخصية والتوازن النفسي عند صغار السن، بحيث إنه وعلى مرّ الأيام، وبفعل ازدياد النضوج، فإن أعمال الكبار التي اقترفوها بالماضي (ومن بينها الموت الرحيم) تجعل هؤلاء الكبار تحت قضاء الدينونة.

2- مسألة القبول الاجتماعي:

كل المسائل التي أوردناها أعلاه، تحظى باهتمام كبير اليوم، كونها تشير إلى أحداث تصادمية لا إلى أحداث اعتيادية، لا بل من شأنها أن تدعو إلى اضطراب الضمير في مجتمعاتنا. ويعزى انتشار هذه المسائل إلى الإعلام الذي يدأب على تحريك الضمير الجماعي. بيد أنّه ينبغي أن نعرف في العمق أنّ المسائل هذه تؤلف إشكالية حقيقيىة.

ومفاد هذه الظاهرة، لا بل تفسيرها، هو أنه يتبيّن من المقاربة السوسيولوجية، والوقوف على الرأي العام، أن هناك نوعين من الناس على هذا الصعيد: هناك من يحب المعلومات، وفئة أخرى تحب الضمير. والنوع الأول يمزّق رتابة الحياة اليومية وينوعها. فالأخبار، والأحداث، كلها ذات مدلول معلوماتي. أما النوع الثاني، أو الفئة الثانية، فهي شريحة صغيرة العدد، مع الأسف. وتأتي الأخبار، فتخلق المشاكل وتثير التساؤلات على مستوى الأخلاق الشخصية، وتُنهض القلق من العواقب المترتبة على هذه الإشكاليات، وتهدّد الحياة الشخصية والعائلية وتتوعدها، وبالتالي يكون هناك انتظار لأجوبة أصيلة على كل هذه المسائل والتساؤلات المتعلقة بها. وعلى هذا الصعيد فالأخبار هي بوابة الدخول إلى معرفة الحدث الذي يهز السامعين به. أما النوع الثاني - القليل العدد - فيهتم بمسألة الموت الرحيم وذلك لأن المشاعر الأخلاقية والماورائية، والاحاسيس الاجتماعية، تجعله قريباً من المتألم المحتضر، بسبب المعنى الأخلاقي.

وأهمية مايجري تأتي لتظهر مقدار معرفة الجماهير عن الموت الرحيم، وقبوله. والقبول أو التقبّل الاجتماعي لكل مسألة اجتماعية، يؤلف في ذاته موضوعاً لبحث خاص، لهذا ينبغي التأكيد على موقف الرأي العام منه. والموت الرحيم -كمسألة ذات بعد اجتماعي- لم يكن من الممكن أن يظل خارج دائرة التداول. ومن الاطلاع على الأبحاث والاحصاءات في الولايات المتحدة الأميركية، وهولندا، والدانمارك، في نهاية 1994 ومطلع 1995 يتبيّن لنا، بما لا يقبل الجدل أن للمريض الحق الملطق في الاختيار، فأعداد كبيرة من الناس، تصرّح أن الأمر لا يعنيها، وأنها تفضل أن تدرسه إذا حدث أن وجدت في إطال هذه المسألة. والجدير ذكره على صعيد برامج حقوق الإنسان، وكرامة الإنسان، أنها شرعت -في الأوانة الأخيرة- تتوجه نحو إبداء العناية والاهتمام والمسؤولية بحالات كثيرة تتصل بالموت الرحيم.

وفي هولندا تحديداً، ظهرت قبل سنوات بوادر لجهد يرمي إلى تشريع الموت الرحيم. فقام الرأي العام يتتبع المستحدّات والمواقف والآراء عند شرائح المجتمع المختلفة. وفي النهاية قبلت الشريحة الكبرى من الناس، وعلى ضوء الرأي العام، بتشريع الموت الرحيم. وكان آخر قانون صدر بهذا الخصوص، في كانون الأول من العام 1993. وقد استند في مضمونه وبنوده إلى مراعاة الوقائع الطبية، واستلهام إفادة الطبيب التي تبيّن كل التفاصيل الطبية المتعلقة بحالة المريض. بيد أن إعلان ذلك أثار حفيظة الطب الشرعي، فأحال الملف كله على القضاء. وشيئاً فشيئاً بدأ يتزايد عدد الذين يطالبون بغطاء قانوني قبل الأخذ بشرعية الموت الرحيم. وفي سنة 1990 كان عدد المطالبين بالغطاء القانوني 454، فأصبح 591 بعد سنة، أي في 1991. ثم ما لبث أن ارتفع العدد إلى 1333 سنة 1992، ومن جديد تابع الارتفاع فبلغ 1328 سنة 1993. ثم أن القضاء الأميركي أبرأ الطبيب جاك كيفوركيان للمساعدة التي قدّمها لعشرين من المرضى الميؤوس من شفائهم وذلك كي يموتوا أو يرقدوا بهناء وكرامة. وعلى العموم ففي البلدان الأنكلوسكسونية ينقسم الرأي العام بين مؤيد ومعارض للموت الرحيم. وفي سنة 1994 لاحظت جريدة الـ Economust أن أكثر من 3000 إنسان في بريطانيا كانوا مايزالون في المستشفيات وهم في حالة غيبوبة.

3- العواقب الاجتماعية والأخلاقية:

وجميع المعطيات التي تم التوصّل إليها، تقود بطبيعة الحال، إلى جملة مسائل أخلاقية واحتماعية ليس من السهل درسها وتقويمها. لذا، فقد عمدنا إلى النظرة التي تقوّم المعطيات عند علماء الاجتكاع كافة، لا سيما علماء الاجتماع الديني.

لا بدّ أن نذكر، بادئ ذي بدء، أن الموت الرحيم له أبعاد كثيرة وذيول عدّة، سيما في المجتمعات الصناعية في العالم الغربي. وهذه المشكلات والأبعاد المطروحة، لا تبدو موضوع اهتمام عند شعوب العالم الثالث. أما المعطيات حول الموضوع الذي نحن بصدده، فتأتي في الغرب لتؤكد أمرين مهمين:

  • 1. يقترن الكلام عن الموت الرحيم بظهور فلسفة جديدة للحياة ذات مفاهيم قائمة على قاعدة التحرر الأخلاقي، بيد أنها تراعي حقوق الأفراد، والمشاعر الاجتماعية المتزايدة.
  • 2. فرضت مسألة الموت الرحيم، أن يكون للمجتمع رأي بذلك. وهذا يعني أن شريحة اجتماعية تقرّ الموت الرحيم ببعده الأنطولوجي الوجودي، وببعده الماورائي المتيافيزيقي، وبالتالي، فقد أولت هذه الشريحة الاجتماعية مسألة الموت الرحيم قيمة، لا بل بعداً أخلاقياً. في البداية، لا مندوحة من القول إن هذه المسائل انطلقت من قاعدة تجعل قضايا الحياة الاجتماعية مجرد مسألة فردية، إلا أنها شرعت تنزع بعد حين، إلى التفكير بإلغاء حرية الأفراد. وبين هذه وتلك، فقد احتقرت الأخلاق الاجتماعية، وفي الوقت نفسه أبت التعتيم على الأخلاق الفردية وذلك بفعل ظهور قانون العلاقات الاجتماعية. والأخطر هو نقل جمال الحياة البشرية من نطاق الجماعة إلى نطاق الفرد. وعلى ضوء ذلك شرعت شريحة من الناس لا تأخذ بالمواقف القانونية، وكان هناك من يأخذ برأي الأكثرية، وتحت تأثير دعاة التحرر، أخذت تصرّ على أنّ حقوق الأفراد هي من حقوق المجتمع. وهذا يعني أن مسائل الحياة باتت تخضع لإرادة الأفراد وأن الاهتمام الاجتماعي ليس عنده ما يدلي به للتدخل بهذه المسائل.

يتبيّن بنتيجة ذلك أن هذه النظرة تتمحور حول الذات، وتدعو إلى الحق الفردي، ولا تبالي بالاعتراضات الجماعية أو الاجتماعية. بإزاء هذه النظرة، يختلف العالم الثالث والشرق على وجه العموم، عن نظرة الغرب حيث إن الخير في الطبيعة الإنسانية هو مسألة جوهرية، ويتصل بالضمير الجماعي، وبالتالي لا يقبل التصنيف والعبث في مسألة الحقوق الفردية. لقد لاحظنا سابقاً إشكاليات الموت الرحيم، ونسبية النظرة إلى في شرائح المجتمعات الغربية. وتأتي الدراسات المعمّقة والأبحاث لتقودنا إلى نتائج هذه الإشكاليات وخواصها. ويأتي عند غياب البعد الميتافيزيقي في المسألة ليؤكد عدم جدوى الخالق ودوره في الخليقة، وعدم اتصال الخالق بسر الحياة. من هذه الزاوية يتبين أن المجتمعات بلغت حداً اعتبرت فيه الحياة نفسها منتهية مع توقف فيزيولوجيا الجسد، وسائر الوظائف الفيزيو-كيميائية في الجسد. لا بل إن الإنسان بات يعتقد أن له السيادة الكاملة على وجوده البيولوجي نفسه، فالحرية الفردية أقوى من أية شريعة دينية أو أخلاقية أو قانونية. وما صلاح الحياة وخيرها إلا في البحث عن الآراء والأحاسيس الفردية. إلا أنّ تغييب الإيمان من شأنه أن يفضي إلى اليأس في لحظات الألم الشديد فيهتز الرجاء الآخروي بالحياة بعد الموت. وبهذا تنخفض درجة الاحتمال الروحي والإنساني ويتبدّد الثبات، فيأتي الموت بمثابة انعتاق أو مخرج من الألم، فالرجاء الأخير هو في عداد غير الموجود، والحياة نفسها لم يعد له أية قيمة أخلاقية أو دينية.

لكن يتبيّن لدى دخولنا في تفاصيل هذه المعطيات أنه ينبغي دائماً أن نبحث عن النواقص الأخلاقية التي تتعلق بمسألة الموت الرحيم. فالتشديد على الحق الفردي، بإزاء هذه المسألة، من شأنه في النهاية، أن يشرعن الانتحار. ويكون في نهاية المطاف أن النظام الاجتماعي ينهار، وشرعة القانون تتبدد. وهذه الأقوال ليست تبتعد عن أرضية الواقع كونها مسائل سبقت أن شغلت وما تزال الضمير الجماعي العالمي. إلا أن النتيجة الأخطر على صعيد التساهل بإزاء منح الموت الرحيم، تكمن في نسبية ومحدودية قيمة الحياة البشرية التي لن يعود لها أية صفة مطلقة في المجتمعات الإنسانية. وهذا التفكير الذاتي ينبع من التشاؤم واللامبالاة. أما من جهة المنطق، فالموقف يجعل الشخص البشري نسبياً، وبالتالي يسهّل مسألة منح الموت الرحيم للمريض. ومن شأن هذه المعايير ألا يعود لها أية علاقة بالمحبة المسيحية. وكذلك فإن شأن هذه التبسيطات أن تقود تباعاً إلى رفض القيم وإطلاق طابع النسبية على المقدسات، وبروز النزعة الفردية أو تناميها، وكل هذا يؤول بالنتيجة إلى تآكل نسيج المجتمعات الإنسانية وتفككها. لقد لاحظنا آنفاً كيف أن نسبية القيم الإنسانية ارتفعت في المجتمعات الإنسانية الغربية، وهذا من شأنه أن يفضي إلى أزمات حادة على صعيد التديّن في المجتمعات الحديثة. ثم أن الدراسة المعمقة للأمور، قادتنا وماتزال إلى نتائج هذه الأزمات وخواصها. وغياب البعد الميتافيزيقي، كما هو معروف، هو بمثابة انعدام الإيمان، أو أزمة شك حو وجود الخالق في الخليقة أو دوره فيها، وعلاقته بسرّ الحياة. والأخلاق التي تنبع من الوعي البشري بأن الإنسان هو خليقة الله الخالق، والإيمان به يشد المؤمنين إلى وحدة معه بحيث يكون هو رأسهم، أي المسيح، وهم جسده. هذه الأخلاق لا تعود تقرّ بنسبية الحياة ومحدوديتها، وذلك لأن هذه النسبية هي تخفيض من قيمة الإنسان وقدره. هذه الأخلاق ترفع الحياة إلى مستوى خالقها، الله الثالوثي الأقانيم، خالق كل شيء، وتقبل بمشيئته الإلهية من أجل مسيرتها، وتجاهد من أجل إدراك أسرار الخلق، وتجاهد في النسك من أجل دعم الحياة وتحسينها، وتشفي النتائج التي زرعها الفساد، وتحاول أن تفهم المعنى الجوهري للألم وعلاقته العميقة بالخطيئة والسقوط من خلال بهاء الأبدية. من هذا المنظور يفقد الموت الرحيم معناه ومتطلباته. وبالنسبة للأخلاق المسيحية كما تقبلها وتفهمها الكنيسة الأرثوذكسية وتقليدها الشريف، فالموت الرحيم لا وجود له لا كمشكلة ولا كمخرج.

 

محاضرة ألقيت في 8 آذار 2000، ضمن سلسلة محاضرات السنة الاكاديمية 1999/2000 التي ينظمها معهد اللاهوت في جامعة البلمند
الأستاذ د. باسيليوس يولتسيس
جامعة تسالونيك - جامعة البلمند
ترجمة عن اليونانية: الأب منيف حمصي
عن كتاب: حوليات 2-3

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع