Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


س: يقال أن العجائب هي لغير المؤمنين. ألا تفيد المؤمنين أيضاً؟ و بخاصة أن غير المؤمنين قد لا يؤمنون بعد العجائب دائماً كما حدث أيام السيد المسيح؟

ج: لعلّ البعض يتساءلون: أيُعقل أن تكون العجائب المدوَّنة في سير الكثيرين من القديسين مجرد أسطورة، وضرباً من الخيال؟ ولعلّ الكلام عن العجائب عند الكثيرين من القديسين مرتبط -كما يقول البعض- بمحبة الناس لهم، ورغبتهم في تكريمهم عما فعلوه في حياتهم حبّاً بالمسيح.

في الحقيقة يمكننا القول إن المؤمنين، على هذا الصعيد ينقسمون إلى قسمين:

فئة البسطاء: هؤلاء ليس عندهم أية أسئلة حول إمكانية أو عدم إمكانية وجود العجائب، فهم يؤمنون بالعجائب بدون شك أو ارتياب، ويقبلونها بكل تفاصيلها على أنها أمرٌ حقيقي وبديهي. وهؤلاء في العادة يؤلّفون الشريحة الكبرى من المسيحيين. والعجائب عند هذه الفئة من الناس ترتبط بأخبار وأقاويل، أغلبها يتشابه في طروحاته، ولعله يختلف في الأسماء والأزمنة فقط.

أما الفئة الثانية من المسيحيين فهم الذين يؤمنون بالمسيح، إلا أنهم يؤثرون أن يبنوا مواقفهم من العجائب على إيمان الكنيسة وشهادة الآباء القديسين، المدعَّمة بالشواهد الكتابية، والبراهين الإنجيلية. وفي قناعتي إن الفئة الثانية هي صاحبة الموقف الذي يُعوَّل عليه من العجائب.

وهذه الفئة يرتبط موقفها من العجائب بموقف الكتاب المقدس، والمسيح يسوع رأس الكنيسة. وكل ما جاء في الكتاب -على صعيد العجائب- لا بد أنه متوفر في الأدب الكنسي وكتابات الآباء القديسين. فالكتاب المقدس فيه كل الدليل على محبة الله للإنسان، الكتاب المقدس يعبّر خير تعبير عن خبرة المؤمنين التي اقتنوها من مشاركتهم في جسد المسيح، الكنيسة.

ومما لا شك فيه أن العجائب تأتي على العموم معاكسة لحركة العقل والمنطق. فهي في أبسط الأحوال خروج من الممكن، ودعوة للارتقاء فوق معطيات العقل والمنطق. وهكذا، يمكننا أن نسأل: ما هو جوهر العجيبة، وكيف يمكننا أن نُدرج العجائب في سرّ التدبير الإلهي بحيث نتمكن من معرفتها وإدراكها وفهم غايتها ومعناها؟

نحن نؤمن أن الله خلق الكون وجعل له نواميس تسيّره بدقة لا متناهية. والعجيبة بهذا المعنى، ليست كسراً للنواميس الطبيعية، إنما تعبّر عن قدرة الله الفائقة في أن نواميس الكون تطيعه. وهو لم يصنع العجائب كي يبيّن قدرته، إنما عجائبه هي في العمق تعبير عن حبه للإنسان.

وقد يكون ما نسميه عجيبة اليوم مجرد ظاهرة علمية لم يكتشف العلم معالمها وعناصرها. من هنا فالعجيبة الحقيقية لا تتوخى التحريض على الدهشة، وجحوظ العينين أمام الخوارق. إنما غايتها -إن هي ثبتت- أن تعلن محبة الله للإنسان. ولكن هذا لا يكفي لأن حصر التعبير عن المحبة الإلهية نحو الإنسان، بالعجائب، يعني باختصار أن الله قلّما يعبّر عن حبّه، وذلك لأن العجائب لا تجري بشيء من الدفق، بل يدور الكلام عن حدوثها بين زمان وزمان. من هنا فالعجيبة شكل من أشكال التعبير عن الحب الإلهي، والحب الإلهي نحونا لا ينحصر بإجراء العجائب. بهذا الصدد يقول أحد الآباء النساك: "لا يدهشني مَن يُقيم الموتى، بل مَن يتوب عن خطاياه".

وفي العهد الجديد لا نجد الرب متلهفّاً إلى صنع العجائب. ففي التجربة على الجبل يجربّ إبليس الربّ كي يصنع من الحجارة خبزاً، لكن الرب يرفض الطلب. ويطالبه أن يرمي نفسه من جناح الهيكل كي يؤمن الناس به، فيرفض. وعندما أقام الصبية من الموت لم يُجرِ الأعجوبة أمام الملأ، بل في الخفاء وبحضور أهلها وبعض تلاميذه. وهكذا لا تبدو العجائب حدثاً جماهيرياً كما يبيّن لنا الكتاب المقدس.

يُضاف إلى ذلك، أن يسوع في بعض عجائبه التي أجراها سأل عن إيمان المريض، وكأنه بذلك يريد أن يقول لنا: الإيمان هو أعمق من شفاء المرض الجسدي. وكذلك من الأكيد -كما يبدو في العهد الجديد- أن العجائب لا تقود إلى الإيمان. فلو أن العجائب كان لا بد لها أن تقود إلى الإيمان، كان يجب أن يؤمن اليهود بالمسيح من خلال العجائب التي أجراها. وهو نفسه يؤكد هذا القول في إنجيل لعازر والغني: "لأنه حتى ولو قام واحد من الأموات لن يؤمنوا". وهكذا فإن عجائب الرب تستدعي الإيمان، وتعبّر عن محبة الله، لكنها لا تنمو في وسط جماهيري مذهول ومندهش، بل هي حدث يتفاعل في العمق مع القلب وينمّيه.

العجائب لا تنفع الجميع، ولا يُفترض بها أن تجذب الجميع. فكم عن عجيبة صنعها السيد في حضرة يهوذا الإسخريوطي، ومع ذلك، انظروا أين انتهى هذا المسكين؟ وبالتالي لا علاقة للعجائب بالقداسة. فاجراؤها لا يحوّل الضالّين إلى قديسين. وهي ليست مقرونة بسيرة الكثيرين من القديسين (الوجهة الأرثوذكسية). وكم من عجيبة، يقبلها فلانٌ ويرفضها آخر. بطريرك القسطنطينية القديس فيلوثيوس كوكينوس عندما همَّ بإعلان قداسة القديس غريغوريوس بالاماس، طلب لائحة بالعجائب المصنوعة باسمه. وبالطبع لم يُقدم على هذا الطلب كي يقتنع هو نفسه ببالاماس، فقد سبق له أن أطّلع على سيرته حتى نهايتها، إلا أنه فعل ذلك، من أجل المشكِّكين به.

وفي الكنيسة الغربية تقترن العجائب بالشفاء من الأمراض، لا بل هي شرط إعلان القداسة، الأمر الذي لا يُؤخذ به في الكنيسة الأرثوذكسية. فقد سبق أن قلنا إن كثيرين من القديسين عندنا لا تقترن سيرتهم، حتى بعد رقادهم، بالعجائب.

إلى ذلك فالكنيسة الكاثوليكية لا تعترف بقديسي الكنيسة الأرثوذكسية بعد الانشقاق. لا بل تعتبر القديس يوحنا الدمشقي آخر قديسي الكنيسة الأرثوذكسية.

العجائب ليست ضرورية للمؤمن. ولا أعرف إن كان غير المؤمن يتّعظ بها. وإحاطة العجائب بروح من الجماهيرية ليس أمراً يُعوَّل عليه ولا ينفع.

 

الأب منيف حمصي
عن كتاب: "سألتني فأجبتك"
س 9، ص32

العنوان المستخدم من وضع الشبكة، أم العنوان الأصلي فهو كما ورد في أول سطر في هذه الصفحة

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع