Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


ما يميّز المسيحي الارثوذكسي أنه يمدّ كنيسته في تفصيلها وتفاصيلها في حياته كلّها. فهو أولا إنسان ملتزم، يأتي من هذا الوعي الذي يربطه بالجماعة التي تلتقي الله بالطاعة والمحبة كلما ناداها. ولا يقبل الإهمال او التفرّج نهجاً، ولا يفصل بين إيمانه وممارسته. فهو مَن يقول حبّه لله ويسبّحه "في وسط الجماعة"، ويحيا على هذا الالتزام في كلّ قول ومسلك. تهمّه الكنيسة شعباً وتراثاً وقدّيسين وحجارة وكلّ ما تضمّه جدرانها او تحويه. ويغار عليها وعلى أهل بيته، فلا يساوم او يخون ما "سُلّم دفعة واحدة للقدّيسين".

ويعتبر أنّ كنيسته التي ولدته في المسيح يسوع هي حياته، فلا يخجل بانتمائه اليها او يبخل عليها او يغمض عينيه عن أيّ خدمة او مساعدة مادّيّة كانت أم معنويّة. فهو مِن "أهل بيت الله" وليس غريباً او بعيداً، وهو الجاهز للعمل في كلّ ما يُطلب منه أو يلاحظه... وله أن يتكلّم بالحقّ، وأن لا يسكت عن أيّة ملاحظة يراها نافعة او مشورة، وأن ينتقد اذا جاز الانتقاد، وأن يساهم في تقويم كلّ ما يراه معوجاً، وذلك لأنه يؤمن بأن مشيئة الله هي أن يكون كل شيء مستقيماً، وأن يكون البنيان متراصاً ومرتفعاً وجميلاً..

ولا يكون هذا كلّه بالعناد او العداوة. فالارثوذكسي لا يعاند ولا يعادي أصحاب بيته ولا غيرهم. هو يحبّ الجميع ويريد الخير للكلّ. له فرادته التي لا تلغي أحداً، ويحاول أن يفهم أصوله بعمق، لئلا يسبيه الجهل أو الجمود، أو يساوم على ما تُركَ له من حقّ او يستهتر به. ويتزيّن بزينة كنيسته في كلّ أمر، وبخاصّة في كل حركة طقسيّة، فيصلّب، مثلاً، على طريقتها، لا رفضاً لأي طريقة أخرى، وإنّما إخلاصاً لعقيدته وللذين ماتوا حبّاً بها. ويصلّي صلواته اليوميّة (ويَطلب أن يعرفها في مصادرها إن كان يجهلها)، لأنها امتداد لالتزامه الكنسي ووجه من وجوه ارتباطه بالجماعة المنتصرة والمجاهدة. ويصوم صوماً مستقيماً ليقول فقره لله ويلتمس القربى ويساعد الإخوة المحتاجين. ويقرأ الكلمة الإلهيّة على ضوء فهم جماعته لها، ويرفض كلّ فهم غريب او منحرف، وتالياً  وتاليًا كلّ مَن يأتيه بتفسير مشوّه، لئلا يسبيه الغرباء ويتغرّب هو عن الحقّ، ويسقط في دوّامة البعيدين عن الاستقامة.

ويحاول أن يكون بيته وموجودات بيته على صورة كنيسته. قاعدته في هذا أنه يضع في منزله ما يجده في كنيسته، لأنّ البيت أيضاً يدلّ على الالتزام والفهم المستقيم. فالبيت صورة عن الحياة وامتداد للكنيسة. ولذلك كلّ صورة دينيّة غريبة، مثلا، لا يعلقّها الارثوذكسي على جدران بيته، وكلّ لوحة فنّيّة لا تليق بإيمانه وأخلاقه يرفضها، او ينزعها إن كانت موجودة، لئلا يسيء الى ذاته ويشوّه شهادته، ويحرّك في نفسه او في أهل بيته او زوّاره شعوراً غريباً أو مسيئاً الى الذوق والعفّة.

 والمسيحي الأرثوذكسي لا يضع في منزله تماثيل دينيّة، وإن قُدِّمت له هدايا، لأنه يلتزم تعليمه ويفتخر بتراثه وبغيرة المستقيمين في التاريخ. وهو لا يستشفع القديسين الذين لا تعيّد لهم كنيسته، وإن كان يحترمهم ويقدّر بعضهم، لا رفضاً لقداسة أحد، وإنّما إخلاصاً لمن هو معهم على الإيمان الواحد. فالقدّيسون الذين تعيّد لهم كنيسته هم - وحدهم - قدوته في مسعاه الطهور، وهم كثر جداً، فإن أحبّ رفقة القديسين وعشرتهم في حياته اليوميّة - وهذا طبعاً واجب - يختار منهم أعضاء كنيسته ليدلّ على أنّه منهم وأنّه اليهم في معيّة طيّبة ومسعى حميد، ولا يختار منهم أعضاء كنيسته ليدلّ على أنّه اليهم في معيّة طيّبة ومسعى حميد، ولا يختار غيرهم شفعاء لئلا يتغرّب او يتّهم بنسب آخر او انتماء آخر.

يجيء المؤمن الارثوذكسي من حبّ كنيسته الممتدّة في التاريخ ويكوّنها، في الحاضر، مع الإخوة في مشاركة واعية وجهاد موصول، فهذا ما يميّزه ليكون الخير للجميع، وتكون الكنيسة الارثوذكسية قائمة في بشر هم وجه لها في الأرض.

عن نشرة رعيتي
الأحد 18 شباط 2001

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع