Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


لم نقبل، نحن الارثوذكسيّين، يوماً، أن نغرّب أحداً عن أصوله. لا بل كنّا، وما زلنا، مخلصين مع الجميع، وشعرنا، ونشعر دائماً، بأننا معنيّون - من دون أن نتعدّى على أحد او نأخذ مكانه - بأن نقرّب كل من ابتعد عن كنيسته لغير سبب. ويعرف من ذكّرناه بأصوله ومن قرأ موقفنا إيجابياً أنه كانت لنا مساهمات عدّة، في غير زمان ومكان، حاولنا فيها أن نردّ كل مَن كان يأتينا ضائعاً يفتّش عن الحق الى عائلته الحقيقيّة (كنيسته وشعبه...). وذلك إيماناً منّا بأننا جميعاً إخوة، ولو كنا مختلفين او منفصلين. فالكنائس الأخرى المتأصلة في القدم كنائس حقيقيّة ولها شهادتها، وهي قادرة، بما أوتيت من نِعَم، على أن تقود أعضاءها الى الرب يسوع نبعِ القداسة الحقيقيّ والوحيد.

ولكن، ما يؤسف عليه أن الإخوة في الكنائس الأخرى، وخصوصاً الكهنة, لا يعاملنا بعضهم بمثل ما نعاملهم. فتراهم، هنا وثمّة، لا يضعون مسافة بين شعبنا وشعبهم، فيدعون أعضاء كنيستنا الارثوذكسية الى مشاركتهم في حياتهم الكنسيّة، ويزورونهم في غير مناسبة، ويصوّرون لهم أننا جميعاً واحدا. وفي هذا تغييب لنا وتشويه للمحبة والحقيقة، وضرب لكل مسعى وحدويّ طاهر.

وما يزيد الأسف كثيراً جداً أن ثمة من يبرّر هذه التصرّفات باتّهامنا بأننا هنا وثمّة مهملون شعبنا ولا نرعاه كما يليق... وكثيراً ما نسمع البعض - من أعضاء كنيستنا وغيرهم - يقولون إننا لا نشعر بالفروق التي تتكلمون عليها، ونحسّ حقاً بأننا جميعاً واحد... ولعلّ الإخوة المسؤولين في كنائس أخرى لا يرون أنهم مخطئون وحجّتهم أنهم لا يدعون أحداً منّا، وأننا نأتي اليهم بحرّيّتنا، وأنّ أخلاقهم تمنعهم من إبعادنا عنهم، خصوصاً اذا لاحظوا أننا نحتاج الى الرعاية والتعليم... والمضحك المبكي أنّ البعض يستغلّون توق الناس الى الوحدة فيوهمونهم بأننا واحد، وأن البعض الآخر، تالياً، يزكّون تصرّفهم بقولهم إنّ مشاركتنا إيّاهم في حياتهم الكنسيّة او رعايتهم أولادنا أمور شرعيّة او أنها تحمينا من غزو الهراطقة، او الضياع في متاهة هذا العالم الساقط؟!... وهذا كلّه يحتاج الى بعض التوضيح.

لا يخفى بدءاً أنّ بعض الرعايا التي يخدمها كهنة خدمة "جزئيّة" بسبب كثافة عدد المؤمنين في الرعية الواحدة وارتباط بعض الكهنة برعايا عدّة...، قد يشعر أعضاؤها بنقصان الرعاية الحقيقيّة. ولكنّ هذا لا يعني أننا مهملون، ولا يسمح، تالياً، لأحد أن يهمل أصوله او يبدل كنيسته بكنيسة اخرى، او كهنته بكهنة آخرين. فإنْ كانت ثمّة واجبات على كهنة الرعايا الا يهملوها، فعلى المؤمنين أيضاً واجبات يجب أن يلتزموا بها. ومن واجب كلّ مؤمن يعي بنوّته أن يقبل أباه ولو كانت له اعتراضات عليه. فلا أحد ينكر أباه او يُبدله ويبقى ابناً حقيقياً. ولا يؤسّس، تالياً، عدمُ فهم أعضاء كنيستنا للفروق والاختلافات بين الكنائس حجّةً لإهمالهم كنيستهم او تمييع التزامهم. فمتى كان عدم المعرفة سبباً لتجاهلها؟ من ينكر انتماءه يتجاهل تاريخاً معمّداً بدم الحقّ وشهدائه. والواقع لا يخلو من الدم. والالتزام الطاهر لا يحتكره الكهنة. فاذا تجاوز بعض الكهنة الحقّ، او كانت لبعضهم مهمّات عدّة قد تبيّنهم مهملين، لا يبرّر هذا إهمال غيرهم (أعضاء شعب الله الآخرين). الكنيسة كلّها شاهدة، والعضو الفاهم مسؤول عن أن يجبر ضعف العضو المتعب او المهمل لئلا يتزعزع البنيان. البيت لا يرتفع على عمود واحد، الكنيسة كلّها "عمود الحقّ وقاعدته" (1 تيمثاوس 3: 15).

غير أن شيئاً لا يسمح للإخوة المسؤولين في كنائس أخرى الا يميّزوا بين شعبهم وشعب غيرهم، او أن يُشعِروا من يدعونهم الى مشاركتهم في حياتهم الكنسيّة (او يأتون اليهم بحريّتهم، كما يدّعون) بأنهم من دون أصول حقيقيّة. فمن الواجب أن يحترم الإخوة كلّ من وضعته الظروف على طريقهم وأن يساهموا بإرشاده الى عائلته الحقيقيّة، إن كان لا يعرفها. وأن تُحترم منازل الناس، فللروم الارثوذكس كهنة لهم وحدهم حقّ زيارتهم (ولا نعترض هنا على الصداقات التي تجمع الناس كائناً من كانوا). فهذه (زيارات الكهنة لمنازل لا ينتمي أهلها الى كنيستهم)، في مفهومنا، رعاية، والراعي وحده يرعى قطيعه، ولا يسمّى راعياً من حاول أن يرعى قطيع غيره. أن تبدو كاهناً وتحضر وتتكلّم وتدعو كأنك المسؤول، ولا تدلّ على المسؤول الحقيقي الذي تعتقد بأخوته ومسؤوليّته، قليل أن يقال في تصرّفك إنك لا تؤمن بوجود غيرك. وهذا يحزن كثيراً إن وافق عليه أعضاء كنيستنا. أن تصوّر لغيرك أنك واحد إيمانياً معه، قليل أن يقال في موقفك إنك جاهل او تستغبي الناس، ومن استغبى غيره لا يؤمن ايضاً بوجود غيره وفاعليّة غيره. وهذا كلّه يخالف المحبة الحقيقيّة وكلّ المساعي التي تُبذل من أجل وحدة الكنيسة. ومن لا يحترم غيره لا يعرف أن يحبّ حقاً ولا يؤمن بالوحدة الحقيقيّة.

هذه الكلمات السريعة والتي تبيّن وجعاً حقيقياً يصيبنا هنا وثمّة في الصميم ستقع بين يدي أبناء كنيستنا الارثوذكسية، ولعلّها ستقع بين يدي إخوة او مسؤولين في كنائس أخرى. نحن نريد أن نفهم بشكل صحيح وألا نخبّئ الجرح. ولا نريد أن يعتقد أحد بأننا نضع عثرات أمام لقاء المسيحيّين في الحياة او العمل...، فالصداقات تهمّنا، ولكن التجاوزات تزعجنا، ويحزننا أن يسمح بعضنا بإهمال أصوله او يسلك متنكراً لتاريخه وحاضره. ربّما يكون من يدعونا صادقاً ويريد الخير لنا، الله يعلم، ولكنّ هذا لا يعذر أحداً من مواجهة الحقّ، والخير هو أن يحيا كلّ مسيحي في بيته. فللكنائس حرمتها، ولا يجوز لمن يؤمن بالآخرين وفرادتهم الا يحترمها. ولا يجوز أن نظهر نحن متساهلين بما هو أغلى ما في الوجود، وأعني الكنيسة الارثوذكسية وانتماءناا اليها.

عن نشرة رعيتي
الأحد 29 نيسان 2001

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع