Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


لقد تكلّمنا، في مقالات عدّة، على أصول الالتزام، وعلى دور الأهل في رعاية أولادهم وانخراطهم في حياة كنيستهم الوحيدة: الأرثوذكسية. وهذه المقالات أردناها لنبيّن الحقيقة المنجيّة، وتالياً الوجع الذي يصيبنا هنا وثمّة. وكان رجاؤنا أن نساعد الذين يحتاجون الى المساعدة على تصحيح التزامهم، واستطراداً على إحياء دورهم هم أيضاً لمساعدة من يرون أنّه يتغرّب ولا يسلك الدرب الصحيح. وذلك لأننا كلّنا معاً خدّام الحقيقة ومسؤولون عن نشرها في هذا الجيل، فيما نرى أنّ الكثيرين يفتقدون الى الرصانة في الالتزام ولا قرار لهم او انتماء...

والخطر يأتيك من غير صعيد. ويوطّده هذا الشرخ الكبير الذي يصيب البعض فيما يتغرّبون عن أصولهم، ولا يساهمون بما شاء الله أن يكون وينمو دائماً، وأعني كنيستنا الأرثوذكسية المتأصلة في الحقّ والممتدّة الى الأبد طرباً وذوقاً وفكراً فريداً وقداسة حياة تشعرك بأنّه لا فرق جوهريّاً بين ما تتوق اليه النفوس البارّة وما سكب عليها الربّ من رضاه ونوره في هذا الدهر. وتؤكد هذا الخطر، تالياً، تلك الهجمات المبرمجة التي تريد أن تقلعنا من تاريخنا وحاضرنا، والتي كان يمكن أن تكون واهية كثيراً وأن تردّ بسهولة، لو لم يقابلها بعضنا بطراوة ويتعاطف مع إغرائها ويسمح بأن يفرد لها موقعاً في حياته وحياة اولاده.

ما أريد هنا أن أعود إليه، من زاوية جديدة، هو ما يتعلق باتّكال البعض، في ما يخصّ التزام أولادهم وتنشئتهم الروحيّة، حصراً على التعليم الدينيّ الذي يعطى في بعض المدارس، وتالياً إهمالهم حياة رعيّتهم ونشاطاتها. فما لا يخفى أنّ كلّ مدرسة لها مرجعيّتها، وهي تخدم أهداف هذه المرجعية.

والتعليم الدينيّ يدخل ضمناً في هذه الأهداف، أو يترجمها، والمعلّمون الدينيّون في هذه المدارس هم، عموماً، خدّام أيضاً لهذه الأهداف، ويعملون، أو بعضهم، على بثّ أفكارهم وقناعاتهم الشخصية. نحن، بصدق، ليس عندنا اعتراض على أن يتعلّم أولادنا في مدارس خاصة تابعة لكنائس اخرى. وتالياً لا مانع لدينا من أن يعرف أولادنا ما يقوله إخوتنا المسيحيون الآخرون. وهذا يدرسه الاختصاصيون، في كنيستنا، في معاهد اللاهوت. ولكن، في هذه الحال، من يعطيهم فرصة معرفة الحق، إن لم نحاورهم نحن ونحاول أن نوضح لهم ما تقوله كنيستهم في بعض الأمور، او إن لم نسهر على انخراطهم في حياة كنيستهم وتأصلهم في تراثها.

يذهبون الى المدرسة ونوجههم في البيت ونحضهم على الالتزام في رعيتهم ليحيوا باستقامة ونبعد عنهم كل خطر. وذلك إن كانت المدرسة هي وحدها مصدر معرفة بعضنا للإيمان، فلا نتعجب من تغرب هذا البعض. أن تكون الكنيسة الارثوذكسية وطن أبنائها الوحيد لا يعني فقط أن يتعمدوا فيها، او يتزوجوا، او يأتوا اليها في الأعياد وبعض المناسبات... وإنما أن تكون حياتها حياتهم وفكرها فكرهم ونشاطاتها نشاطاتهم واوجاعها أوجاعهم وهمومها همومهم... وباختصار كلّي أن تكون هي هم او هم هي. غير هذا يكون وطننا حيث نعيش. "حيث يكون كنزك فهناك يكون قلبك". إن كنّا نحيا في الكنيسة الارثوذكسية فتكون هي إيّاها وطننا، أو في غيرها فلا تكون هي وطننا، ويكون غيرها هو الوطن. ولا يمكننا أن نعيش في وطنين او نخدم وطنين في آن. هذا غير ممكن على غير صعيد...

غير أن الوضع ينتقل من صعب الى أصعب إن كان بعض الكهنة هم الذين يتعاطون التعليم الديني في تلك المدارس. فعندها لا يقف بث فكرهم ومخلفاته عند حدود الصفّ...، وإنما يتعدّاه بدعوتهم، مثلا، اولادنا الى مشاركتهم في حياة كنائسهم والمساهمة في نشاطاتها (يتابعون اجتماعات الشبيبة في رعاياهم او يشتركون في جوقات الترتيل والخِدَم عندهم...). وهذا يمكنك أن تنتظره دائما اذا كان هؤلاء الكهنة لا يؤمنون بغيرهم، واذا كنا نحن غير مكترثين بكنيستنا وتراثها. ولنفترض أن بعض هؤلاء الكهنة لا علاقة لهم بهذا الأمر، وأن اولادنا يفضلون الذهاب الى "رعية اصدقائهم في المدرسة". هذا لا يمكننا أن نسمح به، فالصداقات لها موقعها، والالتزام الكنسي شيء آخر بالكلية. ففي بعض الأمور لا ينفع الغنج او المسايرة. الرصانة وحدها تنقذ.

الحلّ يبقى دائما في وعينا كنيستنا وفرادتها. ففيها كلّ ما نحتاج اليه لنصبو الى "قامة ملء المسيح".

المسيحيون الآخرون هم أحباؤنا بالرب، ويحتاجون الى فرادتنا وتأصلنا في الحق. هذا وحده يعطينا أن نطل على الوجود ونشارك فيه بوعي ومسؤولية. ويعطي الجميع ما في كنيستنا من حبّ وفهم وانفتاح، إن عرفناه نحن وبثثناه في العالم. انطلاقا من هذا الوعي تكون المدرسة مكانا لنا لا لنتغرب عن أصولنا، وإنّما لنبيّن اننا شهود الحق القائم في كنيستنا الارثوذكسية.

عن نشرة رعيتي
الأحد 10 حزيران 2001

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع