Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


اعتاد الناس، وحتى معظم الملتزمين في الكنيسة منهم، أن يهملوا الاعتراف أمام الكهنة. وتلاحظ مراقبا أن كل تذكير به لا يشعرون بأنه يخصهم أو يعنيهم.

أسباب هذا الإهمال، كما يمكن وصفه، عديدة. وهي، لا شك، تختلف بين من كان بعيداً عن كنيسته وبين من يحيا في كنفها ويساهم في حياتها وشهادتها. فالبعيد قد لا يكون مقتنعا بهذه الممارسة او بخضوعه لها، إما لأنه تأثر بما يقوله بعض المنحرفين، مثلا، إنّ الكهنة بشر، وهم بالضرورة خطأة، ولا يجوز الاعتراف بالخطايا لغير الله الذي لا صالح غيره. وإما لأنه تعوّد إهمال الحياة الكنسيّة من دون سبب. اما القريب فقد يهمل الاعتراف لأنه، مثلا، يخجل من أن يبوح لكاهن يعرفه بخطاياه، وقد يكتفي بالإرشاد الذي يأخذه من انخراطه في حياة الجماعة ونشاطاتها ويغريه ان يتوب في سره. ولعل قلة من الملتزمين لم تعد تشعر بوجع الخطيئة، وترى انها فوق كلّ إقرار بالخطايا. ولا يخفى أن هذا الإهمال هو أحد الاسباب الرئيسة التي دفعت مؤمنين كثيرين الى ان يعتقدوا ان كنيستنا الارثوذكسيّة لا تمارس الاعتراف!!

ما من شكّ في ان إهمال الاعتراف تشويه للالتزام. فما من أحد، قريبا كان أم بعيداً، يحيا ولا يخطئ، وما من أحد، في هذه البشرة، لا يحتاج الى الاعتراف والتوبة. "فقد ورد في الكتاب: ما من أحد بارّ، لا أحد" (رومية 3: 10-12). وما من أحد، تالياً، يمكنه أن يخترع طرائق يحلّ فيها مشاكله على حساب إهمال الكنيسة وأسرارها وخبرتها، ويبقى مؤمناً حقيقياً.

أما الاعتراف بالخطايا أمام الكهنة فهو جزء لا يتجزأ من ممارسة سرّ التوبة التي هي حياة الكنيسة وعملها في هذا العالم الساقط. ومعروف أن هذا الاعتراف كان يمارَس في الكنيسة الاولى علنياً أمام الجماعة. وذلك لأن المؤمنين كانوا يعتقدون بأن كل خطيئة تُرتكب، هي تُرتكب في آن ضد الله والإخوة. ثم، ولأسباب رعائية، صار يمارَس بالطريقة التي نعرفها اليوم، من دون ان يفقد مضمونه وهدفه، اي كونه الطريقة التي يتصالح فيها المؤمن، اذا سقط في خطيئة، مع الله وكنيسته. وجود الكهنة للاستماع الى اعتراف المؤمنين والصلاة من اجل ان يمنحهم الله غفرانه، يفترضه موقعهم في حياة الكنيسة، إنهم خدّام اسرار الله. هم لا يحلّون مكان الله الذي يغفر الخطايا وحده، وليست وظيفتهم - أقصد أثناء الاعتراف - أن يُقنعوا المؤمنين بتعدّيهم الشريعة. انهم يصغون الى المؤمنين المقتنعين، في أعماقهم، بأنهم خطأة ويحتاجون الى رحمة الله، ويساعدونهم على تقبل غفران الله والوثوق بأنه رفيقهم في درب حياتهم الجديدة لئلا يزوغوا او يسقطوا من جديد.

نحن لا ندعي أن الاعتراف امام الكهنة هو سبيل التوبة الوحيد (فثمة مؤمنون يحيون في بلدان ليس فيها كهنة او لا يُسمح للكهنة بدخولها). هذا يقوله لنفسه كلّ من وعى أن الاسرار الكنسيّة هي مواقع لعمل الروح الذي يريد تجديد العالم. فالمؤمنون الحقيقيون يعرفون ان الاعتراف امام الكهنة ينفعهم تائبين على غير صعيد. فممارستهم ايّاه تدل على انهم يقبلون عمل روح الله في الأسرار، وعلى أنهم، تاليا، يؤمنون بشركة الكنيسة. والاعتراف، من دون شك، إطار ضروري للتربية على الفضيلة. فهو، مثلا، يعلّم التائب التواضع، اذ يجعله يقرّ علنا بخزفيته. ويدربه على الطاعة، اذ يدفعه الى قبول تعليم الكنيسة وإرشادها وتاليا صوغ حياته، كل يوم، على ضوء ما تعلمه او تذكره وتعهد بتنفيذه.

ولا يجهل مختبِر أن الاعتراف ايضا يساعد المؤمن، في زمن بات فيه الكثيرون يعتقدون أنهم كاملون ولا يحتاجون الى شيء، على الانفتاح، ليس فقط على أبيه الروحي، ولكن على الجميع، فيقبل إصلاح غيره، لعلمه أن كلّ ملاحظة بناءة تنفعه لبناء حياته في المسيح. يعلّمه الاعتراف انه ليس وحده. ويعلّمه ان يفتح نفسه لروح الله وللإخوة الواعين ليساهموا في صوغ حياته الجديدة. الاعتراف امام الكهنة باب للتوبة في كل وقت. هذا ما حث بولس المؤمنين عليه بقوله: "ايها الإخوة، إن وقع أحد في فخ الخطيئة، فأصلحوه انتم الروحيين بروح الوداعة. وحذار انت من نفسك لئلا تجرَّب ايضا. ليحمل بعضكم اثقال بعض وأتمّوا هكذا العمل بشريعة المسيح" (غلاطية 6 :1و2).

إن المؤمنين مسؤولون عن إنقاذ الأسرار الكنسيّة من الإهمال والتشويه. فإنهم بذلك ينقذون انفسهم، ويساهمون في إظهار التراث الحيّ الذي يحمل كلّ طاقة تجديد العالم.

عن نشرة رعيتي
الأحد 21 نيسان 2002

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع