Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


السؤال الذي يُقلق الغيارى في الكنيسة هو: لماذا معظم الشعب الأرثوذكسيّ يهمل الصلوات الجماعيّة (خصوصاً قدّاس يوم الأحد)؟ ومن يهمل هذه الصلوات مرشح لأن يهمل كلّ ما تطلبه من تقوى وإخلاص وشهادة ... وما لا يخفى أنّ هذا الإهمال عرف - ويعرف - في صفوفنا تبريرات عديدة، ولعلّ أكثرها شيوعاً أنّ معظم المؤمنين يبرّرون غيابهم عن المشاركة في مائدة الربّ بقولهم: إنّهم يتعبون في أعمالهم طيلة أيام الأسبوع، ويحتاجون إلى الراحة في يوم الأحد، فيزيدون ساعات نومهم أو ينظّمون مشاريع لراحتهم والترفيه عنهم... وهذا التبرير يعطينا أن نفهم عمق المشكلة، وهو أنّ معظم الناس لم يعودوا يعتبرون أنّ راحتهم "في يوم الربّ"، كما علّم كليمنضس الإسكندري (+215) الذي قال: "راحة الروحيّين في يوم الربّ (والمقصود أنّ راحة المؤمنين الحقيقيّة تكون بالاشتراك يوم الأحد في القدّاس الإلهي)" (مقتطفات من تيودوطس: 63: 1). وهل من راحة اخرى إن كنّا نسلك بالروح؟

وإذا أردنا أن نمعن في التفكير أو تحليل الأسباب التي أدّت بالناس إلى هذا الإهمال المريع، ينتصب أمامنا أمر غاية في الأهميّة، وأعني به دور الأهل في التربية الكنسيّة. لقد اعتاد الناس لتبرير إهمالهم أن يلقوا أسبابه على غيرهم، الكهنة مثلاً ... لا أحد ينكر التقصير الذي أصاب خدّام الكنيسة في غير وقت ومكان، غير أنّ التربية المسيحيّة تحتاج لتكمل إلى قطبين، أولهما عمل الكهنة ومن هم حولهم في الرعيّة، وتالياً عمل أهل البيت. فإن أهمل قطب لا يعذر هذا القطب الآخر، وإن كانت التربية بقطب واحد تبقى في كلّ حال ناقصة أو مقصّرة (ولا أريد أن أوحي بأنّ هناك مصدرين للتربية الكنسية، وإنّما أن أفصّل ما هو أصلا واحد، اي ما يبدأ في الكنيسة ويستمرّ في الحياة اليوميّة). وما يُستَهجن كثيراً هو أن يطلب والد أو والدة أن يذهب أولادهما إلى الكنيسة من دون أن يكونا موجودَيْن معهم أو قبلهم. القدوة لا تكون بالكلام فحسب وإنّما بالتصرّف. أن تكون مقتنعاً بأنّ الاشتراك في الخدمة الإلهيّة أمر تستدعيه الحقيقة المنجيّة موقف لا يكمل من دون أن تتبنّاه أنت أوّلاً. ولا يُعذر والد أبداً أن يرغب بأن يعرف أولاده الدنيا وفنونها، وأحياناً أن ينغمسوا فيها من دون حكمة أو تمييز، ولا يوجّههم إلى الحق أو يردعهم عن ارتكاب الإثم. فالمختَبِر تُطلَب منه الخبرة الحكيمة. ومَن يحبّ الله، ونفسه، وأولاده، لا يفضّل شيئاً على الربّ والاتّحاد به. الربّ، وحبّه والاتّحاد به هو الحياة وموضوعها، وهو إرث المؤمنين والقيمة الحقيقية. أن تترك لأولادك - إن كنت قادراً - مالاً وممتلكات ... ولا تورثهم محبّة يسوع وطاعته، ولا تحثّهم على أن يكونوا أعضاء فاعلين في كنيسته، فأنت تترك لهم ما هو زائل وما لا قيمة له حقيقيّة. وإن كنت تكلّمهم على المال والقدرة والجنس، وهذا كلّه تراب، ولا تكلّمهم على الحقّ ومقتضياته، فكلّ تربيتك باطلة لا مضمون واقعيّ أو حقيقيّ لها. ولذلك إن كانت هناك مشكلة فهي في كلّ إهمال وتبرير. ولا يعذَر من يرى تبريراً لإهماله في سلوك غيره ...

المشاركة في الصلوات الكنسيّة أمر لا يخالفه مَن وَعى أنّه انتسب في معموديته الى الله، وبات ابناً له. والمحبّة لا تكمل بالتخلّف، لا بل تضعف وتجفّ. ولذلك كلّ عذر يتذرّع به البعض بقولهم إنّم يصلّون في منازلهم، وحجّتهم أنّ الله موجود في كل مكان، وهو عذر لا يفيد أحداً. سوى أنّه يؤكّد أن الشرير ما زال يصول ويجول ويوحي ويقتنص ويُسقِط مَن ظنّوا أنّهم أقوياء من دون الله والإخوة المجتمعين حبّاً. ما يؤسَف عليه كثيراً هو أن يفتّش البعض عن أعذار لمواقفهم الخاطئة ولا يعترفون بتشويههم الحقّ. والحقّ مكشوف وواضح. وهو يطالبنا جميعاً ويحضّنا على تصحيح الخطأ. وكلّ خطأ كبيراً كان أم صغيراً لا يصحَّح من دون توبة. وأمّا المحبّة، التي هي الحقيقة الكبرى، فتنمو وتزيد في الانفتاح على الله والمشاركة، بفهم، في حياة الكنيسة التي هي مرتع الحياة الأبديّة.

من يتخلّف عن المشاركة في أسرار الكنيسة وصلواتها، هو، في النهاية، لا يرفض لقاء الجماعة فحسب، وإنّما الحياة الأبدية. هذا ما يقلق الغيارى ويرميهم في المرارة، ولذلك فإن سألوا عن الغائبين وحاولوا دعوتهم ورجوا مشاركتهم، فهم يبتغون إحقاق الحقيقة التي جاء يسوع وكتبها بدمه.

عن نشرة رعيتي 2001

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع