Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


إذا كان صحيحاً "أنّ الإنسان هو ما يأكل" (فيورباخ)، حيث يجعلك الطعام إيّاك، فإنّه صحيح، أيضاً، أنّ الإنسان هو ما يلبس لأنّ اللباس يجعلك تقبل لنفسك صورة ما يشاؤه ربّك أو الآخرون لك.

اللباس لغة وهو فلسفة عيش أيضاً. اللباس، كموقف، يغطّي نظرتك إلى نفسك، إلى جسدك وإلى طبيعة علاقتك بالآخرين. أساساً، اللباس ذو بُعد جغرافي. طبيعة المناخ الذي أنت فيه يحدِّد، قليلاً أو كثيراً، خفّة أو سماكة ما تتّشح به. لكن اللباس يمكن أن يكون، أيضاً، من عبادة الإنسان لجسده. المرآة أداة مُعِينة على عبادة الذات، فيها تستمتع بنفسك، بقوامك، بتفاصيل وجهك وشعرك وقدّك، بنحافتك أو سمنتك. هذا تتعاطاه، في سقوطك، اغتراراً، ولكن ليس من دون تقمّصك نظرة الآخرين إليك ومقاييسَهم ومعاييرَهم. هذا يحرّكك في حضور الآخرين وفي غيابهم سواءٌ بسواء. لذا أنت، بإزاء اللباس، في مواجهة موقف مركّب يحكمه، أصلاً، فكرك العميق في شأن القيم التي تلتزمها وتقدّم نفسك، إلى الآخرين، على أساسها. وطالما الجسد محور ما تنعطف به على الآخرين وما تشاء أن ينعطف به الآخرون عليك فإنّه، في تفاصيله، شاغلُك وما يحدّد مستوى خطابك للناس ومستوى خطاب الناس إليك. فإن حكمتَ على جسدك بأن يتغطّى فأنت، إذ ذاك، مُشيحٌ عن مخاطبةٍ تعتبرها قاصرة ومذلّة إلى مخاطبة أوفى وأكرم تلقاها أكثر انسجاماً وما فيك من انعطافات صوب ربّك ونفسك وأخيك وأختك. هذه المخاطبة، إن رغبت فيها، هي مخاطبة الوجهِ للوجه والعينِ للعين حيث في وجهك وعينيك يتجلّى، على نحو أمثل وأكمل، ما في قلبك.

الإنسان الجديد، في المسيحية، له مثال يتلبّسه: والدة الإله. فقط الوجه يستبين إذ يكون الإنسان، من خلالها، مدعوّاً إلى مخاطبة الوجه للوجه. وكذا اليدان إذ تكون إحداها محتضِنةً السيّد، ملتفّةً عليه، حاملة لحضوره، صورةً ليد القلب وهي تتلقّف السيّد من حيث كونُ موهبتُها حَمْلَ المسيح. أما اليد الأخرى فتكون، إلى الأولى، شريكة في حمْل السيّد صلاةً دائمة حيث ينبغي أن يُصلَّى في كل حين ولا يُمَلّ. أما الجسد، في المنظومة الجديدة، باقي الجسد، فلا دور له إلا الاتّشاح بالنور، عفّةً في مطلع الطريق يطالع بها المؤمنُ ربَّه، ومن ثمّ إشعاعاً وسكوناً سماوياً يتنزّل عليه من فوق. الجسد ليس، ههنا، في معرض الكشف لأنّه إن تكشّف للعين، إلاّ نوراً وعفّةً، حرّك جحيم الخطيئة في الجسد وآلَ، في نهاية الطريق، إلى فساد.

من هنا أنّ غطاء الجسد، في منظور الإنسان الجديد، لغةٌ وفلسفةٌ تُمحور اهتمام الإنسان في ما للوجه والصلاة والصلة الحسنى بالناس. الجسد، أو بقية الجسد غير الوجه، لا يَبين لا في تفاصيله ولا في نتوءاته ولا في حركته لأنّ الجسد للوجه يوحنا معمدانٌ يشير إلى الوجه واليدين حَمْلاً للإله كمثل ما أشار يوحنا المعمدان إلى السيّد لما قال: "هذا هو حَمَل الله الرافعُ خطيئةَ العالم".

لباس إنسان اليوم، لا سيما المرأة، ليس من هوّيته كما يُفترض أن تكون الهوّية. بلى للمرأة المؤمنة لباسٌ يَحكي سيرتَها في المسيح على غرار مريم البتول، والدة الإله. ليس أنّ الناس باللباس، طبعاً لا، ولكن ليس أحد مؤمناً من دون اللباس أيضاً. لباسك يحكيك شئت أم أبيت. نحن قوم تجسّديون. لباسُك، أيضاً، جَسَدُ فكرك ومكنوناتِ قلبك. لو تطلّع أحد إليك وأراد استطلاعك أبإمكانه أن يستخلص أنّك للمسيح؟ هذا سؤال لا بدّ لك أن تطرحه على نفسك، ولا بدّ، خصوصاً للفتاة، أن تطرحه على نفسها لا سيما والمرأة محور العفّة، وضْعاً، كونها حاملةَ الحياة، ووالدة الإله امرأة قبل أن تكون، في مثالها، لبني وبنات آدم وحوّاء سواء بسواء. ليس خطأ الاستنتاج أيضاً أن "قل لي ماذا تلبس أقول لك مَن أنت".

لا شكّ أنّنا بحاجة ماسة إلى الاستشراق بعد استغراب، أن نستشرق جذورنا الروحية بعدما طالت غربتنا عن أنفسنا. الخطر الأكبر أنّنا في غربتنا نتقمَّص روحاً غريبةً أيضاً. ليس اللباس حيادياً. إما أن تسخِّره لمقاصد قلبك فتحسنَ التعبير عن مكنونات نفسك وتكونَ في وصال أصيل والآخرين، وإما تقتبل ما يخيطه سواك فتتلبس به لا خارجياً وحسب بل، بالأولى، داخلياً، روحاً غريباً، إذ تستمدد مما تتّشح به، لنفسك، فلسفة عيش ونظرة إلى نفسك وربّك ومجتمعك.

لا نستهيننّ بالأزياء. إنّها إحدى مكوِّنات النفسية الدهرية والمساعِدات الرئيسية على جمع الناس إلى الغريب الآتي، كل يوم، قِيَماً تنشر نمطاً من الفكر وألواناً من السلوك تمتّ بصلة وُثْقى إلى الفلسفات العدمية المتفشية عبر أنماط الحياة العامة. في فسيفساء الغربة عن الله يمثّل اللباس لوناً وشكلاً يغيِّر فكر المسيحيّين وروحانيتهم وأخلاقهم. لعمري إنّ حاجتنا ماسة إلى توبة نستطلع فيها أين سقطنا لنخرج من متاهات العالم إلى الحياة الجديدة التي مدّها لنا الربّ يسوع المسيح، في جسده، الكنيسة، بالروح الكلي قدسه.

لا شكّ أنّنا بحاجة إلى العودة من بابل الممارسات الدهرية إلى أرض الميعاد. ولا بدّ لنا أن نستعيد هوّيتنا على كل صعيد، وفي كل منحى من نواحي الحياة. أكثر الإنسان المعتبرِ مؤمناً اليوم غائص في رمال الدهرية المتحرّكة ويتعذّر عليه الخروج منها إلاّ بتوبة صدوق.

تُرى في غمرة الدهرية المستشرية ألا زالت التوبة ممكنة؟ أقلّه الذين يعرفون أن يكونوا مثالاً طيِّباً للذين لا يعرفون. صَمْتُنا عن المبالغات والتجاوزات في مجال اللباس بات يُفسّر رضوخاً ورضى بالواقع الثقيل. حتى متى نَلْزَم الصمت ومظاهرُ الفسق تهاجمنا حتى في عباداتنا وبيوتنا وتغتال البقية الباقية من سلامة المسير الروحي في كنيسة المسيح؟ لَعَمري إنّ في ما نبديه وما لا نبديه تفكّكاً مخيفاً. فكأنّنا بتنا بإزاء مسيحيّة تتكرّس فردياً يوماً بعد يوم. أنت تقول كلمتَك وتُقيم الطقوس، ثمّ بعد ذلك يُقبِل مَن يُقبِل ويسقط مَن يسقط. روح الوحدة تنقصنا وروح الشركة تكاد تكون قد ارتحلت عنّا. تماسُك الجسد الواحد، أو مَن يُفترض بهم أن يشكّلوا الجسد الواحد، في انحلال وكأنّنا إلى زمن يُسأل فيه: "متى جاء ابن الإنسان فهل يجد الإيمان على الأرض". أما زلنا، بعدُ، بإزاء إيمان واحد أم بتنا في إيمانات شتى؟ لعمري، إنّه زمن الضياع الكبير وبابل الفرديات يُضنينا!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
عن نشرة نقاط على الحروف
19 آذار 2006

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع