Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


القديس الشهيد الحارثاستشهد الحارث ورفاقه في نجران سنة 523 وتعيد لهم الكنيسة في الرابع والعشرين من تشرين الأول. نجران مدينة في شمالي اليمن لعل اهلها تنصروا على يد راهب اتى مع قافلة من انطاكيا، ولا يختلف اثنان ان نجران كانت اهم مواطن المسيحية في تلك المنطقة. وكانت اليهودية قد دخلت اليمن اثر خراب اورشليم في السنة ال 7. وصار لليهود في اليمن شأن كبير.

كان المتولى على مملكة سبأ، او المملكة الحميرية، اي بلاد اليمن، آنئذ، يهودي اسمه ذو نواس. وكان الحارث رأسا على مدينة نجران وجوارها، مسيحيا يسلك في مخافة الله.

وكانت مملكة سبأ على صراع مع ملك الحبشة المجاورة، وأهل بلاد الحبشة مسيحيون. وكان ذو نواس يخشى تحالفا ممكنا بين نجران والحبشة  بسبب وحدة الإيمان بينهما؛ فصمم على اضطهاد مسيحيي نجران. جمع الجند وحاصر المدينة. لكن نجران صمدت، فأخذها ذو نواس بالحيلة.

ولما دخلها أخذ يخيّر سكانها بين الموت ونكران المسيح ويقتل كل من تمسك بإيمانه بيسوع المسيح. وكان الحارث الشيخ اول من مثل لديه في المحاكمة. فأبدى شجاعة فائقة واستعدادا تاما لأن يموت من اجل اسم الرب يسوع ولا ينكره. فأمر ذو نواس بقطع رأسه. وكان مع الحارث جمع من المسيحيين بلغ عددهم اربعة آلاف ومئتين وثلاثة وخمسين فقُتلوا كلهم بالسيف شهداء لايمانهم بيسوع المسيح. اقتحموا الخوف من الموت متممين بدمائهم قول الرسول بولس: "انه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات  ....  تقدر ان تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (رومية 8 : 38 - 39).

ظلّت ذكرى شهداء نجران، وعلى رأسهم الحارث، حيّة عند العرب، فلا يخلو مرجع تاريخي من الحديث عنهم. حتى أن القرآن خصّ هؤلاء الشهداء المسيحيّين بجزء من سورة البروج (85، 1-9)، فيقول: "قُتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعودٌ". الأخدود هو الحفرة الكبيرة التي أُلقي فيها المسيحيون ليُحرقوا، وهذا ما يطابق الرواية التاريخية المذكورة أعلاه. أما في شأن الآيات القرآنية فيقول أحد المفسرين المسلمين المعاصرين: "لُعن أصحاب الشقّ المستطيل المحفور في الأرض، وهم قوم كفّار أحرقوا جماعة من المؤمنين في أخدود باليمَن، وهم نصارى نجران، الذين كانوا على دين التوحيد".

ثم يتابع القرآن قائلاً: "وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهودٌ، وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له مُلك السموات والأرض والله على كلّ شيء شهيدٌ". يقول المفسّر نفسه في هذه الآيات إنّ أصحاب الأخدود (أي اليهود) كانوا شهوداً على ما يفعلون "بتعذيب المؤمنين بالله بالإلقاء بالنار. وما أنكروا وعابوا على النصارى رلاّ أنهم يؤمنون بالله وحده مالك السماوات والأرض، فهو حقيقٌ (أي جديرٌ) بالإيمان به وتوحيده، والله شاهد عالم مطّلع على ما فعلوه ومجازيهم". وكذلك يقول مفسّر إسلامي آخر: "جريمتهم أنّهم آمنوا بالله العزيز الحميد". ما يلفت في هذه الآيات هو أن القرآن ينعت النصارى المسيحيّين بالمؤمنين. والمؤمنون، في القرآن، صفة خاصة بالمسلمين. كما أنه يعترف بتوحيدهم للّه.

أورد ابن هشام مؤلف "السيرة النبويّة" خبر الحارث وسيرته في الجزء الأوّل من مؤلّفه، مطلقاً عليه اسم "عبدالله ابن الثامر". وهذا الاسم يرد في الكثير من المراجع العربيّة، لذا يعتقد بعض العلماء أنّ اسم "الحارث" يبدو اسم القبيلة أكثر منه اسم شخص، فيكون قدّيسنا بالنسبة لهؤلاء اسمه عبدالله لا الحارث.

 ممّايؤكّد هذه النظريّة هو أنّ القبيلة التي كانت مسيطرة، آنذاك، في نجران وجوارها كان اسمها "الحارث بن كعب"، التي غالباً ما اختُصر اسمها ب"بَلْحارث". فيقول ابن هشام أنّ أهل نجران كانوا "أهل شرك يعبدون الأوثان"، ثمّ تنصّروا على يد عبدالله بن الثامر. أمّا استشهاده وأهل نجران، فيسرده ابن هشام قائلا: "فسار إليهم ذو نواس بجنوده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيّرهم بين ذلك والقتل، فاختاروا القتل، فخدَّ لهم الأخدود، فحرق مَن حرق بالنار، وقتل مَن قتل بالسيف، ومثّل بهم، حتّى قتل منهم قريباً من عشرين ألفاً. وكان في مَن قتل ذو نواس، عبدالله بن الثامر رأسهم وإمامهم".

يحكى عن وصيّة تركها الشهيد الحارث لبني قومه والتي صرّح بها أمام النجرانيّين وذي نواس، إذ يقول: "أيّها المسيحيّون والوثنيّون واليهود اسمعوا، إذا كفر أحد بالمسيح وعاش مع مع هذا اليهوديّ (يقصد ذا نواس)، سواء أكانت زوجتي أم من أبنائي وبناتي أم من جنسي وعشيرتي، فإنّه ليس من جنسي ولا من عشيرتي وليس لي أيّة شركة معه، وليكن كلّ ما أملكه للكنيسة التي ستُبنى بعدنا في هذه المدينة.

ما يسترعي انتباهنا في هذه الروايات هو أنّ أهل نجران كلّهم قد تشبّثوا بإيمانهم ولم يتخلّوا عنه تحت ضغوط الاضطهادات والعذابات التي عانوا منها. وما يلفتنا أيضاً هو هذا المديح الذي يكيله القرآن والتراث الإسلاميّ لشهداء نجران المسيحيّين وصمودهم من أجل إيمانهم بالله الواحد القادر على كلّ شيء، فخلّد ذكراهم.

طروبارية باللحن الأول
يارب بأوجاع القديسين التي كابدوها من أجلك، تعطف واشفِ أوجاعنا كلها، نحن المتضرعين إليك يا محب البشر.

قنداق باللحن الرابع
لقد حضر اليوم عيد المجاهدين المتوشح بالضياء، مسبباً لنا الفرح والسرور، فإذ نكرمه نُمجد الرب الذي هو في الأعالي.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع