Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


باييسيوس الكبير القديس الباراسمه في السنكسارات السورية القديمة (القرن 13م) باييسيوس وفي السنكسارات البيزنطية بانيسيوس وعند السريان والأقباط "بشيه" أو "بيشوي" أو "بيشاي". عيده عند الملكيين والسريان والموارنة والأقباط، قديماً، كان في الثاني من شهر تموز الذي هو، بحسب السيرة، يوم نياحته (19 حزيران بحسب التقويم الغربي التي تتبعه كنيسة أنطاكية). سيرته التي نعرضها هنا أخذناها من المخطوط العربي السينائي 407 من القرن 13/14م.

الكاتب والسيرة

كتب سيرته راهب اسمه يوحنا قال إنه كان رفيقاً له في الرهبنة والتلمذة للأنبا بمبوا. وقد أشهد الله على نفسه أنه لا ينقل إلا ما رأته عيناه. أوجز سيرته الروحية بما يلي: "هو الذي انتخبه الله وتنحى وتباعد عن سائر أمر العالم وقهر كل الشهوات وتمم سائر سيرة الرهباينة وصار بالحقيقة تاماً في الشهداء بأعماله المفضلة التي هي الرهباينة وبعجائبه الباهرة لأنه قرب نفسه وجسده قرباناً مقبولاً، وجعل يستسير في هذه البرية بسكنى المغاير وثقوب الأرض. هذا هو الذي شوهد لطهارة نفسه وجسمه. وكان دائماً حافظاً لوصايا الرب ومعتنياً بخلاص نفوس الأكثرين ليجتلبهم إلى الملك السماوي بتعليمه الإلهي".

عائلته

كان والدا باييسيوس صالحين محبين للكنائس عاملين بمرضاة الله. وكان موطنهما ضيعة "من جانب معرب مصر تسمى عندهم بيسيشانيا". منّ عليهما الله بسبعة بنين. توفي الأب وأولاده صغار فربتهم أمهم بخوف الله. باييسيوس كان أصغر إخوته.

منظر إلهي:

في ليلة من الليالي، رأت الأم منظراً كأنها هي وأبناءها السبعة، وملاك الله يقول لها: "إن الرب بعثني إليك قائلاً... أعطيني أحد أولادك يقدس اسمي ويباركه بين الناس". فقالت الأم: "يا سيدي كلهم لله... فخذ منهم من تؤثر". فبسط الملاك يده وأمسك بيد باييسيوس قائلاً لها: "هذا هو خادم الله. هذا هو الذي يحبه الرب حقاً". فقالت له الأم: "خذ لك أقوى من هذا لأن هذا المسكين... أضعفهم وأصغرهم". فأجابها الملاك: "هذا هو الذي يستحق ويصلح لخدمة الرب، لأن قوة الرب في الضعف تستبين". وإذ قال الملاك ذلك غاب عنها.

راهباً:

نم باييسيوس بالنعمة والقامة ونمت فيه اللهفة إلى الحياة الرهبانية. فلما حان ملء الزمان اجتذبه ربه كخروف نقي لا عيب فيه إلى برية الإسقيط فانضوى إلى أحد شيوخها القديسين، الأنبا بمبوا.

سلك باييسيوس في طاعة كاملة لمعلمه، بتواضع كبير . قال له الشيخ مرة: لا يليق بالإنسان أن ينظر وجوه القديسين بل أن يطرق. فلما سمع باييسيوس هذا الكلام أطرق ثلاث سنين لم يرفع نظره خلالها إلى وجه إنسان.

كان يدرس الكتب المقدسة وينظر معانيها لتكون له منها ماء الحياة التي هي نعمة الروح القدس. صلاته كانت بلا انقطاع. وكان دائم السهر صواماً، يحب كلام الله أكثر من الشهد وينمو في الفضيلة كل يوم كالعود المغروس على مجاري المياه (مز3:1).

كان الشيخ يحبه كثيراً ويسميه "الأب الظامئ العائش من أجل ضوء نفسه".

في الصوم كان باييسيوس لا يذوق الطعام شيئاً إلا من السبت إلى السبت. وقد زاد على صومه بعد حين فصار لا يأكل إلا مرة كل أسبوعين مكتفياً من القوت بالخبز اليابس.

انتقل باييسيوس بعد رقاد معلمه إلى مغارة غربي مكانه الأول تلبية لإشارة من ملاك الرب. وإن كثيرين صاروا يأتون إليه وينظرون أعماله فيتشبهون بسيرته.

زاره الرب يسوع:

جاء إليه الرب يسوع المسيح، له المجد، مرة، وقال له: "السلام عليك يا عبدي باييسيوس". فقام مرعوباً وسجد له. فقال له الرب: أترى هذه البرية ووسعها؟ لأكثرن فيها منذ الآن الرهبان، وهم يقدسون اسمي على الدوام! فسأله باييسيوس: "أمن هذه البرية تعولهم يا سيدي؟! فأجابه الرب: الحق أقول لك إن وجدت بينهم محبة تامة ويحفظون فرائضي ما يحتاجون إلى عمل شيء من امور الدنيا، بل استعد لهم بكل ما يحتاجون إليه. فقال باييسيوس: وتخلصهم، يا سيدي، من الناس السوء والشياطين؟! فأجابه الرب: إن هم حفظوا وصاياي لأخلصهم من كل التجارب وأورثتهم ملك السماء! وإذ قال له الرب ذلك ارتقى عنه.

فخ عدو الخير:

كان ملاك الرب يتعهد الأنبا باييسيوس ويقوم بخدمته وكان عدو الخير ينصب له الفخاخ، الواحد تلو الآخر، دون أن يتمكن من الإيقاع به لأن روح الله كان ساكناً فيه بقوة.

نصب له الشيطان مرة فخ الكرامة وقبول الهدايا فتراءى كملاك نور لرجل من الأشراف غني جداً وأشار عليه بأن ينطلق إلى الإسقيط بهدايا جزيلة ويلتمس البركة من راهب اسمه باييسيوس كل ما يطلب من الله يعطيه، فقام وانطلق إليه. ولكن قبل أن يصل إلى هناك، جاء ملاك الرب وفضح لديه حيلة الشيطان. فقام القديس إلى البرية حتى التقى الرجل. فسأله الرجل عن الأنبا باييسيوس. ولما قال له القديس: ماذا تربد منه؟ أجاب: أريد أن أعطيه هدايا حملته معي وفضة أيضاً يوزعها على الرهبان لتصير بركته في بيتي. فأجابه الشيخ: لا يحتاج الرهبان في هذه البرية إلى فضة ولا يقبلون منك هدايا. لكن، الآن، قبل الله قربانك، فامض إلى قرى مصر وفرق ما معك على المساكين والرب يباركك. فعاد الرجل وصنع كل ما أمره به القديس فخسئ الشيطان ووقف أمامه قائلاً: "لقد عذبتني يا أنبا باييسيوس!" فأجابه: "منذ البدء أنت مقاوم الحسنات!". فقال الشيطان: "منذ الآن أقرر في ذاتي أنك أنت ما خلقت!". فأجابه القديس: "ينتهرك الرب ويبيدك!". فمضى الشيطان ولم يعد يراه.

خطف إلى الفردوس:

بعد هذا دخل القديس إلى البرية الداخلية ومكث فيها وحده وبذل ذاته لتدابير أعظم من الأولى. فأمر الرب فخطف إلى الفردوس ليبصر الخيرات التي هناك. وقد وهب طعاماً روحانياً فأكله وتقوى على الجوع والعطش. من ثم صار حسبه، كل أحد، جسد ربنا يسوع المسيح ودمه المحيي، لا يذوق من الطعام أو الشراب شيئاً غيره. وقد مكث سبعين سنة على هذه الحال. وكان يتعب جسده كأنه ليس له.

موهبة خاصة من الله:

أما تلاميذه فكانوا يحتفون به احتفاف النحل بالشهد. ولما زحموه مرة خرج إلى مغارة في البرية أقام فيها ثلاث سنين مصلياً قدام الرب صلاة مستمرة. وقد قيل إنه جعل لنفسه وتداً في علو المغارة كان يشد شعره إليه ليقوم أمام ربه في كل حين. إثر ذلك ظهر له الرب يسوع المسيح فلما أبصره القديس سقط على وجهه فأمسكه المخلص وأنهضه قائلاً: السلام عليك يا باييسيوس. قد نظرت إلى الأعمال التي عملتها فقبلتها. وها أنا أعطيك موهبة أن كل ما تطلبه باسمي يكون لك. فقال له باييسيوس: أطلب منك يا سيدي أن تقويني على إتمام فروضك من أجل اسمك القدوس. فباركه الرب بالسلام وارتفع عنه.

صلاته لأجل زان مات:

وكان مقيماً بجانب قلاية الأنبا باييسيوس شيخ يخاف الله له تلميذ ألقاه الشيطان في الزنى فمات فيه وقذف إلى الجحيم. فاغتم الشيخ وأخذ يطلب من الله ليل نهار من أجل تلميذه صائماً أربعين يوماً فجاءه صوت يقول له: "إنه يلبث في الجحيم إلى أن يجيء الرب على السحب". فصام الشيخ أيضاً أربعين يوماً إضافية طالباً من الرب أن ينتشله من الجحيم، فسمع الصوت يقول له الكلام الأول بعينه. فلم يستسلم ولم ييأس بل قام إلى الأنبا باييسيوس وعرفه بأمر تلميذه فقال له الأنبا باييسيوس: قم يا أخي لنصلي ولتكن مشيئة الله. فقال له الشيخ: حي هو الرب أني ما أبرح من حضرتك حتى تطلب من الله أن يرحم تلميذي ويفرح قلبي.فقام القديس للحال إلى البرية الداخلية وصلى قائلاً: "يا رب ارحم خليقتك وخلص عبدك من العذاب". فظهر له سيدنا يسوع المسيح وقال له: ماذا تطلب ي باييسيوس؟ فقال: أن تصعد تلميذ الشيخ من الجحيم يا رب! فأجابه المخلص: قد خرجت القضية من فمي أنه يبقى في الجحيم إلى أن أجيء على السحب!. فقال له القديس: يا سيدي أحببت فأنت تجيء الآن على السحب!. فأمر فجاءت سحابة النور وارتقى عليها وأمر بإحضار نفس ذلك الشاب وأن تعطى للأنب باييسيوس. فأخذ القديس النفس ودفعها إلى الشيخ. فلما نظر الشيخ ما كان تعجب وسأل تلميذه عما لحقه في الجحيم. فقال: تعذبت كثيراً من أجل خطاياي لاسيما لأنه ما كانت لي طاعة. في تلك اللحظة أمر الرب بأن يؤخذ التلميذ إلى بلد النياح. ففرح الشيخ وشكر القديس شكراً جزيلاً ثم قال له: أسألك أن تعرفني بأعمالك التي عملتها حتى منحك الرب هذه الفضائل العظيمة. فأجابه القديس: اغفر لي يا أبانا لأنه ليس من أجلي أنا الحقير صار هذا الأمر بل من أجلك ومن أجل صيامك الأربعين! على الأثر شكر الأبوان الرب ورجع كل منهما إلى قلايته بسلام.

معلماً من الله:

بعد هذا أجهد الأنبا باييسيوس نفسه بأتعاب كثيرة صعبة أكثر من الأولى. وكان يجوب القفار التي لا ماء فيها ليكتم أمره. وفيما هو كذلك ظهر له الرب وأمره أن يخرج إلى الإخوة ويعلمهم رسوم الرهبانية فقال للرب: ليست فيّ قوة لهذه الخدمة وأنا خائف أن يهلك تعبي! فقال له الرب: لا تخف فأنا أعطيك جزاء أتعابك في ملك السماء!

مع قسطنطين الملك:

ومضى، مرة، يوحنا، رفيق تلمذته للأنبا بمبوا وكاتب سيرته، أقول مضى إلى مغارته، وقبل أن يقرع الباب سمع صوت إنسان يتحدث إلى الأنبا باييسيوس ويبكي. فلما دخل يوحنا وجلسا وصليا، سأله: مع من كنت تتكلم؟ فأجابه: إذ كنت قد سمعت صوته فأنا أخبرك. كان ذلك قسطنطين الملك جاء من السماء حزيناً باكياً وقال لي: لم أكن أعرف أن الرهبان مستحقون لمثل هذه الكرامة والنعمة من أجل مسكنتهم على الأرض وتعريهم من أجل المسيح. ولو كنت عرفت ذلك لكنت تخليت عن ملكي وصرت راهباً. فقلت له: أفما أعطاك الرب نعيماً وإكراماً من أجل ملكك؟ فقال: بلى، ولكن ما وصلت إلى منزلة الكرامة المعدة للرهبان. فإني أعاين قوماً منهم إذا تنيحوا صارت لهم أجنحة وطاروا وتعالوا إلى أسوار أورشليم السماوية ودخلوا من غير مانع...

في رفقة الرب يسوع:

صام الأنبا باييسيوس، مرة، واحداً وعشرين يوماً فجاء إليه الرب يسوع المسيح وعزاه قائلا: ها أنت تتعب نفسك كثيراً! فقال: يا سيدي لتوكلي عليك لا أضعف البتة. فأخذه الرب بيده وأتى به إلى أخ كان قد صام يومين فأبصره الأنبا باييسيوس مطروحاً على الأرض، في شدة عظيمة، يتقلب ويطلب البرودة ملتهباً من الصوم، ولم يكن قد استكمل اليوم الثاني. فقال الأنبا باييسيوس للرب: يا سيدي، لم هذا الأخ على هذه الحال؟ فقال له الرب: لأنه قد صام من أجلي. قال باييسيوس: وكم له يوم صائماً، فإنه قد استرخى كثيراً؟ أجابه: منذ مولده لم تفته أكلة إلا هذه الليلة. وقد تسلط عليه الجوع والضعف كما تراه. وها أنت صمت واحداً وعشرين يوماً لأني أنا أعطيك القوة على الصيام. أما هذا فعلى قدر القوة التي أعطيته أجازيه. آمين أقول لك إنني كما قلت في الإنجيل ادخلوا كلكم إلى فرح ربكم. من ذلك الحين صار باييسيوس يبذل نفسه لأتعاب كثيرة وطلب من الله قائلاً: يا سيدي لست أؤثر أن آكل خبزاً البتة. فقال له الرب: لا تقل عن الطعام فهوذا أنت لا تأكل شيئاً. وطلب من الرب قائلاً: إذا خرجت من البرية أحزن عليها كثيراً لخروجي. فقال له الرب: لا تحزن إذا خرجت فما أتركك تعتم. فقال له أيضاً: يا سيدي، إني دفعات كثيرة غلبت من الغضب. فقال له الرب: احذر أن تنتهر أحداً أو تبغض أحداً أو ترفض أحداً، فإن حفظت نفسك فلا يغلبك بل يسكن فيك الروح القدس. وكان الرب يمضي مع الأنبا باييسيوس إلى موضع، محدثاً إياه كما يحدث الإنسان رفيقه.

راهب من الشام:

وكان في بلد الشام راهب قديس يسكن في بعض الجبال ويخدم الله جداً. هذا كان قائماً مرة يصلي فافتكر في قلبه قائلاً: أترى أجد قدام الرب رحمة مثل بعض القديسين؟ فللوقت جاءه صوت يقول له: في بلد مصر شيخ، في برية نتريا، يخدم الله دائماً، اسمه الأنبا باييسيوس. هذا له دالة عند الله، مثله تكون أنت. فقام ذلك الراهب بقرح وركب في مركب ومضى إلى الإسكندرية وصعد منها وجد حتى وصل إلى موضع الأنبا باييسيوس. فقبله الأنبا باييسيوس بفرح وأدخله مغارته وصليا وجلسا. وكان ذلك الراهب سرياني اللسان والأنبا باييسيوس لا يعرف السريانية. فتنهد الأنبا باييسيوس ورفع طرفه إلى السماء وقال: أطلب منك يا رب أن تعرفني بما يتكلم به هذا الشيخ. فللوقت أنار الله عقله وأخذ يكلمه بالسريانية. وبعدما تبادل الاثنان كلاماً روحياً جميلاً، وتبرك الإخوة بالشيخ الزائر ستة أيام ودع كل الآخر وانصرف الراهب السرياني إلى دياره. وما إن انصرف حتى جاء أحد الإخوة وكان غائباً فأخبره الباقون بما كان لهم. ثم قالوا له: لعلك تدركه إن خرجت في إثره لأنه ليس له زمان قد خرج. فأجاب القديس باييسيوس: لا تمض أيها الأخ فإنك لا تلحقه لأنه سار ثمانية عشر ميلاً على سحب الهواء. فلما سمع الإخوة كلامه عجبوا وسبحوا الله.

راهب اسمه يوحنا:

في أحد الأيام جاء إلى الأنبا باييسيوس زائراً راهب هو الأنبا يوحنا. وكان هذا قد سهر سهراً عظيماً ليلاً ونهاراً، ساكناً في البرية لا يأكل ولا يشرب، وكان في تعب شديد وقد صغرت نفسه. فلما قرع الباب خرج الأنبا باييسيوس إليه وعانقه وأدخله إلى قلايته وصليا وجلسا يتبادلان الكلام النافع. فكشفت نعمة الروح القدس للأنب باييسيوس أن يوحنا له أيام كثيرة صائم وهو ملتهب من العطش فأمر تلميذه بأن يأتيه بخبز ليأكلا، فلم يرد الأنبا يوحنا أن يأكل. وبعدما ألح الأنبا باييسيوس عليه مراراً وأبى، قام، لمحبته، فبسط يديه وصلى إلى الله هكذا: يا إلهي وسيدي، هلم لمعونتي واستجب لي وارحم عبدك يوحنا فقد صغرت نفسه من الصوم والعطش. وفيما القديس مستغرق في الدعاء خُطف الأنبا يوحنا بالروح وأبصر إنساناً أطعمه وسقاه حتى الشبع فسبح الله كلاهما ورجع يوحنا إلى قلايته.

أخ مبتدئ:

مرة أخرى، كان أخ مبتدئاً في الرهبانية وكان حزيناً من الشياطين أنهم يتعبونه في كل حين. فجاء إلى الأنبا باييسيوس وسأله الصلاة من أجله قائلاً: لا ينفك الشيطان يجلب علي الأفكار ويحزنني! فأجابه القديس: إن ما تقوله هو حال الكاملين لا المبتدئين في الرهبانية، وأما أنت فلم يعرف الشياطين بعد أنك في البرية. فالآن انطلق واطلب من الله وهو يقلع عنك الأمر. فعاد الأخ إلى قلايته، وقام القديس فصلى إلى الله أن يرحم الأخ القديس ويريحه. وإذ بالشيطان عينه يتراءى للقديس ويقول له: لم تحزنني؟! فأجابه القديس: ابتعد عن الأخ المبتدئ ولا تلح وتضيق عليه بالأفكار! فقال له الشيطان: أنا أحلف لك أني ما شعرت به بعد أنه في هذه البرية بل هو ممتحن بصغر النفس. لكني من الآن أجربه بكل قوتي. فزجره القديس قائلاً: الرب يخزيك ويبعدك! فغاب الشيطان عنه. بعد ذلك حلت بالأخ المبتدئ قتالات شرسة حتى إنه هرب من قلايته عارياً وجاء إلى القديس شاكياً باكياً. فأمسكه القديس بيده وأدخله إليه ليستريح. ثم نهض للصلاة ورفع يديه إلى السماء وقال: أيها الرب إلهي الضابط الكل، البارئ الخليقة بحكمته، الحافظ أنفسنا، أطلب إليك وأسأل منك أن تخفف عن هذا الأخ قتال الشياطين وتقويه للإقامة في هذه البرية بكمال النسك. أنت قلت يا رب إني أكثر في هذه البرية الرهبان وهم يقدسون اسمي. من أجل هذا أطلب إليك أن تكون لنا ستراً وخلاصاً من أعدائنا لأنك قادر على كل شيء ولك المجد إلى دهر الدهور. وما أن ختم الأنبا باييسيوس نفسه بإشارة الصليب وقال الآمين حتى ظهر له ملاك الرب وقد كتف الشيطان بسلاسل وأقامه لديه. فخاطب الشيطان القديس قائلاً: ويلي منك يا أنب باييسيوس لأنك عذبتني كثيراً! فقال له القديس: يا عدو الحق الذي لا يشبع من محاربة عبيد الله وابنه المسيح، عرفني ما سبب قتالك لهذا الأخ؟ أجاب الشيطان: لأني أشاء أن يرتد عن الرهبانية من أول أمره لئلا إذا غفلت عنه يقوى علي ويكثر من أحزاني نظيرك. فقال له القديس: يزجرك الرب ويبعدك عن عبيده! ثم إن الأنبا باييسيوس صلى على الأخ ووعظه وأرسله إلى قلايته فلم يعد الشيطان إليه وتقدم هو في حياة الفضيلة.

اسحق اليهودي تائباً:

مرة أخرى كان أخ اسمه اسحق يتبع هواه ويصنع مشيئته ولا يستشير الشيوخ. هذا ذهب إلى مدينة أرواد، في بلد التيمن، بقرب يسطوس وسكن هناك وحده. ففي بعض الأيام دخل إلى مدينة يسطوس ليبيع زنابيله فأغوته امرأة يهودية ساحرة وجعلته يخلع إسكيمه الرهباني وينضم إليها وإلى الملة اليهودية. وقيل إنها من حقدها على مسيح الرب أضجعت الرجل على ركبتيها وتناولت خلاً وخللت ما بين أضرايه وأسنانه لئلا يكون قد بقي فيها من جسد المسيح شيئاً. وأرسل اسحق للأنبا باييسيوس برهبان عبروا بالمكان يقول له: إن اسحق اليهودي يستحلفك أن تصلي عليه لأنه قد سقط في فخاخ الشيطان! لكن الشيطان ضرب المرسلين بالنسيان. فحرك روح الرب الأنبا باييسيوس فسألهم: أما أوصاكم اسحق اليهودي بشيء تقولونه لي. فقالوا: بلى، وأخبروه بحاله. فأخذ القديس يصلي من أجله ليل نهار. فسمع الرب صلاته وظهر له قائلاً: لم تتعب يا مختاري من أجل اسحق الذي كفر بي وجحد معموديتي!؟ فبكى القديس وقال: لست أهدأ من التضرع إليك يا ربي حتى تغفر له. فقال له الرب: إذا كنت تشتهي أن أغفر له فأنا أخذ من أتعابك كثيراً وأعطيه بديلاً. فقال له: يا رب أنت تعرف كل شيء. كما أني أنا أحب أن أخلص، هكذا أحب للكل أن يخلصوا أيضاً لأني لا أستطيع أن أبصر أخي مغموماً هالكاً وأنا في النياح. نعم يا سيدي، أسألك أن ترسل إليه رحمتك وترده إلى صيرتك، وإلا فما أكف أنا عن البكاء. فقال له الرب: حسناً فعلت يا باييسيوس وتشبهت بي لأنه ليست محبة أعظم من هذه أن يبذل الإنسان نفسه عن قريبه. من الآن لا أحزنك ولا أخذ شيئاً من أتعابك بل أزيدك ثواباً وأتمم طلبتك. وبعد أيام أضاءت نعمة الله اسحق الساقط فنهض وعاد إلى البرية تائباً توبة عظيمة وصار راهباً كاملاً ورضي الله عنه.

غسل قدمي الرب:

ومرة كان القديس جالساً في مغارته في برية الصعيد فظهر له ربنا معه ملاكان وسلم عليه. فنهض باييسيوس للحال وسجد له. ثم أخذ ماء وغسل قدميه. فلما ارتقى الرب بمجده أخذ القديس الماء وشرب منه وترك الباقي لتلميذه الغائب في مصر. فلما عاد التلميذ قال له القديس: يا بني قم اشرب قليلاً من الماء الذي في السطل. فقال: نعم يا أبي ولم يشرب لأنه قال في قلبه: بدل أن يقول لي اشرب مار بارداً من شدة الحر يقول لي اشرب من ماء المغسل!؟ فقال له الشيخ أيضاً: اشرب من اللقن (اللكن) قليل ماء يا بني! فقال التلميذ: صل علي وأنا اشرب، لكنه لم يشرب. فقال له القديس ثالثة أن يشرب فلم يشرب أيضاً. ولما رأى التلميذ معلمه حزيناً من أجله مضى إلى اللقن وكشفه فلم يجد فيه شيئاً، فعاد إلى القديس معترضاً متذمراً: لقد كنت تهزأ بي يا أبي لأني ما وجدت ماء في اللقن. فقال له القديس: كنت تريد أن يبقى الماء على الأرض إلى هذه الساعة؟ فقال له التلميذ: وما هو ذلك الماء؟ فقال له: جاء المسيح إلى أحد الإخوة فطلب منه الأخ أن يأذن له بغسل قدميه فأذن له. وقد غسلهما بذلك الماء وأحضر لي بعضاً منه فشربت وحفظت لك البقية. فإذ لم تقبله مني ولم تشأ أن تشرب انحدر ملاك الرب وأخذه. فسقط التلميذ على وجهه وبكى بكاء مراً.

هو وتلاميذه:

وظهر الرب مرة للأنبا باييسيوس وقال له: لو كنت تجعل لك ديراً في برية الإسقيط تجمع فيه رهباناً كانوا يرفعون القرابين على اسمك ويصير ذكرك في ذلك المكان إلى الأبد. فقال له القديس: اغفر لي يا سيدي فإني رجل شيخ وليست في قوة ولست كفؤاً وأنا إنسان خاطئ. فجمع الرب إليه إخوة كثيرين فألبسهم الأنبا باييسيوس زي الرهبانية وسكنوا في المغاور من حوله. وكان يعلمهم مخافة الله وقراءة الكتب وتلاوة المزامير. كما كان يوصيهم أن يعملوا بأيديهم ليأكلوا من تعبهم ويعطوا صدقة عن خطاياهم. وإن واحداً من الإخوة كان جالساً يسمع ففكر في قلبه قائلاً: لو كان الأب يعمل بيديه شيئاً لكان يعرف ما هو وجع العمل. فعرف القديس بالروح ما في قلبه وقال له: هذا الذي فكرت به علي متذمراً أني أحرض الإخوة على العمل وقراءة الكتب، أما تعلم يا بني أني في كل صلاة أحرص قدام الله على السؤال من أجل نفوسكم؟ فلما سمع الأخ هذا الكلام سقطت الضفيرة من يده ووقع على وجهه ساجداً. فقال له القديس: يا ابني، أنا إذا عملت فالله يعرف أني من اليوم الذي جئت فيه إلى هذا الموضع ما تركت العمل، لا ليلاً ولا نهاراً، مكملاً صلاتي وعمل يدي، موبخاً جسدي لئلا يرث الجحيم. فلما سمع الإخوة كلام القديس عرفوا قصورهم واستغفروا.

وفاته:

ولما دنت وفاة القديس كان قد شاخ كثيراً وضعف وصار جسده قرباناً لله نقياً. كان دائماً يقول: ليست فضيلة أعظم من أن يحرص الإنسان على أن لا يعمل شيئاً برأي نفسه بل أن يقبل ما يشير عليه به أخوه ويهرب من السبح الباطل، لأن السبح الباطل متى استبد بإنسان هزه وألقى ثمره كما تلقي الرياح الشديدة الثمر من الشجر. وكان القديس قد أقصى عنه السبح الباطل واتكل على الله من صغره فورث الملك السماوي وبلغ النعيم الأبدي. وقد كانت وفاته في اليوم الثاني من شهر تموز حوالي العام 417 للميلاد. كان قد قضى على إقامته في البرية ستون سنة – كما شهد قوم يعلمون- سوى السنين التي أمضاها في مارس بالصعيد. شفاعته تنفعنا، آمين.

تعيّد له الكنيسة الأرثوذكسية في التاسع عشر من شهر حزيران. فبشفاعة قديسك باييسيوس اللهم ارحمنا وخّلصنا آمين.

سألوه : أية فضيلة هي الأعظم ؟ فقال : "تلك التي تصيرُ في الخفاء" فسالوه أيضاً : ما هي الفضيلة العظمى ؟ أجاب: أنْ تسمع آراء ونصائح الآخرين بتواضع وألا تتشبّث برأيك وإرادتك". تلّقبه الكنيسة ب الكبير لأنه اقتنى فضائل كبيرة واكتسب مواهب عظيمة.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع