Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


القديس فانتينوس العجائبيوُلد الأب فانتينوس حوالي عام 927م. في كنف عائلة تقيّة ومعروفة في منطقة كالابرا جنوبي إيطاليا. انعكف منذ الطّفوليّة على المطالعة والتّعمّق في الكتب المقدّسة. كان يزدري بكلّ أنواع التّسليات والملّذات التي كان يتعاطاها الأولاد الذين كانوا في سنّه، إذ وجّه كلّ اهتمامه نحو التّأمّل بالخيرات الأبديّة.

لاحظ ذووه ميل الطّفل نحو الأمور الإلهيّة، فكرّسوه لله وهو في الثامنة من عمره، وعهدوا به إلى القدّيس إيليّا الكهفي (وهو أحد الوجوه البارزة في الرّهبنة البيزنطيّة في جنوبي إيطاليا). أبصر القدّيس ما كان عليه فانتينوس من دعوة مميّزة ففوّض أمر تدريبه في الطّريق الرّوحي إلى أفضل رهبانه، فاقتنى فانتينوس حكمة الشّيوخ وهو بعد طفل، لهذا ألبسه القدّيس إيليّا الثّوب الرّهباني بعد 5 سنوات من دخوله الدّير، وجعله طبّاخاً.

كان العمل صعباً وشاقّاً بالنّسبة إليه، ولكنّه كان مطهِّراً أيضاً للنّفس، لأنّه كلّما اتّفق أن ألِفَ نفسه أمام النّار التي كان يضطّرم لهيبها داخل الفرن، كان ينتقل للحال بفكره إلى تلك النّار الأبديّة التي سوف يُلقى الخطأة فيها، وهكذا اكتسب بهذا الفكر نعمة النّدامة وروح التّوبة.

منذ دخوله الدّير لم يكن يتناول الطّعام إلاّ كلّ يومين أو ثلاثة. وبدأ في التّقشف الزائد في السّنة الثّانية لتوشّحه بالنّذر الرّهباني، إذ لم يكن يأكل إلاّ الخضار ومرّة واحدة في الأسبوع، ونادراً ما كان يتزوّد بالقليل من الخبز.

كان فانتينوس يتقدّم في كلّ الفضائل طارداً عنه كلّ لذّة جسديّة، وقد أصبح قلبه النّقي أرضاً خصبة تحمل وبوفرة ثمار الرّوح القدس.

عندما أسلم القدّيس إيليّا روحه لله سنة 960م. قرّر فانتينوس اعتناق حياة الوحدة الكاملة، وكان ذلك بعد أن مضى عليه 20 عاماً في الدّير اكتسب خلالها خبرة كافية تؤهّله لاقتبال نظام نسكي صارم. انعزل في موضع صحراوي في منطقة جبل ميركوريون Mercurion في شمال الكالابرا في وادي لاو Lao حيث عاش عدة سنوات في تقشّف شديد، شبه عريان، يقتات فقط من الأعشاب البريّة. جُرّب بقساوة من الشّياطين التي كانت تظهر له بشكل أهله وهم يتوجّعون في حزن وأسى على فقده محاولين إعادته إلى العالم. وأحياناً أخرى كانت تظهر له الشّياطين بشكل حيوانات مفترسة. إلاّ أنّه كان ينتصر على كلّ هذه التّجارب برسم إشارة الصّليب المحيية وبالصّلوات الليليّة الطّويلة.

بعد 18 سنة من الجهادات والأتعاب الجزيلة، عثر عليه أهله، الذين كانوا يفتّشون عنه، في عزلته. وبعد عدّة لقاءات مؤثّرة معهم تهتزّ لها العواطف استطاع، وبنعمة المسيح، أن يقنعهم لكي يبتعدوا هم أيضاً عن حياة العالم وأباطيله. وهكذا أودع والدته وأخته في دير للرّاهبات، وأجرى بنفسه سيامة والده واثنين من إخوته لوقا وكوزما فأصبحت العائلة كلّها رهباناً، فقادهم هو كلّهم في الطّريق الضيّقة التي تؤدّي إلى الملكوت.

أصبحت تلك الجبال الصّحراويّة فيما بعد مساكن يقطنها الرّجال والنّساء الذين اختاروا أن يعيشوا وهم على الأرض حياة ملائكيّة تحت إرشاد المغبوط فانتينوس الذي كان أباً للكلّ ومعلّماً للشّريعة الإلهيّة ومثالاً حيّاً للفضائل الإنجيليّة.

وبما أنّ تحمّل مسؤوليّة خلاص العديد من النّفوس لم تدعه يتفرّغ لله وحده دونما تشتّت، وبما أنّه كان متعطّشاً للتّعمّق أكثر في التّأمّل بالإلهيّات، عهد إدارة شؤون الدّير إلى أخيه لوقا، كما وضع مدبّرين يديرون الأمور في الشّركات الرّهبانيّة الأخرى، وانصرف بعدها سرّاً ليعتزل في موضع آخر حيث اعتبره سكّانه جاسوساً فأوثقوه ورموا به في مكان مظلم تحت الأرض وتركوه دون عناية عرضة للسع الحشرات وكلّ حثالة. وجد القدّيس نفسه في المكان الذي وضعوه فيه مغموراً بالنّعمة الإلهيّة، فبقي غريباً عن كلّ توجّع وألم من جرّاء وضعه الصّعب لا بل أحسّ بحلاوة الحياة مع الله وهو على هذه الحالة.

عندما أدرك الذين سبّبوا له هذه الآلام ما كان عليه من الفضيلة والإيمان، فكّوا أسره منطرحين عند قدميه طالبين منه الصّفح والغفران. عاد فانتينوس فانتقل ليقيم في موضع آخر ملائم للحياة الهدوئيّة، وحيث تتوفّر فيه المياه والخضرة، إلاّ أنّه تعرّض من جديد للاضطّرابات التي كان يسبّبها له الزوّار. للحين قرّر العودة إلى ديره.

عاد إلى حياة الشّركة دون أن يتخلّى عن نظامه النّسكي الشّاق الذي كان يتّبعه من قبل. كان يقتات من الخضار النيّئة ويفترش الحضيض ويتنقّل شبه عريان. كان فنّ الخطّ عمله اليدوي، وكان يمضي نهاريه ولياليه في الصّلاة المتواصلة وإنشاد التّراتيل. كان شوقه إلى الله يزداد يوماً فيوماً حتّى اكتسب نعمة اللاهوى، ولم يعد يشبع من الرّحيق الإلهي الذي كان يستقيه من فيض قلبه. اقتنى موهبة طرد الشّياطين وشفاء الأمراض النّفسيّة منها والجسديّة. كانت له السّلطة على الحيوانات المفترسة والزحّافات ويأمرها كآدم جديد فتخضع له. كان، بعجائبه، يزوّد الدّير بكلّ احتياجاته.

عند فجر أحد الأيّام وأثناء خدمة الصلاة السّحريّة، أُخذ القدّيس في انخطاف وبقي رافعاً يديه وعينيه نحو السّماء حتّى صلاة الغروب. وعندما سأله تلاميذه ما الذي عاينه أجابهم بدموع حارّة: " إنّ الذي تريدون معرفته أمر يفوق الوصف ولا يعبَّر عنه ". وعلى أثر هذا الكلام ألقى جبّته على الأرض تاركاً كلّ شيء، وخرج من الدّير عارياً متوغّلاً في الجبل حيث مكث هناك مدّة 20 يوماً صائماً دون طعام أو شراب.

عاش هكذا ولمدّة 4 سنوات محلوق الرأس واللحية، يقتات فقط من الأعشاب البريّة. بدا وكأنّه مسّه الجنون بالنّسبة للذين يجهلونه وأيضاً بالنّسبة لرهبان ديره. راح يتنبّأ عن حدوث قريب لاجتياحات تطال البلاد من قبائل العرب المغاربة، كما تنبّأ النّبي إرميا قديماً في أورشليم وذلك بسبب تقهقر وانحلال التّقاليد المسيحيّة.

عاد في أحد الأيّام وقابل الإخوة من جديد وأعلن لهم عن مجيء القدّيس نيلس الذي نسك في جبل ميركوريون كالابرا Mercurion Calabra (عيده في 26 أيلول) ، الذي سبق ودرّبه على الحياة النّسكيّة و كان يكنّ له في قلبه تقديراً كبيراً. عندما أخبر القدّيس فانتينوس القدّيس نيل عن رؤيا كان قد حُمل خلالها من قِبَل ملاكين ليتأمّل في مكان العذاب الأبدي ومكان الرّاحة والغبطة الأبديّة، راح القدّيس نيل يوبّخ الرّهبان على اتهامهم القدّيس فانتينوس بأنّه قد خرج عن طوره، بينما هو قد ارتفع إلى السّماء الثّالثة مماثلاً القدّيس بولس الرّسول.

بعد وقت طويل من الجهاد والأتعاب النّسكيّة، ظهر ملاك الرّب للقدّيس فانتينوس خلال صلاته الليليّة وأمره بأن يحضر إلى تسالونيكي بغية جذب العديد من النّفوس هناك إلى عمل الفضيلة.

جمع القدّيس الرّهبان في الكنيسة، وأوصاهم بأن لا يهدروا الوقت الذي أعطاه الله لنا من أجل التّوبة في التّعلّق بالأمور الأرضيّة أو في الاهتمامات الباطلة، بل أن يحثّوا بعضهم البعض ويجتهدوا لكي يكونوا مستحقّين لملاقاة السّيّد عندما سوف يعود ليدين العالم. بعد أن ودّعهم، أبحر إلى اليونان يرافقه تلميذاه فيتاليوس ونيكيفوروس.

وصلوا إلى جزر البيلوبونيز بعد رحلة بحريّة جميلة وأقاموا فترة في كورنثوس وأثينا. كثيرة هي النّفوس التي كانت تلتمس الخلاص لأنّها، لمجرّد رؤية هؤلاء الرّجال الإلهيّين الذين كانت تفوح منهم رائحة طيب الرّوح القدس، كانت تتسارع إليهم لنيل البركة. إلاّ أن فانتينوس وقع في مرض شديد وانتظر الجميع موته، لكنّه أنبأهم بأنّه سوف يقضي أجله في تسالونيكي.

عندما استعاد عافيته، انتقل إلى لاريسا وعاش لبعض الوقت بالقرب من كنيسة القدّيس أخيلّوس ناشراً بفيض تعاليمة الرّوحيّة. من هناك أبحر الثّلاثة إلى تسالونيكي، حيث أقاموا في كنيسة القدّيس ميناس. جذبت شهرة فانتينوس الواسعة العديد من شخصيّات المدينة المعروفين، حتّى أتاه المطران نفسه لزيارته ونيل بركة صلاته والاستماع إلى عذب كلامه.

أصبح القدّيس طبيباً لكلّ المجرَّبين وملجأ للمحزونين، ومعلِّماً للذين يريدون السّير في طريق الله. بدّل مسكنه بعد ثلاثة أشهر ومع هذا لم يتوقّف تدفّق الزوّار عليه، بل كان يزداد بالأكثر.

بينما كان ذات يوم موجوداً بالقرب من باب كاساندرا Porte de Casandra نزل فانتينوس فجأة وتوجّه نحو كنيسة القدّيسة أنيسيّة، فالتقى هناك براهبين آتيين من الجبل المقدّس ومتوجّهين نحو أثينا. أحدهما كان شيخاً وقوراً والآخر شاباً دون لحية (خصيّاً)، انحنى أمامهما ساجداً عند قدميهما وطالباً بركتهما. بعد اجتيازهما، أوحى القدّيس فانتينوس إلى تلميذه، المنذهل من هذا التّصرّف، بأنّ أحد الاثنين كان القدّيس أثناسيوس مؤسّس دير اللافرا الكبير، والآخر القدّيس بولس الذي من دير كسيروبوتامو، اللذين سوف يتألّقان كنجمين لامعين في الجبل المقدّس.

ولدى عودة الرّاهبين الآثوسيّين من تسالونيكي، تقدّما بدورهما إلى فانتينوس لينل بركته، بعدما سمعا بعجائبه وأدركا بأنّه إيّاه الرّاهب الذي التقياه أثناء مرورهما إلى أثينا في كنيسة القدّيسة أنيسيّة.

استمر القدّيس فانتينوس ينشر رحمة الله بعجائبه، وبفضل تبصّره أُنقذت المدينة من هجوم البلغار. بعد حوالي 8 سنوات من إقامته في مدينة القدّيس ديمتريوس، رقد بسلام في الرّب سنة 1000م. عن عمر يناهز 73 عاماً.

فبشفاعاته اللهم ارحمنا وخلّصنا آمين.

تُعيد له الكنيسة في 30 آب.

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع