Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


تحيي الكنيسة في الحادي عشر من شهر تشرين الثاني تذكار القدّيس مَرتينُس "الرحيم" أسقف مدينة تور (Tours) القديس مرتينوس الرحيم أسقف تورفي فرنسا. وُلد  مَرتينُس، وهو ابن جنديّ، حوالى العام 315 في إحدى مدن المجر، وترعرع في شمال إيطاليا.  رُقّي والده إلى رتبة حاكم عسكريّ، فأدخله، كما درجت العادة، في سلك الجنديّة. وقد ظلّ مَرتينُس فيها، طوعًا أو كرهًا، حتّى أكمل الأربعين عامًا.

لكنّ ذلك الجنديّ الذي اهتدى منذ حداثته إلى الإيمان المسيحيّ، ونال نعمة المعموديّة في سنّ الثامنة عشرة، كان يطمح إلى ما يفوق بكثير خدمة الإمبراطور والذود عن سلطانه. فسعى إلى تسريحه من الخدمة العسكريّة، وحين نال الترخيص بترك الجيش لجأ إلى القدّيس   هيلاريون أسقف پواتييه (+367).

لم يمكث مَرتينُس طويلاً لدى هيلاريون، لأنّ هذا الأخير أُرسل إلى المنفى بداعي مقاومته الهرطقة الآريوسيّة التي كانت معتمدة رسميًّا آنذاك في غاليا (الاسم القديم لفرنسا). فغادر مَرتينُس غاليا، واجتاز جبال الألب قاصدًا إلّيرية على ساحل البحر الأدرياتيكيّ، وفيها هدى أمّه. ثمّ عاد إلى إيطاليا، وتدرّب على الحياة التوحّديّة. وحين عاد هيلاريون من منفاه في حوالى العام 306، انضمّ مَرتينُس إليه. لكنّه عاش متوحّدًا في صومعة صغيرة، على بُعد بضعة كيلومترات من پواتييه في ليغوجه (Ligugé) التي يعتبرها العلماء أوّل مركز توحّديّ غاليّ رومانيّ معروف. وسرعان ما التحق به بعض الإخوة الذين اختاروا طريق التوحّد.

اختير مَرتينُس أسقفًا على مدينة تُور بإرادة الشعب، إلاّ أنّه لم يقبل بالتخلّي عن الحياة التوحّديّة. وقد وصفه بعض معاصريه بأنّه "رجل ذو منظر يثير الشفقة، وثياب رثّة متّسخة، وشعر أشعث". وكان أوّل ما قام به الأسقف مَرتينُس أنّه أسّس دير مَرموتييه الذي سرعان ما بات ذائع الصيت. ويروي سُلپيقيوس (Sulpicius) ساويرس، كاتب سيرة مَرتينُس، بعض معالم الحياة في الدير. فيقول إنّ معظم الرهبان كانوا يحفرون الملاجئ في صخور الجبل، وهناك كان يعيش نحو ثمانين تلميذًا يتدرّبون على مثال معلّمهم الطوباويّ. ولم يكن أحدٌ يملك شيئًا خاصًّا، بل كان كلّ شيء مشتركًا بينهم. وكان ممنوعًا عليهم أن يشتروا أو أن يبيعوا أيّ شيء كان. ولم يكونوا يمارسون أيّ فنّ، ما عدا عمل النسّاخ، مع أنّه لم يكن يعيَّن فيه إلاّ مَن هم أصغر سنًّا. أمّا الكبار فكانوا يتفرّغون للصلاة، ونادرًا ما كانوا يخرجون من صوامعهم إلاّ للاجتماع في مكان الصلاة. وكان عدد كبير منهم يلبس وبر الجِمال، فيما كان يُعدّ ارتداء الألبسة الفاخرة خطيئة جسيمة.

اشتهر مَرتينُس أيضًا بكونه أسقفًا جوّالاً لا يبالي بالتعب ولا بمشاقّ السفر في سبيل نشر كلمة الإنجيل والخلاص لشعب غاليا. فعلماء الآثار أثبتوا أنّ معظم المعابد الريفيّة الوثنيّة قد دُمّرت أو أخليت بين عامَي 375 و390. وذلك على عهد الإمبراطور غراطيانُس المعادي جدًّا للوثنيّة، والذي خلف، بعد مرحلة انتقاليّة، الإمبراطور يوليانُس الجاحد ذا الميول الوثنيّة، والذي عانى المسيحيّون خلال حكمه من الاضطهادات. إذًا، في هذه الفترة كانت عمليّات التبشير المسيحيّ مدعومة بشكل كبير من السلطة الإمبراطوريّة، فطالت غاليا بكاملها. وقاد تلك العمليّات أساقفة مرسلون، كانوا يحتاجون إلى الشجاعة في كلّ مكان، لأنّ الفلاّحين "المتورّطين في ضلال الوثنيّة" كانوا يواجهونهم بمقاومة شديدة. غير أنّ هؤلاء المبشّرين لم ييأسوا، فأسّسوا الرعايا الريفيّة، واحدة تلو الأخرى. وهكذا تأصّلت المسيحيّة في غاليا.

من بين الأساقفة رواد الإيمان في غاليا يمكننا أن نذكر إِكتْريس أسقف روان (Rouen) الذي بشّر شمال غاليا، وسمپليقيوس أسقف أوتون (Autum)، ودلفينُس أسقف بوردو. لكنّ مَرتينُس أسقف تُور كان الأكثر شهرة منهم جميعًا. ففي أثناء رحلاته، لم يكفّ مَرتينُس عن هدم الأصنام، وحرق الهياكل الوثنيّة... وكثيرًا ما كانت المقاومة عنيفة. ويقول في هذا السياق سُلپيقيوس ساويرس: "ولكن بوجه عامّ، حين كان الفلاّحون يسعون بعداوة لإقناعه بعدم تهديم معابدهم، كان وعظه المقدّس يليّن عددًا كبيرًا من نفوس الوثنيّين، حتّى إنّهم كانوا يستنيرون بالحقّ، فيُقدمون هم أنفسهم على تدمير هياكلهم". وكانت تبنى الكنائس على أنقاض تلك المعابد الوثنيّة.

يروي سُلپيقيوس ساويرس العديد من الظواهر الفائقة الطبيعة التي أيّدت مَرتينُس في رسالته. فإنّ المعجزات ملأت حياته، إذ شفى المرضى، وأقام الموتى، وطرد الشيطان، ذلك "الوحش الدمويّ"، على حدّ قوله، والذي عرفه دائمًا في مظاهره المتعدّدة والوثنيّة. وقد ساعدت قدراته العجائبيّة، بالإضافة إلى رأفته وتواضعه الكبيرين، على إثارة الحماسة الشعبيّة. رقد القدّيس مَرتينُس حوالى العام 397 بعد أن كانت له المساهمة الكبرى في نشر الإيمان المستقيم في سائر أنحاء بلاد غاليا.

ولنا في شهادة كاتب سيرته أمثولة حيّة: "الصحيح أنّه، قبل مَرتينُس، لم يتّخذ اسمَ المسيح في تلك البلاد إلاّ عددٌ قليل من الناس، أو لا أحد تقريبًا". كم يحتاج عالمنا اليوم إلى أمثال مَرتينُس يجوبون الشرق والغرب على السواء، من أجل إعادة الروح إلى البشارة بيسوع المسيح، الإله الفادي. ولا سيّما أنّ الوثنيّة قد استعادت، بفعل نمط الحياة المعاصرة، هياكلها ومعابدها، واحتلت العقول والقلوب معًا.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع