Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


القديس يوحنا الكوكوزاليس ناظم التسابيح"إنّ هدف ترانيم الكنيسة جعل شرارة النّعمة المختبئة فينا تشتعل بصورة أسطع وأكثر دفء. فالتّراتيل والمزامّير والتّسابيح الرّوحية قد وُضعت كي تضرم الشّرارة وتحوّلها إلى لهيب" (ثيوفان الناسك)

تيتّم يوحنّا في سن مبكّرة من أبيه. وأمّا أمّه فكانت محبّة لله تقيّة. فراحت تغرس في نفس ابنها الفتيّة تعليم الكتب المقدّسة، وكان يوحنّا عاقلاً زكيّاً محباً للتّعليم حسن الأخلاق ذا صوت جميل حتى أن سامعيه كانوا يسمّونه (أنجيلو فونوس) أي الملائكي النّعمة.

وكانت السّلاطين في ذلك العصر يفتّشون في المدن التي تحت إمرتهم على الصبيان الأذكياء الحاذقين وأصحاب النّعمة الحسنة، حتى إذا وجدوهم جعلوهم في مكاتب السّلطنة. فصادوا إذ ذاك هذا السّعيد يوحنّا فأتوا به إلى مكتب التّعليم المختص بالملك ليتقن صناعة الموسيقى. وبعد مدّة يسيرة، ونظراً لعقله الثاقب ولبّه الصائب، فاق جميع أقرانه وتجاوزهم. فأحبّه الملك حباً شديداً وأراد أن يزوجه بامرأة من ذوي الثّروة والغنى.

وبعد فترة لاحظ المغبوط يوحنّا أنّ كافة العظماء والرؤساء يسدون اليه إكراماً فائقاً لمحبّة الملك له و بسبب ألحانه الشجيّة النّعمة. فكان حزيناً لذلك، و مغتماً وجلاً لئلا يُعدم المجد السّماوي والابتهاج الأبدي لأجل شرف زمني.

لهذا كان يلتمس فرصة ليتخلّص من مهامّه ويهجر العالم. فاتّفق في تلك الأيام أن جاء إلى الملك رئيس أديرة الجبل المقدّس لقضاء حاجة ما. فلمّا أبصر يوحنّا الرئيس وعرف جمال سيرته الملائكيّة، التهب شوقاً للذهاب إلى الجبل المقدّس نابذاً كلّ مجد وشرف ملوكي وخيال عالمي. فأخذ ينزع عنه تلك الثّياب والملابس الحريريّة و لبس ملابس رثّة دنيئة من الصّوف وتناول بيده عصا ملائمة وذهب منطلقاً إلى الجبل المقدّس.

فلما وصل إلى باب أحد الأديار سأله البوّاب: "من أين أنت وماذا تبغي وما هي صنعتك؟ ". فأجابه: "أودّ أن أصير راهباً وقد كنت قبلاً راعياً ".فأعلم البوّاب الرّئيس بذلك ففرح فرحاً عظيماً لأنّهم كانوا بحاجة لرجل نظيره. فجرّبوه مدّة من الزّمان ثم ألبسوه ملابس الرّهبان وأرسلوه إلى البريّة ليرعى أغنلم الدّير. فأطاع بفرح عظيم لإيثاره الهدوء والسّكوت. وكان يقوم بمهمّته هذه بغير كسل ولا توانٍ، مصلّياً للرّبّ بحرارة وبلا انقطاع.

وأمّا الملك فقد اعتراه لفقده حزن شديد وغمّ ليس بيسير. فأرسل إلى كلّ بلدة ومدينة في طلبه، وإلى الأديرة والبراري والقفار في التماسه. فوصل المرسلون إلى جبل آثوس وفتّشوا كلّ مكان باستقصاء بليغ فلم يعرفه أحد لأنه كان لابساً أثواباً رثّة.

وذات يوم كان يرعى الأغنام في موضع شاسع منفرد، فتطلّع هنا وهناك فلم يجد أحداً، فأخذ يرتّل ترتيلاً متقناً بخشوع جزيل. وكان بالقرب من ذلك المكان مغارة يسكنها واحد من النّساك. فلمّا سمع تلك النّغمة اللذيذة الحلوة جدّاً تعجّب منذهلاً وخرج خارج المغارة فأبصر منظراً بديعاً معجزاً. إذ عاين الرّاعي مرتلاً والحيوانات واقفة منتصبة بدون أن ترعى وكأنها مشغوفة بنعمته الملائكيّة. فلمّا عاين هذا انطلق مسرعاً إلى الدّير وأخبر الرّئيس بما كان، فأرسل لوقته وأحضر إليه يوحنّا وقال له:

- أقسم عليك بالله أن تقول لي الحقّ، أما أنت يوحنّا الكوكوزاليس المطلوب من قِبَلِ الملك؟.

- فخرّ يوحنّا على الأرض ساجداً أمام الرّئيس ملتمساً منه المسامحة والغفران بدموع غزيرة قائلاً: "أنا هو الخاطئ عبد قدسك. أنا هو الحقير الغير المستحق. فأتضرّع إليك وأسألك أن تدعني في هذه الخدمة الحقيرة التي كلّفتني بها منذ الابتداء كي لا يعلم الملك أنّي هنا فيأخذني قسراً من هذا الميناء الخلاصي.

- لا يهمّك الأمر يا ولدي بل تمّم عمل الطّاعة، وامكث عندنا ههنا في قلاية أعطيك إيّاها في الدير. وأنا أنطلق إلى الملك وأسأله أن يعفو ويصفح عنك وعنّا.

وبعد أيّام قلائل قصد الرّئيس الملك وخرّ جاثياً عند أقدامه قائلاً له: "أتضرّع إليك وأسأل عزّ سلطانك يا سيّدي أن تهبني واحداً من النّاس لخلاص نفسه وتعفو عنه." فسأله الملك عن اسم المطلوب. فقال له الرئيس: " إذ لم تهبني من لدنك حلماً وإشفاقاً واعداً إياي بصكّ مكتوب لا أجسر أن أبوح بإسمه ". حينئذ أمر الملك الكاتب فكتب له ما أراد وختم الملك وعده بيده. فقص له الرئيس عندئذ قضيّة الرّاهب يوحنّا الكوكوزاليس بالتّفصيل. فلمّا سمع منه الملك بكى بكاء شديداً واشتمله الفرح والحزن معاً. أمّا الفرح فلأنّ يوحنّا توشّح بالزي الملائكي بورع ونبذ كلّ لذّة ألميّة جسديّة. وأمّا الحزن فلإعطائه الرّئيس ذلك الصّك المدوّن بخط يده بحيث لم يعد بإمكانه استرجاع يوحنّا. فسكّن الرّئيس غيظ الملك وباركه ودعا له بطول العمر ثم رجع عائداً إلى ديره وأخبر الإخوة بما كان.

وهكذا لبث يوحنّا بدون خوف من قبل الملك الأراضي خادماً متعبداً للملك السّماوي. وكان يرتل في الكنيسة وينظم ترنيمات وتسابيح روحانيّة. وبداعي ورعه الشّديد ابتنى كنيسة خارج الدّير، وقلاية كان يلازم الصمت فيها مدى الأسبوع ألا يوم الأحد إذ كان يحضر ألى كنيسة الدّير الرئيسيّة للترتيل. وقد ظهرت له السّيّدة مرّتين: في الأولى حرّضته على النّشاط في التّرتيل، وفي الأخرى أنبأته بالشفاء من مرض اعتراه في رجله.

كان يوحنّا متواضع القلب وديعاً حليماً. وقبيل وفاته استدعى إخوة ديره وصلّى لهم وطلب منهم أن يصلّوا هم بدورهم من أجله وأن يدفنوه بعد مماته في كنيسة رئيس الملائكة التي ابتناها هو بنفسه.

"كلّ راهب يقوم بعمله بتواضع ونكران ذات يؤهله الرب لتكون أواخره مقدّسة وسلاميّة"
(الأب إيوسيف الذي من أوبتينو)

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع