Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


أصل السجود للإنسان وجود صورة الله فيه: - لمّا كان البعض يلومنا لسجودنا لصورتَي المخلص وسيدتنا مريم العذراء وتكريمنا إياهما، وكذلك صوَر سائر القديسين وخدّام المسيح، ولكن فليفطن هؤلاء أن الله قد صنع الإنسان منذ البدء على صورته الخاصة، وإلاّ ما هو السبب في سجود بعضنا لبعضٍ سوى أننا مصنوعون على صورة الله؟ وعلى ما يقوله باسيليوس المتعمق كثيراً في الإلهيّات: "إن إكرام الإيقونة يعود إلى تمثّله في الأصل"، والمثال هو ما ترسمه الصورة، وهي مشتقّة عنه. فلمن يا ترى كان يسجد الشعب الموسوي حول الخباء الحاوي صورة السماء ورمزها، و بالأحرى صورة الخليقة كلها؟ وهذا هو قول الله لموسى : "انظر واصنع على المثال الذي أنت مراه في الجبل" (خر25: 4، عبرا 8: 5). والكاروبان المظلّلان المغتفر، ألم يكونا صنع أيدي الناس؟ وماذا كان هيكل أورشليم الشهير؟ ألم يكن من صنع الأيدي وقد أتقن الناس زخرفته؟

الممنوع إنما هو عبادة الأصنام والذبائح المقدّمة للشياطين: - والكتاب المقدّس قد تكلّم بتشهير عن الساجدين للمنحوتات والذابحين للشياطين. وكان اليونانيون يذبحون واليهود أيضاً يذبحون. لكنّ ذبائح اليونانيين كانت للشياطين وذبائح اليهود، لله. وكانت ذبيحة اليونانيين مرذولةً ومحكوماً عليها، وذبيحة الصدّيقين مقبولةً لدى الله. فإنّ نوحاً قد أصعد محرقاتٍ لله، "فتنسّم الرب رائحة الرضى" (تك 8: 21) وتقبّل استعداده الطيّب الواصل إليه تعالى. فعلى هذا النحو كانت إذاً أصنام اليونانيين أي تماثيل الشياطين مرذولة وممنوعة.

لم يكن استعمال الإيقونات دارجاً في العهد القديم لأن الله لا يُرى. ـ السبب في دخول هذه العادة في العهد الجديد. ـ السجود للإيقونات من التقليد الكنسيّ: - ما عدا ذلك، من يستطيع أن يصنع شبهاً لله الذي لا يُرى والذي لا حسد له ولا حدّ ولا شكل؟... فإن المحاولة لوضع شكل الإله قمّةٌ في الغباوة والكفر! لذلك لم يكن دارجاً في العهد القديم استعمال الإيقونات. غير أنه لما صار الله، بحشا رحمته، إنساناً بالحقيقة لأجل خلاصنا، ليس كما تراءَى لإبراهيم بهيئة إنسان، ولا كما للأنبياء، بل ذلك أنه بالحقيقة صار إنساناً في الجوهر وعاش على الأرض وتردّد بين الناس واجتراح المعجزات وتألّم وصُلب وقام وصعد وحدث كل هذا بالحقيقة ورآه الناس ودوّنوه لتذكيرنا به وتعليمنا نحن الذين لم نكن حاضرين آنذاك، حتى إذا آمنّا بما لم نره ولم نسمعه، نحظى بتطويب الرب. ولكن لمّا كان لا يعرف الجميع الكتابة وليسوا بمتمرّنين على القراءة، فقد رأى الآباء أن يرسموا هذه التذكارات في ايقونات تمثِّل بعض المآني الشريفة في موجز تذكاريّ. وإننا كثيراً ما لا نكون في حالة التفكير في آلام المسيح نرى ايقونة صلب المسيح فننتقل بالذاكرة إلى الآلام الخلاصية ونرتمي ساجدين، ليس للمادّة، بل للمرسوم فيها، كما نحن لا نسجد لمادة الإنجيل ولا لمادة الصليب، بل لما يوحيان به إلينا. فما الفرق بين صليب لا يحمل مثال الرب وآخر يحمله؟ كذلك قل عن مثال أُمّ الله. فإن الإكرام المقدّم لها يرتفع إلى المتجسّد منها. كذلك أيضاً إنّ مآتي الرجال القديسين يرفعنا إلى الشجاعة والغيرة والتشبّه بفضائلهم وتمجيد الله. وكما قلنا، إن الإكرام الموجّه إلى العبيد المخلصين للسيّد لبرهانٌ على حسن النية نحو السيد العام. وإكرام الايقونة يعود إلى ما تمثّل.

وقد ترك لنا الرسل الكثير مما لم يُكتب فكتب رسول الأمم يقول: "اثبتوا إذاً أيها الإخوة وتمسّكوا بالتقاليد التي تعلّمتموها إما بكلمنا وإمّا برسائلنا"(2تسا 2: 14)، وكتب إلى أهل كورنتوس: "إني أمدحُكم أيها الإخوة لأنّكم تذكرونني في كل شيء وتحافظون على التقاليد كما سلّمتها إليكم"(1 كور 11: 2).

عن كتاب: المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي
القديس يوحنا الدمشقي

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع