Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


كثيراً ما يجد الناس بطاقات ملصقة على سيّاراتهم، تدعوهم الى لقاء يقام في مسرح أو قاعة اجتماعات، لقاء يتضمّن برنامجه صلوات او محاضرات يقوم بها فلان أو فلان. بعض هذه الدعوات "مثير"؟!، ففيها، كما هو منصوص في واحدة بين يديّ، مقابلة "مع يسوع الشافي"، يتخلّلها "صلاة لأجل شفاء المرضى". وكلّها، كما تؤكد البطاقات عينها، دعوات مجانية.

هذه طريقة من الطرائق (ومنها توزيع نشرات على المارة، او زيارة في وقت مقبول او غير مقبول) تعتمدها بعض الجماعات المتشيّعة لتقتنص، على العموم من أهمل كنيسته ويحيا بعيداً عنها.

طبعاً، معظم هذه الجماعات تعمل بترخيص قانوني، ولها ممتلكاتها. ولكنّها أحياناً تستأجر بعض المسارح التي يرتادها الناس، لتقيم لقاءات عامة تقصد من خلالها جمع أكبر عدد ممكن ممّن وقعت الدعوة بين أيديهم وأغراهم موضوعها. والمسارح، في بلادنا، مبنية في عمارات لها استعمالات عدّة. ففي إحدى المناطق، مثلا، يقع المسرح الذي يُستعمل، في بعض الأحيان، لمثل هذا النوع من اللقاءات، في بناء كبير يضم مكاتب خاصة عديدة ومدرسة مهنيّة، وهكذا يمكن لقاصد البناء لغير سبب أن يقرأ إعلاناً كبيراً على حائط البناء يحمل الدعوة عينها، وأن يجرّب الدخول الذي هو دائماً مجّانيّ.

نحن، بدءاً، لا يمكننا أن نطلب من أحد أن لا يؤجّر مسرحه مثلا، فالعمل، في هذه الأزمنة الرديئة، صعب، وهذه الجماعات المغرضة غنيّة جدّاً ولها مصادرها الخارجيّة، ويمكنها أن تدفع مالا كثيراً لقاء ليلة أو أكثر. أصحاب المسارح أو مديروها يمكنهم، أحراراً، أن يقدّروا ما تخلّفه هذه اللقاءات من سوء وتشويه، وأن يميّزوا، مؤمنين، بين ربح ماديّ يحوزونه أجراً عن ليلة وبين خسارة كبيرة قد تلحق بالمؤمنين الضعفاء، وأن يذكروا، تالياً، أنّ يهوذا الإسخريوطي سلّم ربّ المجد ليقتله اليهود لقاء "ثلاثين من الفضّة".

مَن درس نشوء هذه الهرطقات يعرف أنّها انتشرت عموماً على أرض غيرها. كانت تتسرّب الى الجماعات الكنسية، تارةً من الداخل وطوراً من الخارج، لتشوّه الإيمان وتسرق من كان ضعيفاً أو مهملاً. كتابات العهد الجديد تزخر بالتنبيهات التي تدعو المؤمنين إلى الحذر من مثل هؤلاء، وعن أمثالهم قال الرسول: "وقد حاد بعضهم عن هذه الخصال فضلّوا في الكلام الباطل وادّعوا أنّهم معلمّو الشريعة، مع أنّهم لا يدركون ما يقولون ولا ما يثبّتون" (1 تيموثاوس 1: 6).

ما من شكّ في أنّ كلّ من يعمل على تشويه الإيمان وإبعاد الناس عن الحقّ هو أداة في يدي إبليس الذي يريد تقويض الكنيسة. السؤال الذي يطرح ذاته، في هذا السياق، هو هل من يعلّق بطاقات على سيّارات الناس ويستأجر المسارح ليدعوهم إلى لقاء "مع يسوع الشافي" يعرف أنّ معظمهم مسيحيون، ولهم كنائسهم ومعتقداتهم وتراثهم وتاريخهم مليء بالمحبّة والصدق والأمانة. بالتأكيد هو يعرف. إذاً، ماذا تعني هذه الدعوة؟ تعني أنّ هؤلاء لا يعترفون بأحد غيرهم ويريدون تشويه المسيحيّة، ولو عملوا تحت ستارها؟! طبعاً نحن لا يخفى علينا أنّ ثمّة جماعات منحرفة تتستّر بزعمها أنّ جميع المسيحيين واحد، وهي، بالعمق لها مشروعها المفضوح، ولا ترغب في الوحدة الكنسيّة لأنّها لا تحترم الكنائس ولا معتقداتها. وتدعو الجميع من دون تمييز حتّى تنمو هي على حساب غيرها. وهذا، من دون ريب، سبب كافٍ لنرفض كلّ لقاء معها وكلّ دعوة تعتمدها وكلّ إغراء مغرض يصدر عنها.

والواقع أنّ هذه الجماعات ترتكز دعوتها، عموماً على تبيان أنّ جميع الناس خطأة وتنقصهم التوبة. هذه طريقة هؤلاء المبتدعين الذين يشوّهون الإيمان وقواعده. ويعتبرون أنّهم دعاة الحياة الأبدية! نقرأ في إحدى دعواتهم الجديدة: "هل تشعر أنّك خاطئ بعيداً عن الله؟ من غيره يقدر أن يطهرك من كلّ خطيئة ويشفي نفسك ...؟ قم وارجع الى بيت الآب فهناك الفرح والشبع، الحب والسلام، لا، لا، لن يقسو عليك، لن يقسو عليك، لن يعاتبك. سوف يقبلك يحبّك يحضنك يلبسك أغلى ما عنده، يغفر كل خطاياك ويعطيك حياة أبدية". أساس هذه الدعوة كما هو واضح، مثل "الابن الشاطر"، وهي مصاغة بطريقة إعلانيّة تظهر ان جميع متلقّي الدعوة ابتعدوا عن الله ويحتاجون الى التوبة. ولكنّها، في الوقت عينه، تهوّن الخطيئة، فيكفي الانسان أن يقوم ويرجع الى الآب (أي إليهم) حتّى يغفرله ويحوز "حياة أبدية". نحن، من دون شكّ، لا ننكر خلاص الله وأنّه هو وحده معطي الحياة الأبدية، ونعترف، بتواضع وانكسار حقيقيين، بأننا "خطأة"،لا لأننا نتعمّد ارتكاب الشرور، بل لأننا ما زلنا في هذه البشرة، ولأننا لا نستبق حكم الله الأخير علينا. ولكن، فلينتبه القارئ، هذه دعوة لا تميّز بين وجه ووجه، هي دعوة عامة. فبتقدير الداعي، الذي يجعل نفسه فوق دعوتِهِ والحاجةِ الدائمة الى التوبة، أنّ جميع البشر - وطبعاً ليس الذي انضمّوا الى هذه الجماعة - هم خطأة، وخلاصهم، أو شفاؤهم ممكن حصراً إذا قبلوا هذه الدعوة وتركوا كنيستهم وتراثهم وانضمّوا الى هذا اللقاء ومعدّيه؟! ماذا يقال عن هذه الدعوة؟ هي فخّ. وعن الداعين؟ إنّهم بشر مغرورون ومفسَدون يشكّكون بالله الفاعل في كنيسته التي بناها هو منذ الأزل، ويضربون بعرض الحائط كلّ عمله في التاريخ، ليوهموا الضعفاء أنّ هذا العمل يبتدئ من جديد معهم، وهم طارئون بلا قرار او تراث.

ليس كل دعوة هي دعوة إلهية. وعلينا ان ننتبه كثيراً من هؤلاء وأمثالهم ونتجنّبهم، لا خوفاً منهم، ولكن لأنّ قبول دعواتهم ولقاءهم تشكيكٌ بالله الذي قبلنا دعوته في معموديتنا ويريدنا أن نكون أمينين على مواهبه.

ومَن أهمل دعوة الله الحقيقية لغير سبب وأدرك خطيئته، ينتظره الله دائماً في اجتماع الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية، ليتوب عليه ويعيد له الحلّة الأولى. هذا - وحده - الطريق الذي يقود الى الحياة الأبدية.

عن نشرة رعيتي 2001

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع