Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


شهد تاريخ المسيحية العربية العديد من اللاهوتيين الذين كتبوا أعمالهم باللغة العربية. أغلب هذه الأعمال وُضعت في سياق البيئة العربية ووجود الإسلام، لذلك لم تغفل الوصول الى عقول غير المسيحيين بلغة يفهمونها، غير بعيدة عن تعابيرهم وثقافتهم. وقد لعب هؤلاء دورا لا يستهان به في مجال خلق لاهوت عربي ذي نكهة مميزة، يتمازج فيها الإنجيل والفلسفة اليونانية واللغة القرآنية. من هؤلاء الكتّاب كان بولس اسقف صيدا الارثوذكسي، المعروف ايضا ب"الأنطاكي".

قليلة هي المعلومات التي وصلتنا عن حياة بولس وتعاليمه، ولكن أغلب العلماء يتفقون على انه عاش في القرن الثاني عشر، ولد في انطاكية وصار راهبا ثم اسقفا على مدينة صيدا. من أهم كتاباته التي وصلت الينا نص يحتوي على خمس مقالات او رسائل في العقيدة المسيحية، يرد فيها الكاتب على أسئلة غير المسيحيين في مواضيع عديدة. وقد نشر هذا النص (مع دراسة وتعليق وترجمة له بالفرنسية) بولس الخوري عام 1964.

يتألف النص من رسالة عقلية، ورسالة الى الأمم واليهود، ورسالة الى المسلمين، ومقالة في الفِرَق المسيحية المختلفة، ويحوي اخيرا شرحا مختصرا في رأي النصارى في التوحيد والاتحاد. يبدأ كل من هذه المقالات بالبسملة التالية: "بسم الآب والابن والروح القدس، الإله الموحد جوهره، المثلثة أقانيمه"، وهذه الصيغة القديمة تُبرز الإيمان المسيحي بالإله الواحد، مبعدة كل تفسير يقول بأن المسيحيين مشركون، اذ يؤمنون بثلاثة أقانيم او بثلاثة آلهة. اما تأثر بولس باللغة القرآنية فواضح في أماكن عديدة من تآليفه، كما في مدخل مقاله الاول حيث يقول: "الحمد لله الحي الأزلي الحكيم، القادر المقتدر الحليم، الرحمن العالِم الرحيم، منشئ كل شيء ومبيده، ومميت كلّ حيّ ومعيده، مبدع المكان وموجده، ومحدث الزمان ومنفذه، الذي لا تحويه الأمكنة والأقطار، ولا تغيره الأزمنة والأدهار ولا يبليه الليل والنهار"، ويقول في مكان آخر إن الله هو "الناطق السميع البصير القادر الجوّاد الكريم".

في المقالة الأولى يبني بولس استدلالا عقليا على وجود الباري ووحدته، ويردّ على مقولات "المتفلسفين" الذين يجعلون العالم قديما بقدم الله. ثم يقدم عرضا إيمانيا في الآب والابن والروح القدس، موضحا أزلية الأقانيم الثلاثة ووحدتها. بعد ذلك يتناول تجسد الابن وصيرورته انسانا فيقول: "فهو إله من حيث هو قديم أزلي، وهو إنسان من حيث هو ابن السيدة مريم. ففَعَلَ المعجز بلاهوته، وأظهر العجز بناسوته، والفعلان فللسيد المسيح الواحد". في هذه الجملة الأخيرة يختصر بولس تعاليم المجامع المسكونية كلها، فالمسيح إله كامل وانسان كامل، شخص واحد لا شخصان، له طبيعتان إلهية وإنسانية. وبعد ذلك يتحدث الكاتب عن القيامة العامة والمجازاة والمكافأة.

في المقالة الثالثة يحاور بولس "أصدقاءه المسلمين" بكل محبة واحترام، رافضا في الآن ذاته الدخول في دين الإسلام، لأنه وجد أن القرآن يعظّم المسيح وأمه ويعتبرهما آية للعالمين ويعظّم الإنجيل، ويشهد للسيد المسيح بالمعجزات وبأن الله رفعه الى السماء وجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا الى يوم القيامة. كما يلاحظ بولس أن القرآن يفرّق بين المشركين -اي عابدي الآلهة الوثنية - وبين النصارى، ويذكر بأن القرآن يعتبر النصارى الأقرب مودة للمسلمين. هذا ما جعل الأسقف بولس يقول: "هذا وغيره أوجب لنا التمسك بديننا وأن لا نهمل مذهبنا ولا نرفض ما معنا، ولا نتبع غير السيد المسيح كلمة الله وحواريه -اي تلاميذه - الذين أرسلهم إلينا لينذرونا". لقد كان بولس سباقا في استعمال القرآن، كتاب المسلمين المقدس، ليرفض دعوة المسلمين اليه لإنكار المسيحية والدخول في الإسلام.

وفي نهاية مقالته الثالثة عينها يستعيد أسقف صيدا موضوعا تكلم فيه كثيرا الكتّاب العرب اللذين سبقوه، وهو موضوع "جود الله" (الجود هو الكرم). يعتبر بولس أن كلمة الله قد صار إنسانا بسبب جود الله الذي هو أجود الجوّادين، وقد جاد بأشرف ما عنده، اي كلمته الذي سكن في الإنسان أحسن مخلوقات الله كلها. يقول بولس: "ولأن الله جوّاد، وجب أن يجود بأجلّ الموجودات. وليس في الموجودات أجود من كلمته، يعني نطقه. ولذلك وجب أن يجود بكلمته... ولما لم يكن في المخلوقات منه أشرف من الإنسان، اتخذ الطبيعة البشرية من السيدة مريم المطهّرة، المصطفاة على نساء العالمين". عندما اراد الله أن يجود على العالم لم يجد أعظم من كلمته. المسيح هو الكلمة الذي تكرَّم الله وأعطاه للناس، والكلمة هو المسيح الذي جاد به الله من اجل خلاص العالم.

يطول الكلام اذا أردنا الإحاطة بكل ما قاله اسقف صيدا الارثوذكسي. لكن ما يلفت في ختام عرضنا هذا هو لغة الأسقف بولس المليئة بالتعابير اللاهوتية العربية التي يبدو انها كانت تعابير مشتركة بين المسيحيين والمسلمين. وقد توقف المسيحيون العرب عن استعمالها كـ"الرحمن" و"المصطفاة" وغيرها الكثير. ما نحتاج اليه بالفعل اليوم هو لغة لاهوتية مسيحية بلسان عربي تستطيع مخاطبة الإنسان المسيحي وغير المسيحي.

عن نشرة رعيتي 1997

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع