Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


موضوع الصليب وموت المسيح عليه هو أكثر المواضيع المثيرة للجدل بين المسلمين والمسيحيين. ذلك أن القرآن ينفي حادثة صلب المسيح: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبَّه لهم" (النساء، 157)، بينما يقوم الإيمان المسيحي على حقيقة موت المسيح على الصليب وقيامته لخلاص الإنسان. كيف قارب المسيحيون العرب هذا الموضوع لتأكيد

إيمانهم ودحض الاتهامات التي وُجِّهت إليهم؟

يردّ طيموثاوس الجاثُليق (+823) على سؤال الخليفة العبّاسي المهدي عن سبب سجود المسيحيين للصليب قائلا: "إننا نسجد للصليب لأنه علّة الحياة". فيتابع الخليفة التساؤل:" إن الصليب ليس علّة الحياة بل علّة الموت ". فيجيب الجاثليق: " إن الصليب هو علّة الموت, كما قلت. ولكن الموت هو علّة القيامة, وهي علّة الحياة وعدم الموت. فإذاً الصليب هو علّة الحياة وعدم الموت. فلذلك نقدّم بواسطته السجدة لله تعالى، الذي فتح لنا به ينبوع الحياة وعدم الموت ".

عمّار البصريّ (كاتب عربي مسيحي من القرن التاسع) يردّ على إنكار المسلمين حادثة صلب المسيح، إذ إن الله, بالنسبة إليهم، لا يرضى بأن يُهان الأنبياء بالقتل تشنيعا. فيتساءل: "كيف يتّهمون، والمسيح عندهم نبيّ, أناّ قصّرنا في ذكرنا أنه صُلِبَ ويقولون أنه كان أكرم على الله من أن يدعه يُصلب؟ فليت شعري ما يقولون في يحيى بن زكريا (أي القديس يوحنا المعمدان) وهم مقِرّون أنه ضُرب عنقه ووهب رأسه لجارية رقّاصة سألت أن يوهب لها؟ " من الواضح أن عمّار أكثر جدلا من طيموثاوس، وهو يقول في الموضوع عينه متّهما الإنسان الذي ينكر الصلب بالجحود:" فهذه أيها الإنسان نعمة الله ومنّته عليك بصلب المسيح الذي استشنعت وقلبت ما يجب عليك من شكرها إلى الكفر بها والطعن فيها ". إلا أن طيموثاوس يقول في السياق ذاته:" إن الأنبياء الذين احتملوا القتل من اليهود, لم يصيروا بذلك مرذولين لدى الله ومحقورين. فإذاً، ليس كلّ مقتول من اليهود مرذولا ومحقورا هذا ما يلاحظ الأنبياء ".

أما عن دور اليهود في الصلب ومحاولة تبرئتهم لأنهم بصلبهم المسيح قد أتموا مشيئة الله، ولولاهم لَما كان لهذه المشيئة أن تتمّ, وتاليا لا ذنب عليهم، فيقول طيموثاوس: " إن اليهود لم يصلبوا عيسى (المسيح) تبعا لإرادته, بل لأجل البغضة والحقد نحوه ونحو الذي أرسله فلهذا السبب صلبوه, أي لكي يموت ويهلك في الأرض. وأما المسيح فأراد أن يُصلب, حتى بموته يحيي الجميع". ويشير الكاتب نفسه إلى "أن اليهود قد صلبوه حقيقةً, لا من حيث كان ضعيفاً ولم يقدر عليهم, بل من حيث احتمل ذلك بإرادته". الغاية, إذاً, مختلفة. يذهب عمّار البصري المذهب ذاته حين يقول: "فاليهود لم يكن اعتقاد نيّاتهم في قتل المسيح تعمدا لصلاح الناس, بل حملهم على ذلك طغيانهم القديم وحسدهم العائلي وعادتهم الخبيثة لقتل أنبياء الله وأوليائه ورسله".

يؤكد طيموثاوس للخليفة أهميّة إكرام الصليب, كونه حَمَلَ لنا ثمر الحياة: "هو أخرج لنا من خشبة الصليب ثمار الحياة, وهو أيضا أشرق لنا بين أغصان الصليب أشعة الحياة وعدم الموت(....)نحن نكرّم الصليب ونوقّره, إجلالا لثمرة الحياة التي خرجت منه". ويدعو الجاثليق الخليفة إلى إكرام الصليب وذلك أن محبة الله اللامتناهية للبشر قد تجلّت بتنازل كلمته إلى العالم وقبول الصلب حتى الموت: " فبالصواب يُفترض على الكل أن يُظهروا محبتهم لله بواسطة الصليب الذي أظهر به تعالى محبته نحو الجميع ".

ولا بد من وقفة مع الشاعر العربي المسيحي الأسقف سليمان الغزّي. هذا الشاعر الشعبي الذي يعرف كيف يخاطب العقول والأفئدة يخبرنا إنه, عندما كان في القدس شابا راهبا, رأى أيقونة تمثّل آدم يشترك في صلب المسيح, فيقول:

فلاقيتُ في بعض الأماكن آدماً     يُصَوَّرُ في صلْبوت إيسوع في القتل

فقلتُ: تُرى هذا بذنبٍ مؤخَّرٍ        لنا, وهو في ما قد قدَّم بالفعلِ

إنما يريد سليمان أن يشير إلى أننا نشترك في قتل المسيح في كل مرة نرتكب فيها الخطيئة, إذ إن آدم يمثل في هذه القصيدة كل إنسان.

يعتبر المطران جورج, راعي الأبرشية, أن إنكار المسلمين لصلب المسيح هو إنكار لأسمى ما قام به المسيح, أي "إسلام" المسيح على الصليب, بمعنى استسلامه التام لمشيئة الله. لقد أتى الخلاص بواسطة هذا التسليم الذي قبله المسيح من حين تنازله ليتجسد إلى صلبه. يقول طيموثاوس: "إنّ المسيح قد ارتضى بأن يتألم على خشبة الصليب, حبّا بخلاص البشر". فلا نرفضنّ خلاصا وُهب إلينا مجانا بدم زكي على خشبة محيية.

عن نشرة رعيتي 1999

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع