Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


احتل موضوع التجسد، في القرون الأولى للإسلام، حيز ا كبيرا في كتابات المسيحيين العرب وبخاصة في جدالهم مع المسلمين. وما زال هذا الموضوع يحتل الى اليوم موقع الصدارة في لائحة المواضيع المثيرة للجدل بين المسلمين والمسيحيين. وقد ساهم هؤلاء المؤلفون المسيحيون القدامى في صوغ لاهوت عربي ذي نكهة مميزة وفي "لسان عربي مبين".

 أهم ما يلفت في كلام الكتّاب العرب المسيحيين في ما يخص تجسد المسيح إنما هو الحديث عن فكرة "جود الله" أو "كرم الله" فشددوا على أن تأنس المسيح هو ثمرة جود الله الكريم الذي جاد بأفضل ما عنده، أي ذاته. وهذه الفكرة تتلخص بما قاله الفيلسوف ابو زكريا يحيى بن عدي (+947): "إن أفضل الجائدين هو الجائد بأفضل الذوات. وأفضل الذوات ذات البارىْ". فلزم جود البارئ بذاته علينا، وهذا كان باتصاله بنا "هذا يعني أن السبب الوحيد الذي دفع الله نحو العالم هو جوده، وثمرة هذا الجود كانت الاتحاد بالإنسان، أي عندما صار كلمة الله إنسانا. الجدير بالذكر أن يحيى بن عدي اختار لفظ "الجوّاد" لأنها أقرب عبارة فلسفية الى المفهوم اللاهوتي المسيحي القائل بأن "الله محبة".

أما بولس أسقف صيدا الأرثوذكسي (القرن الثاني عشر) فيستعيد الفكرة ذاتها معتبرا أن الله قد جاد بأنبل ما عنده أي كلمته الذي سكن في الإنسان أشرف مخلوقات الله، فيقول: "ولأن الله جوّاد، وجب أن يجود بأجل الموجودات. وليس في الموجودات أجود من كلمته، يعني نطقه. ولذلك وجب أن يجود كلمته حتى يكون أجود الأجواد، وقد جاد بأجود الموجودات. فعلى هذا وجب أن يتخذ ذاتا محسوسة يظهر منها قدرته وَجوده. ولما لم يكن في المخلوقات منه أشرف من الإنسان، اتخذ الطبيعة البشرية من السيدة مريم المطهرة، المصطفاة على نساء العالمين". فيكون المسيح، بالنسبة اليه، هو الكلمة التي أراد الله أن يقولها للناس، وهذه أفضل الطرق التي يمكن أن يتبعها الله لكي يتصل بالإنسان.

ويعتبر عمّار البصري (القرن التاسع) أن جود الله قد تجلّى أولا في الخلق وثم في التأنس، الذي هو تشريف للإنسان على كل الخلائق، فيقول: " إن جود الله وكرمه وصلاحه وجبروته التي دعته الى أن أبدع وأنشأ خلقه، هي التي دعته أخيرا الى استكمال إحسانه بتجسده بشريا من خلقه. وذلك ليوجب للبشري بتجسده إياه حظّ بنوته وسنا ربوبيته". لذلك أخذ الكلمة جسدا خاطب منه الناس مباشرة لأن جوهر الإنسان خير مقام للتجلي الإلهي، والتجلي منه هو تشريف للجوهر الإنساني كله، فيرى عمار أن ظهور الكلمة في الناس " أشبه بفضل الله وجوده وأبين لإكرامه إياهم وتشريفه لهم من ظهوره في بيت حجارة وتابوت خشب وشجرة حقيرة وسحاب"، في إشارة إلى ظهورات الله في العهد القديم قبل مجيء المسيح. لا نستطيع هنا أن نغفل الجدل الخفي القائم في ذهن كاتب هذا النص َ مع الإسلام. من حيث إن الإنسان – لا الكتاب – هو أسمى مقام لتجلّي الله وإعلان كلمته.

يضيف الأسقف بولس البوشيّ (القرن الثالث عشر) الى هذا المفهوم أنّ كلمة الله تجسد ليس بحاجة منه الى ذلك، بل تفضّلا وحبّا بخلاص الإنسان، فيقول: "الله جوّاد متفضّل لم يزل في جوهريته كما يليق بصلاحه. بل أظهر التفضّل بالفعل، لمّا خلق البريّة. ليس لحاجة منه اليها، بل تفضّلا منه عليها. ومن العدم الى الوجود أحضرها، وهيّأ لها ما تحتاج اليه، لكرمه وجوده، ليُعرف أنه متفضل منّان، وهكذا تعاهد البريّة بالخلاص، ليس لحاجة منه الى التجسد، بل تفضّلا منه عليها". فيكون المسيح هو المخلّص الذي شاء "بتحنّنه" أن يتجسد لكي يعيد للإنسان صورته البهيّة الأولى التي خلقه الله عليها.

نتقد الكتّاب العرب المسيحيّون مَن يرفضون الاعتقاد بتجسد الكلمة، ويعتبرون موقف أولئك بأنه نابع من "بخل الإنسان" الذي يرفض جود الله. فيقول يحيى بن عدي:"وإذا كان اتصاله بنا ممكنا، وكان لنا فيه غاية الشرف وله فيه كمال الجود، فلا يمنعه الا العجز او البخل. وهما من صفات النقص، فهو يتعالى عنهما. فيجب اتصاله بنا". ويقول عمّار القول ذاته عندما يتساءل:"لماذا يريد خالقك لك أيها الإنسان الشرف والعلوّ وأنت تريد لنفسك السفالة والدناءة؟ ولمَ تبخل له بأن يبلغ بك غاية جوده وكرامته، وذلك لا ينقص من ملكه وسلطانه كما لم ينقصه ما قدّم لك من كرامته، كأنك تريد أن تساويه بنفسك في البخل؟".

التجسد هو أكبر دليل على كرم الله وجوده تجاه البشر. وإحدى ثمار هذا التجسد سرّ الشكر (القداس الإلهي)، فلو لم يصر الله إنسانا لما تسنّى لنا تناول جسّده وتالياً الاتحاد به. التجسد هو فاتحة الخلاص.

عن نشرة رعيتي
لأحد 24 كانون الاول 2000
العدد 52

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع