Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يعتبر التراث الإسلاميّ أنّ السيّد المسيح هو من بين الأنبياء الخمسة الكبار الذين يؤمنون بهم، أمّا الأربعة الآخرون فهم: نوح وإبرهيم وموسى ومحمّد. وقد ورد ذكر المسيح وأمّه السيّدة مريم في العديد من الآيات القرآنيّة التي تناولت حياتهما وأعمالهما ومعجزاتهما منذ ولادة مريم إلى حين رفع المسيح إلى السماء وعودته كعلامة من علامات الساعة. ومريم هي المرأة الوحيدة المذكورة باسمها في القرآن، وقد خُصّصت لها سورة كاملة من سوَر القرآن. سنحاول أن نعرض هنا رواية القرآن عن ميلاد المسيح ومقارنتها بما ورد في التراث المسيحيّ ما قبل الإسلام، وبخاصّة في الأدب الإنجيليّ المنحول، وهو الأدب الذي لم تعترف به الكنيسة كمصدر موثوق للإيمان ولم تعتبر، تالياً، الأناجيل المنحولة أناجيل صحيحة.

إنّ التراث الإسلاميّ يؤمن ببتوليّة مريم ونقائها حين أتاها الملاك يبشّرها بغلام زكيّ (أي طاهر) يولد منها: "قال (لها الملاك) إنّما أنا رسول ربّكِ لأهب لكِ غلاماً زكيّاً، قالت (مريم) أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسَسْني بشرٌ ولم أكُ بغيّاً" (سورة مريم، 19-20). القرآن ينكر كلّ تدخّل بشريّ في حمل السيّدة مريم للمسيح، فهو وُلد منها بصورة معجزة. حتّى أنّ القرآن يلعن اليهود الذين شكّوا بحبل مريم البتوليّ فاتّهموها باطلاً بالزنا، فيقول: "وَبكُفرهم (أي اليهود) وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً" (سورة النّساء، 156). هنا تجدر الإشارة إلى أنّ التلمود اليهوديّ يحتوي على الكثير من الروايات والقصص الملفّقة على السيّدة مريم وابنها نخجل من إيرادها هنا أو الاستشهاد بها.

يقول أحد مفسّري القرآن إنّ مريم حملت بالمسيح بمجرّد نفخ الملاك فيها، وطبيعيّ أنّها قد مرّت بجميع أدوار الحمل إلى أن ولدته. ويقول مفسّر آخر إنّ مدّة الحمل كانت تسعة أشهر أو سبعة أو ستّة أو ثمانية "ولم يعش مولود وُضع لثمانية إلاّ هو"، وقيل ساعة واحدة حملته وولدته. هذا الخلاف بشأن مدّة الحمل يعود إلى عدم تحديد القرآن لهذه المدّة. أمّا ولادته فتمّت بمعجزة يرويها القرآن كما يأتي: "فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت (مريم) يا ليتني متُّ قبل هذا وكنتُ نسياً منسيّاً. فناداها من تحتها ألاّ تحزني قد جعل ربّك تحتك سريّاً (جدولاً صغيراً يجري ماؤه). وهزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليكِ رُطباً (تمراً طازجاً) جنيّاً (طريّاً ناضجاً). فكُلي واشربي وقرّي عيناً" (سورة مريم، 23-26).

تناول التفسير الإسلاميّ هذه الرواية القرآنيّة عن ولادة المسيح بكثير من التفاصيل. فقيل إنّ زمن الولادة كان زمن شتاء وكانت النخلة يابسة فهزّتها فجعل الله لها رأساً وأنبتها ثمراً لتأكل منها. ويشير المفسّرون إلى أنّ النساء العربيّات اللواتي كنّ يلدن كنّ يأكلن الرُّطب لأنّه "أوفق طعام للوالدة". أمّا الذي نادى مريم من تحتها، فثمّة روايتان: الملاك جبريل الذي "كان في مكان أسفل من مكانها"، أو السيّد المسيح الذي سنراه بعد قليل يتكلّم في المهد. أمّا جدول الماء فلكي تشرب بعد أن تأكل الرُّطب فتقرّ عينها، ولكي تعلم أيضاً أنّ الله الذي أوجد لها الرُّطب من النخلة اليابسة وأنبع لها الجدول في الصحراء قادرٌ أن يردّ عنها عيب العائبين وتعييرات المعيّرين.

إنّ حادثة النخلة والجدول تذكّران بمشهد الهروب إلى مصر الذي ورد في إنجيل متّى المنحول (وهو غير إنجيل متّى الصحيح). تقول الرواية المنحولة إنّ مريم التي اتعبها السفر جلست عند نخلة لترتاح، فأبصرت بلحاً في أعلى الشجرة وتمنّت أن تأكل منها، في حين كان يوسُف يعاني العطش. "عندئذ حصل أنّ الطفل يسوع، الذي كان يستريح هادئاً على ركبتَي أمّه، قال للنخلة: "أيّتها الشجرة، انحني واطعمي أمّي من ثمرك". وعند هذا الطلب، أمالت النخلة رأسها إلى قدمَي مريم، فقطفوا ثماراً أشبعتهم جميعاً. وبعد أن قطفوا جميع الثمار، بقيت الشجرة منحنية، منتظرةً، قبل أن تنتصب، أمر ذلك الذي أمرها بالانحناء. عندئذ قال لها يسوع: انتصبي أيّتها النخلة واستعيدي قوّتك وكوني رفيقة أشجاري في جنّة أبي. وافتحي، بقوّة أصلك، الينبوع المخفيّ تحت الأرض، ولينزل ما يكفي من الماء لإرواء غليلنا". في القرآن يرد ذكر مريم وحدها، أمّا في إنجيل متّى المنحول فإنّ يوسف حاضر معها.

ثمّ يذكر القرآن أنّ الله طلب من مريم أن تصوم عن الكلام حتّى تأتي معجزة كلام المسيح في المهد لتبرّئها من تهمة الزنا التي يلاحقها بها اليهود: "فإمّا ترين من البشر أحداً فقولي إنّي نذرت للرحمن صوماً فلن أكلّم اليوم إنسيّاً" (سورة مريم، 26). فلمّا سألها قومُها لماذا فعلتِ ما فعلتِ؟ أتاهم الجواب من المسيح "فأشارت إليهِ (إلى المسيح المولود) قالوا كيف نكلّم مَن كان في المهد صبيّاً"؟ فأجابهم المولود الجديد: "إنّي عبد الله أتاني الكتاب (أي الإنجيل) وجعلني نبيّاً وجعلني مبارَكاً... والسّلام عليّ يوم وُلدتُ ويوم أموتُ ويوم أُبعثُ حيّاً" (سورة مريم، 29-33). أن ينطق المسيح في المهد أو طفلاً صغيراً معجزةٌ يرد ذكرها في الأناجيل المنحولة، كما جاء في حادثة النخلة الواردة في إنجيل متّى المنحول.

ما نريد قوله هو أنّ الرواية القرآنيّة لولادة المسيح لها جذور ضاربة في عمق التاريخ والتراث المسيحيَّين. ففيها ما يؤكّد بعض العقائد المسيحيّة الأرثوذكسيّة كبتوليّة مريم وولادتها ابنها من دون توسّط بشر. وفيها ما يؤكّد محبّة المسلمين للمسيح وأمّه، كدفاع القرآن عن مريم ضدّ اليهود وما قالوه من افتراءات عنها. ولكن في هذه الرواية القرآنيّة بعض التفاصيل التي لم يقبل بها المنطق المسيحيّ، كحادثة النخلة الوارد ذكرها في إنجيل متّى المنحول والمستعادة هنا في سورة مريم.

عن نشرة رعيتي 2002

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع