Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


عرف الإسلام منذ نشأته تيّاراً زهديّاً متقشّفاً، وذلك بفضل عوامل متعدّدة منها: الحروب الأهليّة الدامية التي وقعت بين المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين والأمويّين، وازدياد التراخي والاستهانة في المسائل الخُلقيّة عند الخلفاء، وما عاناه المسلمون من ظلم بعض حكّامهم المستبدّين. كلّ ذلك حرّك في نفوس الناس الزهد في الدنيا، وحوّل أنظارهم نحو الآخرة، ووضع آمالهم فيها. وقد تأثّر الزهّاد بنهج الرهبان المسيحيّين وغيرهم من زهّاد إيران والهند، فلجأوا إلى الكهوف والمغاور والمقابر، أو هاموا في الصحراء مثل إبرهيم بن أدهم البلخيّ الذي يقال إنّه كان أميراً، ولكنّه زهد في الحكم والملك ولبس الصوف وهام على وجهه في بلاد الشام، يعيش من كسب يده. أمّا لفظ "صوفيّ" فهو، على الأرجح، نعت اشتهر به هؤلاء الزهّاد بسبب ارتدائهم اللباس الخشن والصوف صيفاً وشتاءً.

احتلّ السيّد المسيح مكان الصدارة، قبل موسى وداود ويوحنّا المعمدان، في أقوال الصوفيّين وتعاليمهم، وكان بالنسبة إليهم المثال الأقرب إلى أسلوب حياتهم الزهديّة. وقد أصاب هؤلاء الزهاد معرفة لا بأس بها عن صفات يسوع الواردة في الأناجيل. فيسوع المسيح، في اقتناعاتهم، زاهد عظيم، إنّه المثل الأعلى للوليّ الصالح (القدّيس) الذي استغنى عن حاجات الحياة الدنيا، فراح يسيح في الأرض يلتحف السماء ويتوسّد الأرض. وهو في جولاته ورحلاته لا يطلب النقود، وما كان يمتلك أيّ شيء من المتاع، إنّه لا يتسوّل من أجل لقمة عيشه، وإنّما يقتات بما تجود به الطبيعة له: ماء من عين وحشائش ممّا ينبت في الأرض، ولم يكن يحتفظ بالطعام خوفاً من الجوع. ومن مأثور ما يروى عنه: "كان عيسى عليه السلام يلبس الشَّعر، ويأكل الشجر، ويبيت حيث آواه الليل، ولا يرفع غداءً لعشاء، ولا عشاءً لغداء ويقول: مع كلّ يوم رزقُه".ه".

كان المسيح، إذاً، المثل الأعلى للزهّاد الصوفيّين، فيقتدون به وبأعماله. ويُنقل عنه: "كان عيسى بن مريم يمشي حافياً، ولم يتّخذ بيتاً ولا حلية ولا متاعاً ولا ثياباً ولا رزقاً إلاّ قوت يومه، وكان حيثما غابت الشمس صفّ قدميه وصلّى حتّى يُصبح". ومعنى هذا أنّ يسوع قد حقّق أعلى درجات الزهد في الحياة الدنيا. حتّى إنّه قد روي عنه: "كان في سياحته من التجرّد بحيث لم يكن يملك إلاّ وعاءً ومشطاً، وحين رأى شخصاً يشرب بحُفنتيه ألقى الوعاء، وعندما رآه يخلّل شعره بأصابعه رمى المشط". ويروى عنه أيضاً أنّ أحد تلاميذه سأله: "هل لك شبيه في الأرض؟" فأجابه: "نعم، مَن كان حديثُه ذِكْراً لله، وصمتُه عبادةً، ومنظرُه تحذيراً للنفوس".
وقد تحدّث بعض الصوفيّين عن طريقتهم في الحياة بصفتها اتّباعاً لنهج السيّد المسيح، ففي رواية يشوبها الإبهام والغموض عن عليّ بن أبي طالب أنّه قال: "طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة. أولئك قوم اتّخذوا الأرض بساطاً، وترابَها فراشاً وماءَها طيباً... فرضَوا الدنيا على منهاج المسيح". والتواضع هو أبرز صفات السيّد المسيح، ويروى في هذا الصدد أنّ المسيح سأل بني إسرائيل أين ينبت الزرع؟ قالوا في التراب، فقال: "بحقّ أقول لكم لا تنبع الحكمة إلاّ في قلب مثل التراب".

أمّا عن الوصيّة الإنجيليّة: "لا تدينوا لئلاّ تُدانوا" (متّى 7: 1)، فينقل الرواة عن الصوفيّين عدّة أقوال للمسيح مشابهة لهذه الوصيّة، ننقل منها قولين فقط. فالقول الأوّل مفاده: "لا تنظروا في عيوب الناس كأنّكم أرباب، ولكن انظروا فيها كأنّكم عبيد. فإنّما الناس رجلان، مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية". أمّا القول الثاني فيرمز إلى أنّ المسيح كان يرى الخير أيضاً عند أولئك الأفراد الذين ما كانوا ينالون سوى احتقار الآخرين وكراهيّتهم، ومفاد هذا القول: "مرّ عيسى بن مريم مع الحواريّين (التلاميذ) على جيفة كلب. فقال الحواريّون: ما أنتن ريح هذا؟ فقال عيسى: ما أشدّ بياض أسنانه، يعظهم وينهاهم عن الغيبة". معنى هذين القولين هو أنّه يجب ألاّ يتحدّث المرء إلاّ عن محاسن الآخرين، فيهمل مساوئهم.

والمسيح، عند الصوفيّين كما في الإنجيل، لم يبادل الشرّ بالشرّ ولم يردّ على الشتائم بقول غليظ. فيروى عنه أنّه "مرّ ببعض الخلق فشتموه ثمّ مرّ بآخرين فشتموه، فكلّما قالوا شرّاً قال خيراً، فقال له رجل من الحواريّين: أكلّما زادوك شرّاً زدتهم خيراً حتّى كأنّك تغريهم بنفسك وتحثّهم على شتمك! قال: كلّ إنسان يعطي ممّا عنده". وإحدى صفات يسوع عند الصوفيّين هي البشاشة والفرح وعدم العبوس. فيروى أنّ "يحيى بن زكريّا (يوحنّا المعمدان) وعيسى بن مريم التقيا، فضحك عيسى في وجه يحيى وصافحه، فقال له يحيى: يا ابن خالتي مالي أراك ضاحكاً كأنّك قد أمنت؟ فقال له عيسى: يا ابن خالتي مالي أراك عابساً كأنّك قد يئست؟ فأوحى الله عزّ وجلّ إليهما: إنّ أحبّكما إليّ أبشّكما بصاحبه".

إنّنا نجد من خلال هذه الروايات قرابةً بين صورة المسيح كما تقدّمها الأناجيل وصورته عند الصوفيّين المسلمين. وهنا يضيق بنا المجال للتوسّع في أقوال كبار الصوفيّين كرابعة العدويّة (ت 108)، والحسين بن منصور الحلاّج (ت 922)، ومحيي الدين ابن عربيّ (ت 1240)، عن مكانة المسيح السامية في تعاليمهم. يكفي ذكر الحلاّج الذي دفعه حبّه للمسيح إلى القول:

ألا ابلغ أحبّائي بأنّي                ركبت البحر وانكسر السفينة
على دين الصليب يكون موتي    ولا البطحا أريد ولا المدينة

(البطحا هي مكّة، والمدينة هي المدينة المنوّرة).

عن نشرة رعيتي  2003

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع