Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


قبيل ظهور الإسلام، في حقبة ما يسمّى في التاريخ الإسلاميّ بـ"الجاهليّة"، كان يوجد في مكّة، المدينة التي شهدت ولادة محمّد بن عبد الله رسول الإسلام، جماعات مسيحيّة. وقد استمر هذا الوجود إلى ما بعد وفاة محمّد. لقد دخلت المسيحيّة إلى الحجاز، المنطقة التي تشمل مكّة ويثرب (المدينة المنوّرة) والطائف وغيرها، منذ نشأة المسيحيّة. وهذا ما يعترف به المؤرّخون المسلمون، إذ يورد ابن الأثير وابن خلدون وغيرهما أنّ سادس ملوك "جُرهم" يدعى باسم نصرانيّ وهو عبد المسيح بن باقية بن جرهم. وإذا عرفنا أنّ تاريخ دولة جرهم الثانية (التي حكمت الحجاز) قامت قبل ظهور المسيحيّة بقليل، يتعيّن أن المسيحيّة دخلت الحجاز بعد انتشار الرسل بزمن قليل. وفي كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصفهانيّ أنّ بيت الحرام (الكعبة) في عهد بني جرهم كان له "خزانة وهي بئر في بطنه يُلقى فيه الحلى والمتاع والذي يهدى له، وهو يومئذ لأسقف عليه"، المراد بالأسقف إمام الجماعة المسيحيّة وحبرهم.

أهمّ شهادة عن وجود المسيحيّة في مكّة قبيل الإسلام ما جاء في أقدم تواريخ مكّة "كتاب أخبار مكّة شرّفها الله تعالى وما جاء فيها من الآثار تأليف ابن الوليد محمّد بن عبدالله بن أحمد الأزرقيّ"، أنّه كانت في دعائم الكعبة "صور الأنبياء وصور الشجر وصور الملائكة وصورة إبرهيم خليل الرحمن وصورة عيسى بن مريم". ثمّ يذكر الأزرقيّ أنّ محمّداً، يوم فتح مكّة "أمر بطمس تلك الصور فطُمست. ووضع كفّيه على صورة عيسى بن مريم وأمّه عليهما السلام وقال: امحوا جميع الصور إلاّ ما تحت يديّ فرفع يديه عن عيسى بن مريم وأمّه". ويذكر الأزرقيّ نفسه القصّة ذاتها ولكن مكان الصورة تمثال. وقد تلفت الصورة (أو التمثال) بعد أكثر من ستّين عاماً من فتح مكّة على زمن عبدالله بن الزبير الذي قاوم الخلافة الأمويّة، فحاصر الأمويّون مكّة بقيادة الحجّاج الذي لم يتوانَ عن قصف المدينة بالمنجنيق فهُدمت الكعبة.

وجود الصورة في الكعبة بعد ستّين عاماً من نشوء الإسلام يؤكّد انفتاح الإسلام الناشئ على حرّيّة المسيحيّين في العبادة وتمايزهم على غيرهم من أبناء الأديان غير الإسلاميّة. وقد ورد في كتاب "الخراج" لأبي يوسف أنّ محمّداً "ضرب على نصرانيّ بمكّة ديناراً كلّ سنة"، وفي هذا دليل على بقاء المسيحيّة في مكّة في أيّام نبيّ الإسلام. وما رواه الأزرقيّ وذكره آخرون بعده لشهادة على تنصّر قسم من قريش (القبيلة التي خرج منها محمّد) في مكّة. ويؤيّد ذلك اليعقوبيّ، المؤرّخ الشهير، في تاريخه: "أمّا مَن تنصّر من أحياء العرب فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزّى منهم عثمان بن الحويرث بن أسد وورقة بن نوفل بن أسد (ابن عمّ خديجة أولى زوجات محمّد)". كما ورد في السيرة النبويّة لابن هشام عن ورقة أنّه "تنصّر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل". كما ورد ذكرُ عبيدالله بن جحش بن رئاب الذي هاجر إلى الحبشة مع محمّد، ولمّا بلغها "تنصّر وفارق الإسلام حتّى هلك هناك نصرانيّاً"، على حدّ رواية ابن هشام. ومنهم أيضاً زيد بن عمرو بن نفيل، والشاعر أمّيّة بن أبي الصلت الذي يمتلئ ديوانه بتعاليم المسيحيّة. واشتهر أيضاً أبو قيس صرمة بن أبي أَنس الذي أورد عنه ابن الأثير أنّه "كان قد ترهّب في الجاهليّة ولبس المُسوح".

لذلك لم يأنف الشعراء النصارى قبل الإسلام، إذا حلفوا، بالجمع بين الصليب والكعبة، قال عديّ بن زيد:

سعى الأعداء لا يألون شرّاً عليك وربِّ مكّة والصليب

وقال الأعشى:

حلفتُ بثوبَي راهب الدير والتي بناها قُصَيٌّ والمضاض بن جُرهم

ولعلّ ما دفع المسيحيّين إلى تعظيم الكعبة قبل الإسلام هو ما كانت تحويه من صور للأنبياء وللسيّد المسيح، ولكن أيضاً بسبب التقليد العربيّ الذي يكرّم إبرهيم الخليل، والذي جعل ظهور ملاك الربّ لهاجر أمّ إسماعيل في هذا المكان. وقد قال ياقوت في "معجم البلدان": "وليست أمّة في الأرض إلاّ وهم يعظّمون البيت ... وإنّه من بناء إبراهيم حتّى اليهود والنصارى". وممّا يدلّ على آثار المسيحيّة في مكّة أو قربها المكان المعروف بموقف النصرانيّ (جاء ذكره في "تاج العروس") وكذلك "مقبرة النصارى في الجبل الذي بأسفل مكّة على يمين الخارج إلى المدينة" (الأزرقيّ). وقد ذكر المقدسيّ في جغرافيّته "مسجد مريم" بجوار مكّة.

لم تشذّ بلاد الحجاز بعامّة، ومكّة بخاصّة، من قبول المسيحيّة، فشاعت فيها كما شاعت في كلّ ديار العرب. وقد استمر هذا الوجود، كما رأينا، إلى حقبة ما بعد الخلفاء الراشدين. أمّا عن اندثار المسيحيّة من الجزيرة العربيّة، فله أسباب أخرى من أهمّها تصاعد التطرّف والغلوّ عند المسلمين بعد انقضاء الحقبة الراشديّة التي عرفت انفتاحاً أعمق وثقة بالنفس أكبر.

عن نشرة رعيتي
الأحد 2 كانون الاول 2001
العدد 48

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع