Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


ثيودوسيوس الكبير: (379-395) مات والنس في معركة مع القوط في الثامن من آب سنة 378. فعظم الأمر على غراتيانوس ابن أخيه. فاستدعى إليه ثيودوسيوس أشهر القادة وأمهرهم في الحرب. وفاوضه في أمر القوط ورفعه إلى منصب الحاكم ونادى به أمبراطوراً على الشرق. وهبّ ثيودوسيوس يعالج الموقف العسكري فأوقع بالقوط ضربات أولية متتالية. ثم رأى أن  لا بد من الاستيلاء على تسالونيكية لتأمين الزاد والعتاد الواردين من مصر والشرق. فاشتق طريقه إليه ووصلها في أوائل حزيران سنة 379 واستقر بها. وفي شباط 380 انتابه مرض عضال أشرف به على الموت. فطلب الاعتماد ليغسل ذنوبه قبل ملاقاة ربه. ولكنه تساءل قبل اعتماده عن إيمان الأسقف المعمد. ولما تثبت من أرثوذكسيته اعتمد. وكان والنس قد عدل عن اضطهاد الأرثوذكسيين مذ أن بدأ يعد العدة لمنازلة القوط. وكان غراتيانوس قد أيّده في ذلك في خريف سنة 378. فلما استتب الأمر لثيودوسيوس عاد فأكد وجوب توقيف الاضطهاد والسماح للآباء المنفيين بالعودة إلى أوطانهم.

مجمع أنطاكي محلي: وعاد ملاتيوس إلى مدينة الله مركز أبرشيته في صيف 378. وعاد أيضاً كيرللس إلى أورشليم وأفسابيوس إلى سميساط وأفلاليوس إلى أماسية البونط. ووجد ملاتيوس الرعية ممزقة مشتتة فقسم وافر منها كان يتبع دوروثيوس الآريوسي أسقف هرقلية الذي خلف افظويوس في سنة 376. وقال بعضهم قول أبوليناريوس فاعتبروا ويتاليوس أسقفاً عليهم. وكان بفلينوس الأرثوذكسي لا يزال يرعى قطيعاً صغيراً من الرعية. فاتصل ملاتيوس لدى عودته ببفلينوس أولاً وحاول إزالة الشقاق بين أصحاب الإيمان الواحد بالتفاهم والرضى. ولكن بفلينوس تشامخ وتناسى كلام السيد واستغنى مكتفياً باعتراف أسقفي رومة والإسكندرية. ولا صحة فيما يظهر لما ورد في بعض المراجع أن ملاتيوس عرض عليه رئاسة مزدوجة على كنيسة أنطاكية طوال حياتهما تتبعها رئاسة موحدة بعد وفاة أحدهما.

وأخفق ملاتيوس الجليل في القديسين في مفاوضة بفلينوس فدعا إلى مجمع أنطاكي محلي في خريف سنة 379. ولبى الدعوة مئة وثلاثة وخمسون أسقفاً بينهم افسابيوس سميساط وبلاجيوس اللاذقية وزينون صور وافلوغيوس الرها وبيماتيوس ملَّة وديودوروس طرسوس. أما باسيليوس الكبير فإنه قد رقد في مطلع السنة نفسها. وقد ضاعت أعمال هذا المجمع ولم يبقَ منها شيء سوى بعض إشارات غامضة متقطعة وردت في مجموعة الشماس ثيودوسيوس. وقد أدى هذا الغموض والتقطع إلى اختلاف الرأي بين العلماء والمؤرخين. فالعلامة الألماني شوارتز يذكر إشارة إلى دستور إيمان أنطاكي جاءت في القانون الخامس الصادر عن المجمع المسكوني الثاني. فيتوقع احتجاجاً في قرارات هذا المجمع على موقف دماسوس رومة وبطرس الإسكندرية من بفلينوس. والعلاَّمتان دوشان وبتيفول يذكران تعلق الأمبراطور ثيودوسيوس بالعقيدة الأرثوذكسية "كما قال بها دماسوس رومة وبطرس الإسكندرية" ومحاولات باسيليوس وملاتيوس السابقة للاتصال برومة واقناعها بوجوب تأييدهما فيتوقعان انقياد الآباء المجتمعين في أنطاكية إلى القول بما قالت به رومة والإسكندرية وطلب ادخالهم في الشركة المقدسة. ولعل أفضل ما يقال في مثل هذا الظرف من الاجتهاد أن المجمع الأنطاكي اعتبر ملاتيوس خليفة الرسولين الشرعي وأعلن استمساكه بالإيمان القويم وحرر بذلك رسالة سلامية إلى أساقفة المسكونة.

موقف الأمبراطور: لا نعلم بالضبط ماذا كان موقف الأمبراطور ثيودوسيوس من هذا النزاع بين ملاتيوس الجليل في القديسين وبين بفلينوس مرشح دماسوس رومة وبطرس الإسكندرية. ونجهل أيضاً درجة اهتمامه لهذا الاختلاف المحلي. وجلّ ما يجوز قوله هو أن هذا الأمبراطور المسيحي أهمل ذكر كنيسة أنطاكية ورئيسها عندما أصدر رأيه الرسمي في الثامن والعشرين من شباط 380. فإنه حض المؤمنين بهذه البراءة على القول بما قال به أسقف رومة وأسقف الإسكندرية. ولكن نص هذا الحض جاء في صالح بفلينوس لأن أسقف رومة وأسقف الإسكندرية كانا قد اعترفا به وحده. ثم أدرك ثيودوسيوس بعد إطلاعه على الوضع الراهن في الشرق أن الأرثوذكسية لن تسيطر إلا بواسطة الأرثوذكسيين أنفسهم وبتعاونهم مع السلطة الزمنية فجاءت براءة العاشر من كانون الثاني سنة 381 خالية من أية إشارة إلى أسقف رومة وأسقف الإسكندرية وحرمت جميع الذين لا يقولون قول "نيقية" من الاجتماع في المدن وقضت بتسليم جميع الكنائس لأبناء الكنيسة الجامعة.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع