Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


(344-358) كان لونديوس قد أخذ اللاهوت والفلسفة عن لوقيانوس المعلم الأنطاكي فامتنع افستاثيوس عن قبوله في مصاف الإكليروس الأنطاكي. وكان أيضاً قد جبَّ نفسه ليتمكن من مساكنة الإمرأة افستوليوم فخرج بذلك على قرارات المجمع المسكوني الأول، وأصبح غير لائق أن يتحلى برتبة الكهنوت. ولكنه اعتدل في آرائه مع تقدمه في السن واتزن في سلوكه وأظهر مقدرة على تسيير دفة الأسقفية في زمن الشقاق والخصام. ولم يتمكن الأسقفان الغربيان فيكندوس وافراتاس من إقناع قسطنديوس بإصدار العفو عن الأساقفة الأرثوذكسيين المنفيين. ولكنهما استصدرا أمراً يوجب عودة الكهنة والشمامسة الأرثوذكسيين المنفيين إلى أرمينية، وإيقاف الاضطهاد الذي كان قد حلَّ بالاكليروس الأرثوذكسي في مصر.

وأظهر لونديوس استعداداً للتفاهم مع الأرثوذكسيين المجتمعين في ميلان آنئذ. فقام وفد مؤلف من الأساقفة ذيموفيلوس وافوكيوس ومقدونيوس ومرتيريوس إلى الغرب ليبحثوا أمر العقيدة مع الأساقفة الأرثوذكسيين وأمام قسطنديوس الثاني. واخذوا إلى ميلان (345) قانون إيمان أنطاكي طويل عُرِف فيما بعد بالمكروستيكوس Machrosticos أي ذي الأسطر الطويلة.

وأعلن هذا القانون وحدانية الله وألوهية الابن قبل كل الدهور وعدم فناء ملكه فأنكر بهذا القول الآريوسية الأصلية. ثم كذّب القانون الطويل أقوال ماركلوس الأنقيري وفوتينوس السرمي. ولكن الآباء المجتمعين في ميلان أوجبوا إضافة نص صريح تًنكر به الآريوسية. فامتعض أعضاء الوفد الأنطاكي من هذا الإلحاح ولا سيما أن البيانات الصادرة عن أنطاكية في سنة 341 كانت قد أنكرت الآريوسية تماماً فرفضوا أن يضيفوا شيئاً إلى المكروستيكوس وانسحبوا من المجمع وعادوا إلى أوطانهم.

انتصار أرثوذكسي وقتي: كان الخطر الفارسي لا يزال قائماً منذ سنة 340 فاضطر قسطنديوس أن يضمن سلاماً في داخل مملكته ليجابه الخطر الخارجي. وتوفي غريغوريوس أسقف الاسكندرية مناظر اثناثيوس الكبير في الخامس والعشرين من حزيران 345 فرأى قسطنديوس أن يُعيد اثناثيوس إلى كرسيه فكتب إليه بذلك وألح بوجوب العودة فامتثل وقام إلى الاسكندرية ووصلها في الحادي والعشرين من تشرين الأول سنة 346.

وعرج اثناثيوس في طريقه على أنطاكية وأقام فيها برهة واتصل بأبنائها الأرثوذكسيين أتباع افستاثيوس الذين كانوا لا يزالون يعتبرون الكرسي الرسولي شاغراً منذ عهد افستاثيوس. وأحب أن يعاونهم في شدّتهم فمثل أمام الأمبراطور ورجاه أن يسمح لأتباع أفستاثيوس بكنيسة من كنائس أنطاكية يصلون فيها أحراراً. وكاد قسطنديوس أن يأمر بذلك ولكن لونديوس اعترض على ذلك ولم يسمح به. فقام أثناثيوس إلى اللاذقية حيث استقبل استقبالاً حسناً وأبحر منها إلى فلسطين. فامتنع أكاكيوس أسقف قيصرية وخلف افسابيوس القيصري عن استقباله. ولكن مكسيموس أسقف أورشليم عقد مجمعاً محلياً مؤلفاً من ستة عشر أسقفاً ورحّب باثناثيوس وحمّله تحيات الكنيسة الأرثوذكسية الفلسطينية إلى إخوانهم الأرثوذكسيين الإسكندريين.

غالوس والكنيسة: (350-353) تمرد الجند على قسطنس وقتلوه وأصبح قسطنديوس الثاني الملك الشرعي واضطر أن يخمد ثورة الغرب. وكان عاقراً فاستدعى ابن عمه غالوس ورفعه إلى رتبة قيصر وأمره على برايفكتورة الشرق وجعل مقره أنطاكية. وكان جافي القلب قاسي قليل الرحمة، فطغى وتجبّر وأرهب الناس. فاستدعاه قسطنديوس إلى إيطالية وفي سنة 353 أمر بقطع رأسه. وطلب ابن عمه الأصغر يوليانوس وجعله قيصراً على غالية.

ولا علم لدينا إن كان غالوس مسيحياً أم وثنياً. ولكن حاشيته في أنطاكية كانت غير أرثوذكسية. فإن ثيوفيليوس الهندي كان قد تعلّم على يد أفسابيوس النيقوميذي ولونديوس لم يكن أرثوذكسياً وآئيتيوس أقرب المسيحيين إلى القيصر ومعلم أخيه يوليانوس كان آريوسياً صارماً. فالتف هؤلاء حوله وأخذوا يدلسون عليه الرأي فزينوا له وللأمبراطور فوقه أن أثناثيوس على صلة بالمتمردين في الغرب وأنه رجل خطر يخلّ بالأمن وأن المصلحة تقضي بإبعاده عن الإسكندرية.

وتمادى لونديوس في سياسته هذه. فرسم آئيتيوس شماساً وسمح له بالوعظ في الكنيسة. فاحتج الأرثوذكسيون على ذلك وأجمعوا على محاربة آئيتيوس. ولم ينفرد أتباع افستاثيوس بهذا الاحتجاج فإن السواد الأعظم من الأرثوذكسيين الذين كانوا قد واظبوا على الطقوس مع أتباع لونديوس حفاظاً على وحدة الكنيسة، استنكروا صوت آئيتيوس في الكنيسة. والتفوا حول زعيمين علمانيين ذيذوروس وفلافيانوس. وهددوا بالانفصال التام ففاوضهم لونديوس فأصروا على تعديل في الذوكسية (المجدلة) يثبت مساواة الابن للآب في الجوهر فأوجبوا القول "المجد للآب والابن والروح القدس" بدلاً من القول "المجد للآب في الابن والروح القدس" كما جرت العادة آنئذ. فوافق لونديوس على ذلك ولكنه خشيَ مقاومة الآريوسيين. فرتل "المجد للآب" ثم أضعف صوته متظاهراً بالألم في حلقه حتى وصل إلى العبارة "الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين" رفع صوته. واشتد احتجاج الأرثوذكسيين في أنطاكية فنزل لونديوس عند رغبتهم وأبعد آئيتيوس عن أنطاكية.

الغرب ينبذ اثناثيوس: توفي يوليوس أسقف رومة وتولى الكرسي الرسولي بعده ليباريوس (352-366) فاهتم بقضية اثناثيوس ورجا الامبراطور أن يدعوا أساقفة الكنيسة الجامعة إلى مجمع في أكويلية لينظر في قضية أثناثيوس. وكان قسطنديوس يرغب في تهدئة خواطر الآريوسيين في الشرق لأنهم أصبحوا أكثرية راجحة. فدعا الأساقفة الغربيين إلى مجمع في ميلان في مطلع 355 وطلب إليهم أفراداً وجماعات أن ينتقوا لأنفسهم أحد أمرين إما نبذ اثناثيوس و النفي. فوافق معظمهم على النبذ. وأصرّ أسقف رومة على تأييد اثناثيوس فأُبعِدَ بأمر الأمبراطور إلى تراقية وأُبعِدَ ثلاثة أساقفة آخرون إلى صعيد مصر.

وحاول قسطنديوس أن يستدرج اثناثيوس فأرسل إليه من يؤكد له أن الأمبراطور يرغب في مشاهدته في الغرب. ثم أرسل له بارجة حربية لنقله إلى الغرب. ولكن اثناثيوس اعتذر وامتنع. فلجأ الأمبراطور إلى العنف. وفي مساء الثامن من شباط من سنة 356 أحاط الجند بكنيسة ثيوناس في الإسكندرية ودخلوا إليها طالبين أثناثيوس. فصدهم المصلّون. واشتد القتال وعلت أصوات العذارى الصالحات وظل اثناثيوس جالساً في كرسيه لا يأتي بحركة. ثم اقتنع بوجوب الفرار فخرج والتجأ إلى رهبان الصحراء الغربية. فاستقبلوه وحموه. فصنف وكتب. وقال في بعض ما كتب: "إني أسمع لونديوس أنطاكية ونرقيس بانياس وجاورجيوس اللاذقية يتهاتفون ويستهزئون لأني لم أمكنهم من اغتيالي. إن أنطاكية تبكي افستاثيوس المعترف بالحقيقة وبانياس البحر تندب افراتيون وبلدة تعدد محاسن كيماتيوس وطرسوس تذكر كرتيريوس وحلب كيروس وغزة اسكليباس". وكأن بهذا القديس يحمّل بعض رجال كنيسة أنطاكية مسؤولية اضطهاده وشق الصفوف. والواقع أن لونديوس وترقيس وجاورجيوس لم يكتفوا بما جرى بالإسكندرية وفرار قديسها فإنهم عقدوا في سنة 356 مجمعاً أنطاكياً محلياً وكتبوا إلى الأساقفة باسم هذا المجمع مذكّرين "بالجرائم" التي ارتكبها اثناثيوس راجين الاعتراف بجاورجيوس القبذوني أسقفاً على الإسكندرية.

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع