Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


الفاطميون والكنيسة
843-1025

وقامت دولة الفاطميين على الدعوة الشيعية فكان خلفاؤها أئمة أحفاداً لعلي وفاطمة. وتحدرت إمامتهم من إمامة اسماعيل ابن جعفر الصادق. وحرصوا كل الحرص على هذه الصفة. ولما استقروا بمصر والشام اعتمدوا الدعاية السرية لتأييد دعوتهم لأنهم لم يجدوا ي هذين القطرين ما وجدوه في المغرب مهداً خصيباً لدعوتهم.

واتخذت دعوتهم المذهبية صبغة رسمية فانتظمت في القصر نفسه وفي الجامع الأزهر. وتولى بثها بنو النعمان بقراءة علوم آل البيت والتفقه فيها. وكان عظماء الدولة يشاركونهم في بعض الأحيان فيقرأون هذه العلوم ويشرحونها. وكانت هنالك دعاية أخرى تحاط بالتحفظ والتكتم ويشرف عليها زعيم كبير يدعى داعي الدعاة. وكانت هذه الدعوة تجري في تسع مراتب يعرضها الدعاة بالتعاقب وفقاً لاستعداد المريد وأهليته فلا يصل إلى درجاتها العليا إلا من كان موضع الثقة.

  1. فالدين في المرتبة الأولى أمر مكتوم وانصراف الناس عن الأئمة هو أصل الشر والخلاف في الإسلام وليسد دين محمد ما تعرفه الكافة وإنما هو سر الله المكتوم لا يطيق حمله إلا ملك مُقرّب أو نبي مُرسل أو عبد مؤمن اصطفاه الله.
  2. وإذا آنس الداعي قبولاً انتقل بالمريد إلى المرتبة الثانية فأكد أن الله لم يرضَ في إقامة حقه إلا من يؤخذ عن أئمة معينين.
  3. ويقول الداعي في المرتبة الثالثة إن هؤلاء الأئمة سبعة: علي والحسن والحسين وزين العابدين ومحمد وجعفر واسماعيل وهو القائم صاحب الزمان. وابنه محمد صاحب العلم المستور ودعاته هم الوارثون لعلمه.
  4. وكان يقال في المرتبة الرابعة أن الأنبياء الناطقين بالأمور الناسخين الشرائع سبعة أيضاً وأنه لا بد لكل منهم من صاحب يأخذ عنه دعوته ويحفظها على أمته. ويكون لهذا ظهير في حياته ويخلفه بعد وفاته, ويسير كل مستخلف على هذا المنوال إلى أن يأتي منهم سبعة. ويقال لهؤلاء "السبعة الصامتون". فإذ انقضى هؤلاء السبعة يبدأ دور ثانٍ من الأئمة يفتتحه بني ناطق ينسخ شريعة من مضى. وأول النطقاء آدم وظهيره أو سوسه شيت وثاني النطقاء نوح وظهيره سام وثالثهم إبراهيم الخليل وظهيره ابنه اسماعيل ورابعهم موسى وظهيره هارون وخامسهم عيسى وظهيره شمعون الصفا وسادسهم محمد وظهيره علي وهو أول السبعة الصمت. وجاء بعده ستة صمتوا على الشريعة الإسلامية. وسابع النطقاء هو قائم الزمان محمد ابن اسماعيل ابن جعفر.
  5. وكان يلقى على المريد في المرتبة الخامسة أنه لا بد مع كل إمام قائم من حجج اثني عشر متفرقين في الأرض.
  6. ويدعو الداعي في المرتبة السادسة إلى أن الشرائع رموز لها معان مستترة تختلف عن نصوصها الظاهرة وأن منطق العقل هو المعول عليه في هذه الأمور فيتعرف المريد إلى افلاطون وأرسطو وفيثاغورس وغيرهم.
  7. وجاء في المرتبة السابعة أن صاحب الشريعة لا يستغني من نفسه ولا بد له من صاحب يعبر عنه ليكون أحدهما الأصل والآخر يصدر عنه.
  8. وجاء في الثامنة أن مدبر الوجود والصادر عنه إنما هو تقدم السابق على اللاحق تقدم العلة على المعلول وأن الأعيان كلها ناشئة وكائنة عن الصدر الثاني. فالسابق لا اسم له ولا صفة ولا يعبر عنه ولا يحدد فلا يقال هو موجود ولا معدوم ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز. والتالي يلحق بمنزلة السابق. ومعجزات الأنبياء تكون تارة رموزاً يعقلها العالمون وتارة تكون بافصاح يعرفه كل الناس. والقرآن والقيامة والثواب والعقاب معناها غير ما يفهمه الكافة وهي حدوث أدوار تقع عند انقضاء أدوار من أدوار الكواكب وعوالم اجتماعاتها.
  9. وفي الدعوة التاسعة الأخيرة كان المدعو ينتقل إلى الفلسفة وما وراء الطبيعة فيعلم أن ما ذكر من الحدوث والأصول إنما هي رموز إلى معاني المبادئ وتقلب الجواهر وأن الوحي إنما هو صفاء النفس ويعبر عنه بكلام الله وأنه ليس على العارف المستنير أن يعمل به وأن الأنبياء أصحاب الشرائع إنما وجدوا لسياسة العامة وأن الفلاسفة أنبياء الخاصة.

محرك بحث داخلي