Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


التباعد السياسي: حين كان بولس وسائر الرسل يطوفون حوض المتوسط، لم يكن ليتجاوزوا حدود الأمبراطورية الرومانية التي كانت تسودها آنذاك وحدة سياسة وثقافية وطيدة. كانت تضم هذه الأمبراطورية مجموعات قومية ذات لغات ولهجات متنوعة، لكنها كلها كانت تخضع لحكم امبراطور واحد. وكان المثقفون في كل أرجاء الأمبراطورية يساهمون في تكوين حضارة يونانية رومانية واحدة رغم التنوع. واللغة اليونانية واللغة اللاتينية كانتا مفهومتين حيثما كان، وكثيرون هم الذين كانوا يتكلمون هذه وتلك. وهذا ما ساعد كثيراً الكنيسة الأولى في عملها البشاري.

لكن وحدة العالم المتوسطي أخذت خلال القرون اللاحقة تضمحل تدريجياً، بدءاً بالوحدة السياسية. والأمبراطورية، منذ نهاية القرن الثالث وعلى الرغم من كونها موحّدة نظرياً، كانت منقسمة عملياً إلى امبراطورية شرقية وأمبراطورية غربية، على رأس كل منهما أمبراطور. وقد ساهم قسطنطين في توطيد هذا الانقسام عندما أقام عاصمة ثانية للأمبراطورية في الشرق موازية لرومية القديمة في إيطاليا. في بداية القرن الخامس، أدّت غزوات البرابرة المتلاحقة إلى اقتسام الغرب فيما بين زعمائهم الرئيسيين. ولم يتركوا للأمبراطورية سوى معظم ايطاليا. أما البيزنطيون فلم ينسوا أبداً أحلام رمية أيام اغسطس وتراجان، ولم ينفكوا عن اعتبار امبراطوريتهم شاملة للمسكونة كما في المبدأ، علماً أن يوستنيانوس كان آخر امبراطور سعى جدياً في ردم الهاوية بين المبدأ والواقع، ولكن لم يطل الزمن وتم الانسحاب من كل الأراضي التي كان قد غنمها في الغرب. مهما كان من أمر، يبقى أن الوحدة السياسية بين الشرق اليوناني والغرب اللاتيني تهدمت في الواقع تحت وطأة الغزو البربري ولم يُصر أبداً إلى ترميمها فيما بعد بصورة كاملة.

وزاد انتشار الإسلام من حدة هذا الانفصال. فالمتوسط، الذي كان يدعوه الرومان "بحرنا" (mare nostrum)، انتقل في معظمه إلى السيطرة العربية. بيد أن الاتصالات الثقافية والاقتصادية بين المتوسط الشرقي والمتوسط الغربي لم تنقطع ولكنها أضحت أكثر صعوبة.

وهكذا بانقطاعه عن بيزنطية، بدأ الغرب بتنظيم أمبراطورية رومانية على طريقته. وفي يوم عيد الميلاد العام الـ 800 توّج البابا شارلمان الكبير ملك الفرنجة امبراطوراً على الغرب. وسعى شارلمان للحصول على اعتراف بلقبه من الأمبراطور البيزنطي، لكنه لم يفلح. ولكونهم ما زالوا أوفياء لمبدأ وحدة الأمبراطورية، اعتبره البيزنطيون مغتصباً ونظروا إلى تتويج البابا له كعمل انفصالي ضمن الأمبراطورية. هكذا فإن إنشاء الأمبراطورية الرومانية المقدسة في الغرب، لم يُسهم أبداً في شد الأواصر الأوربية، لا بل زاد في اتساع رقعة الخلاف بين الشرق والغرب.

التباعد الثقافي: استمرت الوحدة الثقافية وقتاً أطول ولكنها ضعفت جداً. ففي الشرق كما في الغرب، ظل المثقفون محافظين على التقليد الكلاسيكي الذي تبنته الكنيسة، لكنهم باتوا يفسرون هذا التقليد على نحو أكثر فأكثر تبايناً. وجاءت مشكلة اللغة لتزيد من تعقيد الموضوع، إذ لم يعد هؤلاء المثقفون يتقنون اللغتين كما في الماضي. وفي نحو السنة 450 لم يعد يوجد في الغرب إلا عدد قليل يفهم اليونانية، وبعد العام 600، أصبح من النادر وجود بيزنطيين يتكلمون اللاتينية لغة الرومان، مع أن بيزنطة كانت لا تزال تطلق على نفسها اسم "الإمبراطورية الرومانية". ففوتيوس مثلاً أعظم فقهاء القسطنطينية في القرن التاسع لم يكن يقرأ اللاتينية. وفي السنة 864، توصّل الأمبراطوةر مخيائيل الثالث، إلى أن ينعت لغة فرجيليوس "باللغة البربرية والبدوية". وكان السبيل الوحيد لمن يريد التعرّف على كتاب موضوع بلغة أخرى اللجوء إلى قراءة ترجمة له. وكلن معظم المثقفين لم يكن عندهم ميل إلى قراءة الترجمات فكانوا يلجؤون إلى الأصل رغم جهلهم لغته، حتى أن أحد كبار العلماء اليونانيين، لجهله اللاتينية، خلط بين قيصر وشيشرون. وسوء الفهم هذا أدّى في النهاية إلى اتساع الشقة المتزايد بين الشرق اليوناني والغرب اللاتيني. وقد تجاوز العداء الروماني للقسطنطينية القضايا السياسية إلى الميدان الثقافي فتميزت النهضة الثقافية في بلاط شارلمان بموقفها السلبي المطلق من كل ما يمت بصلة للثقافة اليونانية. وأخذ الأدباء الغربيون يسعون إلى خلق حضارة مسيحية خاصة بهم ضاربين عرض الحائط بكل الانتاج البيزنطي. وهكذا فأوربا القرن الرابع التي لم تعرف سوى حضارة مسيحية واحدة قد عرفت في القرن الثالث عشر حضارتين متمايزتين.

وأما البيزنطيون فانغلقوا في قوقعتهم الفكرية ولم يعطوا الفكر الغربي حقّه من الاهتمام ولم يسعوا إلى ملاقاة الغرب في منتصف الطريق لأن كل ما يأتي من الفرنجة بربري ليس إلا...

التباعد الديني: ولم يعد بالإمكان إلا أن تؤثر هذه العوامل السياسية والثقافية في حياة الكنيسة وتجعل استمرار الوحدة الدينية أمراً صعباً. مثال عل ذلك ما فعله شارلمان. فحينما رفضت بيزنطة الاعتراف بحقوقه في المجال السياسي، سارع هو إلى اتخاذ التدابير المضادة ونعت الكنيسة البيزنطية بالهرطقة لأنها لم تضف عبارة "والابن" على دستور الإيمان، وذهب إلى حد رفضه قبولَ قرارات المجمع المسكوني السابع. صحيح أن شارلمان لم يطّلع على قرارات المجمع إلا من خلال ترجمة مغلوطة شوَّهت محتوياتها وحرّفت معانيها الحقيقية، ولكن ذلك لا ينفي عنه الميل الجزئي في آرائه إلى محاربي الأيقونات.

وحيث أن الوضع السياسي لم يعد في الغرب مطابقاً لما هو في الشرق، فقد أثر هذا التمايز على وحدة التنظيم الكنسي إلى حد أصبح تتكوّن فيه وجهات نظر متناقضة.

وقد وُجد بالفعل منذ البدء بعض المفارقة في وجهات النظر بين الشرق والغرب بشأن هذا الموضوع. ففي الشرق العديد من الكنائس يعود تأسيسها إلى أصل رسولي، مما أنمى شعوراً قوياً بمساواة الأساقفة فيما بينهم وبالطبيعة الجامعة والمجمعية للكنيسة. وكان يعترف الشرق أن البابا هو أول أسقف في الكنيسة، لكن الأول بين متساوين. أما في الغرب، فلم يكن سوى كرسي كبير واحد يعود تأسيسه إلى الرسل هو كرسي رومية، وبالتالي أُعتبِر هذا الكرسي بمثابة "الكرسي الرسولي" الذي ليس له شبيه. لذلك وعلى الرغم من قبول الغرب بقرارات المجامع المسكونية، فهو لم يشترك فيها قط بصورة فعّالة، لأنه كان يميل إلى اعتبار الكنيسة ذات رأس واحد -هو البابا- أكثر من اعتبارها مبنية على المجمعية.

وقد زادت الأحداث السياسية من حدة هذا التباين في النظرة. وكان طبيعياً أن تساعد غزوات البرابرة وسقوط الأمبراطورية في الغرب تحت سيطرتها، في تقوية البنية الأوتوقراطية للكنيسة الغربية. وفي حين بقي الشرق، بفضل أباطرته، على إدارة زمنية قوية حرصت على المحافظة على النظام المتحضر وتطبيق القوانين، نرى الغرب، بعد ظهور البرابرة، وقد خضع للعديد من القادة المحاربين الذين تتفاوت درجاتهم في مضمار احتكار السلطة. وبالتالي لم يبقى معظم الأحيان، أحد سوى البابا يستطيع أن يكون محوراً للوحدة وعنصراً للاستمرار والاستقرار في الحياة الروحية والحياة السياسية لأوربا الغربية. وبحكم هذا الوضع لعب البابا دوراً لم تتح لأي من البطاركة اليونانيين فرصة لكي يقوم بمثله. وهكذا أصبح البابا حاكماً فرداً، وملكاً مطلقاً على الكنيسة، يصدر أوامره ليس لمرؤسيه من الاكليريكيين وحسب بل ولبعض الحكّام الزمنيين أيضاً، هذا الأمر الذي لم يحصل مطلقاً في الشرق. لذلك تمركزت السلطة في الكنيسة الغربية على نحو لم تعرفه أبداً البطريركيات الشرقية الأربع -ربما باستثناء مصر. كان إذاً في الغرب حكم للفرد وفي الشرق قيادة جماعية.

ولم يكن ذلك التأثير الوحيد الذي تركته الغزوات البربرية في حياة الكنيسة. لقد عرفت بيزنطية عدداً كبيراً من العلمانيين المثقفين الذين أظهروا اهتماماً جدياً بالأمور اللاهوتية، وقد لعب "اللاهوتي العلماني" دوراً مهماً في الحياة الأرثوذكسية. حتى أن عدداً من البطاركة البيزنطيين المميزين، ومنهم فوتيوس الكبير، كانوا علمانيين عندما اختيروا للسدة البطريركية. أما في الغرب فإن الثقافة الوحيدة التي حُفظت وبقيت في الفترة المظلمة التي رافقت حكم البربر، هي الثقافة التي اختزنتها الكنيسة وخصّت بها الاكليروس فقط. وبما أن العلمانيين في غالبيتهم كانوا لا يحسنون القراءة ولا يستطيعون أن يتفهموا دقائق البحث اللاهوتي أصبح اللاهوت وقفاً على الكهنة.
والأرثوذكسية، مع أنها أوكلت للأساقفة سلطة تعليمية خاصة لم تعرف أبداً مثل هذه التفرقة بين الاكليروس والعلمانيين التي طبعت الغرب بطابعها في القرون الوسطى.

وكما ذكرنا سابقاً فإن غياب اللغة المشتركة أعاق تبادل الآراء والأفكار بين المسيحيتين الشرقية والغربية وجعل من العسير على على الجانب الواحد أن يفهم الآخر. وهذا ما أدى حتى فيما يتعلق بالأمور اللاهوتية، إلى أنواع مختلفة من سوء الفهم. وغالباً ما كانت الترجمات السيئة تعمل على إذكاء سوء الفهم هذا بحيث بات يُخشى أن يكون السوء في الترجمة مقصوداً في بعض الأحيان.

الشرق والغرب أصبحا في غربة عن بعضهما البعض، وغدت هذه الغربة سبباً لمعاناة كثيرة لكل منهما. كان في الكنيسة الأولى وحدة في الإيمان على الرغم من تعدد المدارس اللاهوتية. منذ البدايات الأولى، فهم اليونان واللاتين السر المسيحي كل بطريقته الخاصة. فالنظرة اللاتينية كانت أقرب إلى الواقع والتطبيق بينما كانت النظرة اليونانية تميل أكثر إلى التأمل. كان الفكر اللاتيني تحت تأثير الشرع المدني الروماني، في حين فهم اليونان اللاهوت في إطار العبادة الليتورجية وفي ضوء القداس الإلهي. فإذا فكّر بالثالوث القدوس توقّف اللاتيني أولاً عند وحدانية الألوهة بينما ارتأى اليوناني التشديد على الأقانيم الثلاثة. وتجاه الصلب نجد فكر اللاتيني يتجه أولاً إلى المسيح الضحية، بينما فكر اليوناني يلتفت إلى المسيح الغالب. تحدث اللاتين أكثر ما تحدثوا عن الفداء وتحدث اليونان عن التأله، وهكذا دواليك. وكما كانت الحال في الشرق بالنسبة للمدرستين الأنطاكية والإسكندرية، لم تكن تلك النظرات متناقضة بجد ذاتها بل متكاملة ولكل منها مكانتها في إغناء التقليد الشريف للكنيسة الجامعة. أما الآن، في غمرة هذه الفترة من البتاعد والغربة، إذ لا توجد وحدة سياسية بل ضعف في الوحدة الثقافية، وفقدان اللغة المشتركة، أصبح الخطر كبيراً على اليوناني واللاتين، وبات يُخشى، إذا ما سار كل في طريقه أن يسير فيه حتى نهاية الشوط طارحاً جانباً كل قيمة لرأي الآخر.

نقطتي الاختلاف الرئيسيتين: تكلمنا عن الفروقات المختلفة في وجهات النظر بين الشرق والغرب وقلنا إنها غير متناقضة. ولكن هناك نقطتين حول العقيدة لم يكمِّل بهما الفريقان بعضهما البعض، بل دخلا في نزاع مباشر، وهما موضوع الادعاءات البابوية وموضوع زيادة عبارة "والابن" في دستور الإيمان. إن عناصر التفرقة التي أشرنا إليها في الفقرات السابقة كانت كافية لتهديد وحدة العالم المسيحي، ولكنها لم تكن قد هدمت هذه الوحدة كلياً لو لم يبرز الخلاف حول هاتين النقطتين الأخيرتين. بتحليل هاتين المشكلتين نرى أنهما، وإن تبلور بوضوح الخلاف في منتصف القرن التاسع، كانتا موجودتين بشكل كامن من قبل ذلك التاريخ بوقت طويل.

قضية البابوية: سبق أن تطرقنا للحديث عن البابوية خلال عرض المواقف السياسية المختلفة بين الشرق والغرب، ورأينا كيف أن البنية المركزية المتمحورة حول شخص واحد لكنيسة الغرب اشتدت بفعل غزوات البربر. وطالما لم يطالب البابا بالسلطة المطلقة إلا على الغرب وحده لم تبدِ بيزنطية أي اعتراض. فلم يكن يعنيها في شيء كون الكنيسة الغربية متمركزة في رومية، طالما أنها لا تتدخل في شؤون الشرق. لكن البابا ظنَّ أن سلطته المباشرة تتعدى الغرب إلى الشرق، وما أن فكر في المطالبة بتطبيق هذه السلطة على سائر الكراسي البطريركية الشرقية حتى بدأت المصاعب بالظهور. لقد اعترف اليونان للبابا بأولية شرفية، لكنهم لم يوافقوا على ذاك التفوّق الشامل الذي اعتبره حقاً له. كذلك رأى البابا أنه وحده يتميز بالعصمة، بينما اعتبر اليونانيون أن القرار النهائي في شؤون الإيمان ليس للبابا وحده بل لمجمع يمثل جميع أساقفة الكنيسة. هذان مفهومان مختلفان للتنظيم المرئي للكنيسة.

والموقف الأرثوذكسي تجاه البابوية عبَّر عنه بشكل رائع كاتب من القرن الثاني عشر هو نيسيتاس رئيس أساقفة نيقوميديا:

"أيها الأخ العزيز، نحن لا ننكر على الكنيسة الرومانية حق الأولية بين البطريركيات الخمس الشقيقة، كما نعترف بحقها في تولي الكرسي الأول في المجمع المسكوني. لكنها انفصلت عنّا بفعل ما صنعته، حين تولّت بكبرياء مكانة صدارة إدارية ليست من ضمن وظيفتها... كيف لنا أن نقبل بمراسيم أصدرتها دون استشارتنا وحتى دون أن نعلم عنه شيئاً؟ فإذا شاء الحبر الروماني الجالس على عرش مجده المتعالي، أن يزجرنا ويصدر إلينا الأوامر، وإذا شاء أن يحاكمنا ويحكمنا نحن وكنائسنا أيضاً، دونما تشاور معنا وبمحض استبداده وهواه، فما هي هذه الأخوة؟، بل أي نوع من القرابة هذا؟ المطلوب أن نصبح عبيداً لكنيسة نحن أبناؤها، وتكون رومية بهذه الطريقة ليس تلك الأم المتفانية من أجل أبنائها، بل بالأحرى سيدة قاسية ومتعجرفة تجاه عبيدها".

هكذا كان شعور أرثوذكسي من القرن الثاني عشر، عندما طُرحت هذه القضية في مداها الواسع. وفي القرون التي سبقت، كان الموقف اليوناني تجاه البابوية على كثير من التشابه في جوهره، على الرغم من عدم التعبير عنه بهذه الحدّة الناتجة عن موقف جدلي. حتى العام 850 تحاشى كل من رومية والشرق أي نزاع علني حول مزاعم البابا. لكن كون الاختلاف في وجهات النظر مخبأ جزئياً، لم يخفف أبداً من خطورته.

قضية انبثاق الروح القدس: أما الصعوبة الثانية فقد أثارتها مشكلة إضافة عبارة "والابن" إلى دستور الإيمان النقاوي القسطنطيني وذلك في الفقرة المتعلقة بالروح القدس. وكان يُقرأ الدستور في الأصل هكذا: "أومن... بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد". هذا النص الذي هو الصيغة الأصلية لا يزال كما هو دون تعديل في الكنيسة الأرثوذكسية حتى يومنا هذا. لكن الغرب أدخل عليه عبارة "والابن" (باللاتينية Filioque) بحيث أصبح يُقرأ: "المنبثق من الآب والابن". ليس من المعلوم بوضوح أين وكيف تمت هذه الإضافة لأول مرة، ولكن يبدو أنها ذات أصل اسباني، وقد وضعت كتدبير احترازي ضد الآريوسية. ومن الأكيد أن الكنيسة الأسبانية أدخلت هذه العبارة في مجمع طليطلة (السنة 589)، إن لم يكن قبله. ثم انتقلت هذه الإضافة من اسبانيا إلى فرنسا ومنها إلى جرمانيا حيث رحّب بها شارلمان وتبناها مجمع فرانكفورت الذي اتخذ موقفاً شبه مؤيد لمحاربي الأيقونات (السنة 794). ومن بلاط شارلمان انتقل الجدل حول هذه القضية حين نعت بعض كتّاب هذا البلاط اليونانيين بالهرطقة لأنهم يتلون دستور الإيمان بصيغته الأصلية. ولكن رومية تابعت استخدام الدستور بدون الزيادة حتى بداية القرن الحادي عشر. وفي العام 808 كتب البابا ليون الثالث لشارلمان يقول أنه على الرغم من أنه يجد الأسباب الداعية إلى زيادة عبارة "والابن" صحيحة عقائدياً، فهو يعتقد أن من الخطأ إدخال التغيير على النص الأصلي لدستور الإيمان. وأمر ليون الثالث، عن عمد، بنقش دستور الإيمان، بدون الزيادة، على صفائح فضية وضعت في كنيسة القديس بطرس في رومية. وكانت رومية في ذلك الوقت تلعب دور الوسيط بين جرمانية وبيزنطية.

ولم يبدِ اليونان كثيراً من الانتباه لهذه الإضافة قبل السنة 850، ولكن سرعان ما بدا ردّ فعلهم عنيفاً. عارضت ولا تزال الأرثوذكسية تعارض هذه الإضافة لسببين: أولهما يكمن في الحظر الواضح الذي وضعته المجامع المسكونية على إجراء أي تغيير في دستور الإيمان. وإذا كان لا بد من إضافة، فلا يمكن أن تتم إلا في مجمع مسكوني آخر. فدستور الإيمان هو ملك الكنيسة جمعاء ولا يحق لجزء من الكنيسة أن يشوّهه. والغرب، إذ غيّر اعتباطاً في نص الدستور بدون استشارة الشرق، هو مذنب (كما يقول خومياكوف) بقتل أخيه معنوياً وباقتراف خطيئة بحق وحدة الكنيسة. والسبب الثاني هو أن الإضافة تشكّل خطأ من الناحية اللاهوتية. فبالنسبة للأرثوذكسي، يعتبر الروح القدس منبثقاً من الآب وحده، ومن الخطأ القول إنه منبثق من الابن أيضاً. قد يبدوا لكثيرين أن نقطة المناقشة هذه بعيدة جداً عن الواقع ولا طائل تحتها، ولكن سيقول الأرثوذكسيون الذين يعتبرون أن عقيدة الثالوث القدوس تتصدر الإيمان المسيحي، أن كل تغيير مهما صغر في لاهوت الثالوث يحمل في طيّاته عواقب بعيدة المدى في مجالات عديدة أخرى. فلا تهدم الزيادة التوازن بين أقانيم الثالوث فحسب، بل تُدخل أيضاً مفهوماً خاطئاً لدور الروح القدس في العالم وبالتالي تؤدي إلى تشجيع عقيدة مغلوطة للكنيسة.

هذه الصفحة بالكامل مأخوذة عن كتاب: "الكنيسة الأرثوذكسية في الماضي والحاضر" للأسقف كاليستوس وير
وقد رأينا ضرورة وضعها لأنها تعد مدخلاً لابُد من الإلمام به لفهم جيد للمرحلة الحساسة القادمة في تاريخ الكنيسة

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع