Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


نبدأ ببعض الإيضاحات العامة عن الكتاب المقدس نقترب بواسطتها إليه. الإيضاح الأول يتناول تعريفه: ما هو الكتاب؟

لنقلها ببساطة وقوة: الكتاب كتاب (غريب): ليس هو أعظم الكتب ولا أعمقها ولا أكثرها حكمة، بل هو ذلك الشيء الآخر المختلف عن كافة الكتب البشرية: هو الكتاب الذي يقودنا إلى ما بعد الكلام البشري ليدخلنا مباشرة إلى كلام الله، إلى سر الله. إن كل ميزات الكتاب المقدس وصفاته ناتجة عن صفته الرئيسة هذه: الكتاب غير سائر كتب الناس.

إن المرء أمام هذا الكتاب يحس بنفسه منجذباً ومتحيراً في آن واحد: منجذباً وكيف لا وهذا شيء (آخر) من غير هذا العالم. ومتحيراً لأننا لا نستطيع أن نصل إليه كيف ما كان: إنه يتجاوز جوهرياً إمكانات الإنسان الطبيعية فلا يستطيع الإنسان أن يقترب منه كما يقترب من بقية الكتب. إذا أردنا قراءة كتاب ما فلا بد لنا أولاً من الاستعداد لأجل فهمه: من أجل أن أقرأ يجب أن أتعلم القراءة أولاً. من أجل أن أقرأ وأفهم كتاباً في الطب أو في الرياضيات يجب أن أدرس الطب أو الرياضيات. وكذلك من أجل قراءة كتاب الله علي أن أصير نوعاً ما، الله. وإلا يبقى الكتاب المقدس مغلقاً دوني وأنا مغلقاً دونه، فلا أفهمه على حسب ما أراده مؤلفه، بل قد يبلبلني أحياناً. إن كل الصعوبات التي نلاقيها في فهم الكتاب ناتجة عن هذا الأمر الأساسي: ضرورة تجاوزنا لأنفسنا عند قراءة الكتاب. ويساعدنا على تحقيق هذا التجاوز الروح القدس الذي نلناه بالمعمودية. إنه الروح نفسه الذي أوحى الكتاب. وبهذا الروح عينه سنرى ما هو الكتاب:

أولاً: الكتاب كلام الله في الأساس وهذا هو الشيء الأكثر جوهراً. الكتاب هو كلام الله يعلن لنا سره وأعماله ومقاصده. بل هو الله نفسه، يعلن لنا عن ذاته. غير أن إعلان الله هذا المتكيف مع طريقة فهمنا يدعى كلام الله. إن الإنسان يفهم بواسطة الكلام. إنه يستعمل الكلام حتى عندما يفكر في داخله. وهو لا يبلغ إلى الآخرين إلا بالكلام. ولذلك فبالكلام يأتي إلينا الله.

ثانياً: الكتاب تاريخ البشرية المقدس يعلن لنا بدءها ومصيرها ونهايتها: إنه تاريخ الخلاص. في الفقرة السابقة دللنا على الوجه الإلهي الذي للكتاب، أما الآن فعلى الوجه البشري، على الكتاب كوثيقة إنسانية تهم الإنسان في صميمه أكثر من أي شيء آخر. لأن الإنسانية عبر هذا التاريخ المقدس تعرف ذاتها ومبدأها وغايتها. إنه تاريخ أي أنه يشمل سير البشرية كلها وفي كل زمان. لا يسجل أحداثاً محلية وحسب بل كل ما هو مسجل فيه يتعلق بحال ما بكل الناس في كل مكان وفي كل زمان. إننا نقرأ في سفر التكوين (في البدء خلق الله السماوات والأرض) (تكوين1:1)، ونقرأ في سفر الرؤيا:(رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى قد مضتا) (رؤ1:21). فالكتاب يتكلم عن كل ما هو منظور وما هو غير منظور. في البدء يروي لنا بدء الخليقة وفي الأخير نهايتها وظهور الأرض الجديدة والسماء الجديدة: كل شيء مشمول بين هاتين الآيتين.

ثالثاً: الكتاب مكان لقاء واتحاد بين الخالق والمخلوق وهذا مهم كثيراً: مغزاه أن للكتاب معنى داخلياً، وأنه بالتالي يتعلق فيّ مباشرة. ليس هو تاريخ البشرية كله وحسب بل تاريخ كل نفس، شخصياً، منذ ولادتها حتى اتحادها بالله. هذا هو وجه الحياة الشخصية الروحية الصميمة في الكتاب. فعلينا إذاً قراءة الكتاب بل تأمله كمرآة، مرآة كل نفس وكل خليقة. يجب أن نقرأه بهذا الوعي ليس فقط بوصفه كلام الله نطق به قديماً أو بوصفه تاريخ من سمعوه آنذاك، بل بوعي آني وداخلي: إنه سري أنا، إرادة الله بشأني أنا، على أن أكتشف نفسي في الكتاب. هذا جهاد صعب ولكنه مثمر. أنا لست أعرف نفسي، لست متأكداً من إرادة الله نحوي، فالكتاب في هذا المضمار ينبوع وينبوع لا يخطئ، إنه يتيح لي الحوار مع الله الخالق والاتحاد به.

والآن سنعود إلى النقاط الثلاث أعلاه لنشرحها بأكثر تفصيل.

أولاً: الكتاب كلام الله

هذا يعني أولاً أن الله يتكلم أي إنه يبادر: هو يبدأ فيتكلم فعليّ إذاً أن أسمع وأُطيع.

ويعني بالتالي أن الله إله حي وهذه نقطة مهمة: إن الإنسان بالخطيئة الجدية لم يفقد إيمانه بالله بل- وهذا أكثر خطراً- شوه الله وقتله. أصبح هو الله كما أوحت إليه الحية فخلق هو الله على صورته ومثاله. نحن لا نعني ذلك ولكن الله وعاه أولاً فأعلنه لنا في الكتاب: إن الإنسان (خلق) الله بواسطة مواد الأرض في المنحوتات والأصنام، ثم خلقه بالعقل والذكاء فكلما ارتقى العقل صنع لنفسه إلهاً أرقى وأجمل: الفكر، الجمال، العلم، الخير... ولكن هذا خطأ. هذه أيضاً تصبح أصناماً. إنها الآلهة الكاذبة التي يتكلم عنها الكتاب، ولكن (سيف الله) يبيدها (انظر سفر الرؤيا 17). فمقابل الآلهة الكاذبة نجد الإله الحي. إله يتكلم: إلى الآن كان كل منا يصنع إلهه، إلهه المائت الذي يظهر كلاً منا نحن. إله السياسة مثلاً أو فكرة التقدم البشري، أو المال، إننا نحب ذواتنا فيها، نحب فكرتنا.. أنا أتكلم في الحقيقة عندما يتكلم إلهي.. أما كون الكتاب كلام الله فهذا شيء جديد غريب إلى أبعد حد، شيء عظيم حقاً: لأول مرة في التاريخ منذ الخطيئة الأولى تظهر مبادرة الله فتعلم أنه لا يقاس بأي شيء آخر وأنه الأول والمطلق.

وهذا يعني أيضاً أن الله يعلن ذاته حين يتكلم: عندما نتكلم نحن نعلن عن ذواتنا إلى حد ما، إلى حد بسيط جداً. إن القديسين في أوج قداستهم فقط يعلنون أحياناً عن ذواتهم بكلامهم ولكن الكلام البشري عاجز عن ذلك عادة. أما كلام الله فيعلن الله. ولذا نستطيع الاقتراب إليه دون خطر الضلال أو الخديعة.

ثم عندما يتكلم الله فكلامه قوة: إن كلام الإنسان أيضاً قوة. إني بقوة كلامي أجبر فلاناً على تبني فكرة أو إتيان عمل. أما كلام الله فيفعل: إنه لا يحرك الذهن فقط بل كل الكيان البشري بل الخليقة كلها أحياناً. الخليقة خلقت بتلك الكلمة نفسها فعند تردادها كل ما خلق يرتج ويتأثر.

ثم إن كلام الله يفعل. لا يفعل عشوائياً بل في توجيه نحو غاية. والغاية هي الكلمة ذاتها. إنها تحرك السامعين نحو ذاتها، نحو الله. إذاً الله يتكلم فيفعل ويوجه ويقود إليه.

ماذا يعني أيضاً أن الكتاب كلام الله؟

أفتح الكتاب فأرى الأحرف المكتوبة على الورق. فأين كلام الله وكيف ينبغي أن أفهم ذلك؟ عندما نقول أن كتاباً هو كلام شخص، ما نعنيه هو أن هذا الشخص كتبه، ألّفه. وهذا يعني أنه صوّره أولاً في داخله، كان عنده شيء يقوله ثم قاله في أحرف الكتاب فأصبح الكتاب يمثله. فكيف الله هو مؤلف الكتاب؟ الكتاب كتاب موسى ويشوع ومرقص وغيرهم. ولكن مع ذلك فالله هو المؤلف، هو الذي يوحي: عندي أفكار ومشاعر وإرادة فأعبر عنها عندما أتكلم، أعبر عن أعماق نفسي. ولكن الله حينما يتكلم في الكتاب يضع في (أداته) أفكاره هو وإرادته هو.

إن الإنسان الذي يقتبل وحي الله يكتبه. ولكن الإنسان ليس أداة مائتة كالقلم بل شخص حي. الإنسان كائن مفكر حر. وبالتالي فهو ينقل وحي الله بكلامه هو وطريقته واستطاعته. كلام الله هو وحي الله حقاً ولكنه يمر عبر الإنسان ويتحد بكلامه. إذاً أنا أقرأ في الكتاب كلاماً كتبه إنسان ولكن عليّ أن أدخل إلى حيث الله حاضر في كلام مختاره.

إن البعض يظنون أنهم يكرمون الكتاب بقولهم إن كل كلمة فيه هي من الله. إن تكريم الحرف نوع من الصنمية. الحرف ضد الروح. الأيقونة مثلاً خشبة والقديس إنسان والإنجيل أحرف ولكننا عندما نكرم الأيقونة والقديس والإنجيل لا نكرم مادة الأيقونة أو شخص القديس أو حرف الإنجيل، وإنما حضرة الله المخفية والمعلنة في آن واحد في كل من الأيقونة والقديس والإنجيل. إن حرف الكتاب من (ظهورات) الله يتراءى الله بواسطته، إنه علامة للمؤمن تدل على حضور إلهي من خلال كلام الإنسان. لا تنزع من الكتاب حريته كإنسان مفكر ولكنها تعطي له قوة وإمكانية للتعبير عن كلام الله بكلامه البشري. وفي الحقيقة علينا كلنا أن نصبح ككلام الكتاب كلاماً إنسانياً وإلهياً معاً: على ظروف الإنسان أن تصير مكاناً لحضرة الله وفعله. فإن كلام الله سر تنازل دائماً (يؤالف الإنسان مع الله والله مع الإنسان) على حد قول القديس إيريانوس.

ثانياً: الكتاب تاريخ البشرية المقدس

هناك معنى آخر لكلام الله يدخلنا إلى الوجه الثاني الذي للكتاب وهو أنه تاريخ البشرية: عندما يتكلم الله لا يعلن فقط عن ذاته بل أيضاً وفي آن واحد ينادي ويدعو، يطلب ويوجد جواباً من الإنسان: كلام الله لا يبقى باطلاً دون جواب لأنه خلاق بحد ذاته. الله يتكلم فيخلق لأنه كيان في ذاته وينبوع كل وجود، وكلمة الله الأولى كانت بالضبط كلمة خلق:(في البدء خلق الله السماوات والأرض.. قال الله ليكن نور فكان نور...) (تكوين 1:1 وما بعده). غير أنها كانت خليقة مادية أول الأمر، في حين أن كلام الله يحتاج إلى جواب. فإنه إنما يتكلم محركاً بدافع المحبة: يريد أن يوجد أحداً يقبله ويجاوبه، أحداً يستطيع أن يقبل محبته. إن المحبة المتجهة نحو ذاتها ليست بمحبة بل هي أفظع تحريف لها. إن المحبة تخرج من ذاتها باحثة عن جواب. المرء إن أعطى ينال غنى ونوراً وفرحاً. إن الجواب الأول لكلام الله كان خلق الكون والبهائم الخ.. كما رأينا، ولكنه لم يكن كافياً. فخلق الإنسان على صورته ومثاله: المحبة تلتمس المحبة. الإنسان قادر على إعطاء جواب حر لكلام الله.

ولكن هذا الجواب الحر قد أعطاه آدم ضد المحبة. لقد فكر آدم في ذاته لا في كلام الله، لم يطع الله بل وجه المحبة والطاعة إلى نفسه، إلى كيانه المخلوق.. فسقط. ومنذ سقوط آدم كلام الله لا يزال ينادي الإنسان. إنه يوجد دائماً جواباً ولكن الجواب ليس دائماً إيجابياً، بل هو في الغالب جواب سلبي أو رفض، أو صعوبة في الطاعة رغم رغبة المرء في الطاعة. ذلك لأن الإنسان منذ ظهور الخطيئة لم يعد يعرف الإصغاء إلى كلام الله. إذ ينبغي لكلام الله أن يدخل عميقاً إلى قلب الإنسان المتحجر. (إن قلوبكم من حجر) يقول كتاب العهد القديم، والكلام لا يدخل الحجر. ولكن كلام الله بالرغم من ذلك قادر أن يشق الصخر: كل هذا يعني أن الكتاب حوار مفجع، تقابل مأسوي، بين إرادتين متناقضتين. كل التاريخ المقدس ليس سوى هذه المعركة بين محبة الله للإنسان وجواب الإنسان المنغلق على نفسه والمتمرّد على الله في أكثر الأحيان..

ولكن هذه المعركة تنتهي وتنفرج عندما يقوم إنسان ويجيب الله قائلاً:(هاأنذا أمة للرب فليكن لي حسب قولك) فيأتي حينئذ من يقول:(لم آت لأصنع مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني). إن الحوار المأسوي ينتهي وينفرج بشكل صليب أي إن الاتجاهين المضادين كلياً (العمودي والأفقي) يلتقيان في صليب عندما يتخذ الخلاف ويتبناه واحد تتفق فيه الإرادتان وتتحدان حتى موت الصليب. إن نصيب الإنسان وواجبه أن يجيب فقط لكلام الله. ولكن الإنسان قبل يسوع لا يجيب الله بشكل كلي مطلق. حتى الرجال المختارين خصيصاً من الله لإعلان كلمته، أعني الأنبياء، لا يجيبونه كلياً: إنهم يخضعون له ولكن بالرغم عنهم وهم متألمون، إننا نعرف قصة يونان النبي.. أما ارميا فنراه يقول:(قد خدعتني يا رب فانخدعت، ألححت علي فغلبت.. صار لي كلام البر عاراً وسخرة كل النهار فقلت لا أذكره ولا أتكلم باسمه من بعد لكنه كان في قلبي مثل نار آكلة قد حبست في عظامي فجهدني إمساكه ولم أقدر على ذلك) (ارميا 20: 7-9). وكذلك ابراهيم الخ.. كلهم كانوا بمثابة رسم سابق للذي امتثل وحده لله واتحد به كلياً. فابراهيم لم يدخل أرض الميعاد إنما دفن فيها فقط. وموسى أيضاً لم يدخل أرض فلسطين وبقيت عظامه في البرية. وداود الملك لم يعط أن يبني بيت الرب... إن واحد فقط، بالطاعة الكلية بالجواب الكلي، يدخل ملكوت السماوات بموته وقيامته.

ثالثاً: الكتاب مكان لقاء واتحاد بين الخالق والمخلوق

في الكتاب المقدس أخيراً سر لقاء داخلي مع الله: لا على صعيد الشعب المختار فحسب بل على صعيد القلب الشخصي، أي إن كل واحد منا يجد فيه حياة جديدة. وإلا يكون بالنسبة لنا كلاماً غير مكمل وغير منته، كلاماً لا يبلغ إلى غايته. فعلينا بالتالي أن نحيا في حياتنا الشخصية هذا السر، سر اللقاء بين كلمة الله وبيننا نحن. علينا أن نكون ابراهيم وموسى وداود وإيليا والأنبياء.. حتى نتوصل فنستطيع بنعمة الله أن نقول مع بولس الرسول:(لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ). داخلياً، علينا أن نسير ونسلك مجدداً الطريق التي يعلنها لنا كلام الله في الكتاب. إذا تأملنا مثلاً مصير إسرائيل في الكتاب نجد أنه لم يتقبل كلام الله حتى النهاية. لقد تجسد الكلمة وفتح ملكوت السماوات ولكن إسرائيل لم يعرفه، فقد آثر محبة ذاته، آثر خيراً أرضياً. وهذا الأمر بالذات يتكرر معنا عندما يفتقدنا الله بنعمته. لقد خلقنا على صورته ومثاله ودعانا ووهبنا المعمودية والكنيسة. فعلينا أن نتجنب الظن أن هذا كله إنما هو من حقنا، كما فعل إسرائيل، فنتوقف في الطريق. علينا أن نتضع دائماً أمامنا نعم الله عطاياه. وعندئذ فقط عطاياه تجعلنا نماثله. وإلا فتتوقف العطية ولا تعبر من خلالنا نحوه، لا تعود تقودنا إليه. ينبغي بالتالي أن نحتفظ خلالنا نحوه، لا تعود تقودنا إليه، ينبغي بالتالي أن نتحفظ دائماً، أن نعتبر ذواتنا دائماً في الطريق، سائرين ثم سائرين، إلى اليوم الذي نكون فيه مع يسوع عن يمين الآب.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع