Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


نعتزم الآن الدخول بصورة أعمق إلى فحوى الكتاب وقوامه الداخلي. اقترابنا منه ليس بعد اقتراباً خارجياً بل سنحاول الدخول في كلام الله وإدخال كلام الله فينا. هذا الموقف يجب أن يكون موقفنا في كل ما سنراه في هذا الباب.

نستطيع قبل كل شيء أن نميز ثلاث مراحل لسر كلام الله في الكتاب:

  1. المرحلة الأولى مرحلة إنشاء هي الخلق وتوابعه.
  2. المرحلة الثانية هي السقوط أو الخطيئة. كانت الخليقة حسنة فقاومها الإنسان بموجب حريته فنتج عن ذلك التشتيت والاضطراب.
  3. المرحلة الثالثة هي العودة إلى الوضع الأول بواسطة الله، ولكن بصورة أفضل وأعمق وأعلى، لأن الإله نفسه الذي خلق العالم في البدء ينزل الآن كلياً إلى العالم ويتبنى صورة الإنسان من الداخل... هذه خلاصة عامة جداً عن الكتاب المقدس.

ولكن الكتاب بصورة أدق يعلن لنا سر الخليقة وسر كلام الله فيها في أطوار عديدة. هذه الأطوار محددة بوضوح تام في الكتاب وتؤلف موضوعات ومراحل كبرى جديرة بالتأمل وهي تطابق مراحل حياتنا الشخصية مع الله. فما هي هذه الموضوعات الكبرى في الكتاب؟

أولاً: الخلق والسقوط: خلق الكون وآدم وسقوطه

هذا موضوع يطبق على الحياة الشخصية في كل حين: كلنا خليقة الله وفي الوقت نفسه نحن بعيدون عنه. "سقوطنا" هو بعدنا عن الله نحو الأسفل. نحن في حالة سقوط. ولكن مركز ثقلنا أصبح فوق منذ مجيء المسيح. كل حياتنا أصبحت منجذبة إلى فوق. ومع ذلك سنبقى دائماً وإلى ما لا نهاية بعيدين عن الله. الملائكة أيضاً بعيدون عن الله إلى ما لا نهاية. هذا بالطبيعة هو لأن الله إنما هو الخالق ولا يماثله أحد. "من مثل إلهنا" هذه العبارة هي ترجمة اسم "ميخائيل" رئيس الملائكة الذي وقف في وجه لوسيفروس المتمرد على الله. إنها بمثابة صوت بوق التجمع جواباً على أول محاولة لردم الهوة بين الخليقة والله. "من مثل إلهنا"؟.

ثانياً: الوعد

في هذه المرحلة يتدخل كلام الله لا في الطبيعة الخارجية بالخلق بل في الطبيعة البشرية في النفس: إن وعد الله للإنسان بالخلاص يوجه إلى كائن أهل لقبوله، إلى ابراهيم أبي المؤمنين وأبي كل واحد منا في الإيمان. لقد صار ابراهيم أهلاً واختاره الله لقبول الوعد باسم كل ذريته. وهذا يعني ابتداء مغامرة بشرية جديدة. ينزع الإنسان ذاته من الخليقة البشرية ومن بيئته ليعيش معلقاً فقط بكلام الله. وهذا يطبق علينا كلنا. نحن أولاد ابراهيم إذا تشبهنا به.

ثالثاً: العهد

هنا يبدأ الله تحقيق وعده إذ يعطيه شكلاً أقوى وأمتن: يصبح الوعد عهداً وميثاقاً يرتبط فيه بعلامة لا تزول (ميثاق جبل سيناء). ولكن هناك فريقين في الميثاق وعلى الاثنين أن يكونا أمينين. الفريق الأول أمين حتى النهاية وهو "الأمين، الشاهد الأمين". أما الفريق الثاني وهو الإنسان بل الشعب كله "لأن الميثاق يمتد لأجيال عديدة" فليس أميناً كالله. غير أن الله لا يرجع عن عهده. والذي يمثل الشعب في هذه المرحلة هو موسى. أما ما يطبق علينا هنا فجلي: إن وجودنا بحد ذاته عهد بين الله وبيننا نحن. لقد خلقنا له ونحن به وفيه موجودون وهذا عهد لا ينقض. أما جوابنا فيجب أن يكون الأمانة له. وكما كان على الشعب المختار أن ينقل الأمانة لغيره علينا نحن (وكل منا يمثل شعباً كاملاً من الأفكار والأقوال والتصرفات) أن نجعل كل هذا الشعب فينا أميناً لله.

رابعاً: الملكوت

قام ملكوت إسرائيل وحقق الله وعده فأدخلهم أرض كنعان بعد عبودية مصر والسير في البرية والحروب العديدة. والفترة الآن هي فترة التنظيم والاستقرار في أرض الميعاد. إن هذا رسم لملكوت أسمى سيقيمه الله لا في كنعان فقط ولا للشعب المختار فحسب بل لجميع الشعوب. ورسم الملك الآتي هو الملك داود.

خامساً: الجلاء

بعد أن حل الشعب المختار في أرض كنعان كثف السر الذي كان يتم فيه. كان على الإسرائيليين أن لا ينسوا أنهم صنع يدي الله وأداة له من أجل تحقيق ملكوت أسمى. ولكنهم اتخذوا الملكوت الأرضي هدفاً بحد ذاته وظنوا أن الله سيملِّكهم على بقية الأمم ونسوا الغاية الفائقة الطبيعية التي من أجلها كانوا. لقد تمثلوا بالممالك القائمة حولهم، أشور وغيرها، وتوقعوا أن يصبحوا أقوى منهم فصار الله في خلدهم أداة في أيديهم بدل أن يكونوا هم أداة له. إنهم شعب قاسي الرقبة لا روحانية فيه (1). عندئذ شتتهم الله من جديد، أعادهم إلى البرية. "هاأنذا أتملقها وآتي بها إلى البرية وأخاطب قلبها" (هوشع 2: 14). ليس من بعد ملوك للشعب أو كهنة بل أنبياء وأنبياء شؤم إذ يجب تحطيم قساوة قلوب الشعب وتحطيم الأسس البشرية لمملكة إسرائيل بغية إعدادهم للملكوت السماوي الأخير. إنه تذوق مسبق للآخرة يظهر مع الأنبياء: فليس كل ما كان (داود وأرض كنعان وبناء الهيكل) أن بيت الرب الحقيقي ليس الهيكل. ليست الغاية أن تكونوا ملوك الأرض وتزدهر مواهبكم البشرية. أرض كنعان ليست الغاية الحقيقية وإنما الغاية هي الآخرة. إن مرحلة الجلاء هذه مرحلة مهمة جداً: إنها الانتقال من إسرائيل الجسد إلى إسرائيل الروح.

سادساً: التجسد

إن كل تدبير التجسد (الميلاد والكرازة والصلب والقيامة والصعود والعنصرة) بمثابة الدخول في الأزمنة الأخيرة، في "يوم الرب" الذي تكلم عنه الأنبياء والذي يدخلنا إلى الآخرة. لقد بدأت الآخرة ونحن مجدداً سواح. ولكنها سياحة تسير بنا لا نحو ملكوت أرضي بل نحو الأبدية حيث المسيح مالك في المجد. بالمسيح نحيا ونوجد ونتحرك. وليس علينا إلا أن نقول آمين لتدبير الله إلى أن يصبح هذا الآمين عاماً شاملاً يوم القيامة العامة.

كل ما تقدم موجود بإيجاز في الرسالة إلى أفسس حيث يقول الرسول: "عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض في ذاك" (أفسس9:1 و10). كل الكتاب المقدس هو كتاب خلق الله المستمر المتوالي. "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو17:5). إنه خلق متصل وغير متصل في آن واحد فالله يعمل دون انقطاع متابعاً تحقيق قصده على الدوام، وقصده هو ذلك التيار العميق الجاري تحت التاريخ وتحت النفوس ليخلصها: خلق السماء والأرض، ثم خلق الإنسان ثم خلق الشعب المختار ثم خلق الخليقة الجديدة خليقة القيامة، ثم خلق النفوس الأمنية (في كل لحظة ندخل مشيئة الله "هو يزيد وأنا أنقص"..) ولكنه خلق متقطع في الوقت نفسه بمعنى أنه يتم دائماً بواسطة انفصال عما يسبقه، في بتر وقطع. إن اختيار الله للناس اختيار فائق الطبيعة فما أراد ابراهيم أن يترك أرضه وعشيرته بل الرب أراد وليس عيسو البكر الوارث بل اسحق أخوه الأصغر وهلم جرا. ينبغي أن يحطم الله دائماً ذلك التواصل الذي يجعل إسرائيل يتعلق بالأرض وبآرائه الخاصة. ولذلك حياة إسرائيل كانت حياة جهاد. جهاد بينه وبين الله، جهاد ضد الله. إن لفظة إسرائيل تعني من "يجاهد ضد الله". ولفظة "عبرانيون" (عبر) تعني من هو سائح، لا يتوقف. وعندما "يتوقف" إسرائيل في أرض الميعاد ويبغي لذاته مملكة حسب أفكاره، فعلى الله أن يحطم هذا التعلق ويعيد إسرائيل للجلاء، للسير عبر الصحراء. إن الحياة الروحية إذاً جهاد، نضال ينزعنا كل لحظة عن أنفسنا ويلقينا في الأمانة لإرادة الله إن أنطونيوس الكبير حتى سن الثمانين جاهد وجاهد ليلاً ونهاراً. إن الرب يفرح حين يرى عبيده يجاهدون فهذا هو الدليل الوحيد والشهادة الوحيدة بأننا أمينون لله. لا بد من الجهاد لكي نتجاوز أنفسنا ونتسامى فوق ذواتنا. إن البركة لا تأتي إلا بعد جهاد. بركة الملاك ليعقوب لم ينلها هذا إلا بعد ليلة كاملة من الضيق والعراك (تكوين 32: 24-29). والمسيح سلك هذه الطريق قبلنا.

 

 


(1) الهنود مثلاً قوم أكثر روحانية من اليهود. إنهم يفتشون عن الملكوت ويتركون كل شيء في سبيله ممتدين نحو المطلق. ولكن الله لم يخترهم لأنه يصعب عليهم أن يميزوا في شعورهم الروحي الطبيعي بين ما هو من الله وبين ما هو منهم، في حين أن الله يريد أن يتميز بصورة مطلقة. لا شك في أنه يوجد، في كل زمان ومكان، أناس حكماء وقديسون ولكن الله قد اختار أكثر الشعوب قساوة وأكثرهم مادية ليختنهم ويختن قلبهم.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع