Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


” فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ” (رو1:5).

          1 ـ ماذا تعني عبارة " لنا سلام"؟ يقول البعض إن " لنا سلام" تتعلق بالالتزام بأعمال الناموس، إلاّ أنه يبدو لي وكما هو واضح من الكلام، أنه يتحدث عن كيفية السلوك. لأنه قد تكلم كثيراً عن الإيمان والبر بالأعمال، لذلك نجده هنا يبدأ بالكلام عن السلام. ولكي لا يظن أحد أن هذا الكلام ليس له أهمية، يقول: " لنا سلام" وهذا يعني أنه لا ينبغي أن نُخطئ بعد، ولا أن نعود للأمور السابقة، لأننا إن فعلنا هذا نكون مقاومين لمشيئة الله. وكيف نستطيع ألاّ نخطئ أبداً؟ أُجيب، ألم نحصل على السلام من قبل؟!! لأنه وإن كُنا مسؤولين عن هذا القدر الكبير من الخطايا، إلاّ أننا قد تخلّصنا منها كلها بالمسيح، ولهذا بالأولى جداً الآن سيمكننا بالمسيح أن نبقى في ذلك الوضع (أي حالة البر) التي كانت لنا في الماضي.

          لأن اكتساب السلام الذي لم يكن موجوداً والاحتفاظ بالسلام الذي أُعطى لنا لا يعتبرا شيئاً واحداً، لأنه من المؤكد أن اكتسابه هو أكثر صعوبة من الاحتفاظ به. بيد أن ما هو أكثر صعوبة، صار سهلاً وقد تحقق. وبناء على ذلك فإن الأكثر سهولة، سيكون سهلاً أكثر فأكثر بالنسبة لنا لو أننا تبعنا ذاك الذي حقق لنا البر والسلام. لكن يبدو لي هنا أنه لا يقصد فقط الأمر الأسهل، بل أيضاً الأمر المنطقي أو الصحيح. لأنه إن كان المسيح قد صالحنا ونحن بعد أعداء، فمن المنطقي أن نحافظ الآن على استمرارية هذا الصلح، وأيضاً أن ننسب الفضل فيما تم للمسيح، حتى لا يبدو أن أولئك الذين صالحهم مع الآب لازالوا قساة وجاحدين. 

” قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون” (رو2:5).

إذاً إن كنا ونحن بعيدين قد جعلنا قريبين، فبالأكثر جداً سيُثّبتنا فيه، إن بقينا بالقرب منه.

          2 ـ لكن لاحظ ـ من فضلك ـ كيف أن الرسول بولس يُشير في كل موضع إلى الأمرين، إلى الأمور الخاصة بالله وتلك الأمور الخاصة بنا. بيد أنه من المؤكد أن الأمور الخاصة بالله هي متنوعة وكثيرة، لأنه مات لأجلنا وصالحنا، وجعلنا قريبين منه ووهبنا نعمة لا يُعبر عنها، هذا ما قدّمه هو لنا أما ما قدمناه نحن هو الإيمان فقط. ولهذا قال " بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون". أخبرني، عن أي نعمة يتحدث؟ إنه يتحدث عن نعمة أن نكون مستحقين لمعرفة الله وأن نُنقذ من الخداع وأن نعرف الحقيقة جيداً وأن نحصل على كل الخيرات بواسطة المعمودية. لقد قادنا نحو البر لكي نحصل على كل هذه العطايا. ومن المؤكد بالطبع أن كل هذا لم يصر لمجرد الغفران والتخلص من الخطايا فقط، بل لكي نتمتع بامتيازات لا تُحصى. ولم يتوقف عند الوعد بهذه الخيرات، لكنه وعد بخيرات أخرى غير مُعلنة وهي التي تفوق كل فكر وكل لغة والتي لا يُعبر عنها. ولهذا عينه أشار إلى الاثنين. لأنه عندما يتحدث عن "النعمة" فهو يقصد الخيرات الحاضرة التي حصلنا عليها، ولكن عندما يقول: " ونفتخر على رجاء مجد الله" فإنه يكشف عن غنى خيرات الدهر الآتي. وحسناً قال " التي نحن فيها مقيمون". لأن هكذا تكون نعمة الله، لا نهاية لها، ولا تعرف التوقف عند حد معين، لكنها تقود دوماً نحو الأمور الأسمى، الأمر الذي هو خارج قدرات البشر. بمعنى أنه يمكن أن يكتسب شخص ما مبادئ معينة ومجداً وسلطة، إلاّ أنه لا يستطيع أن يُقيم فيها على الدوام، لأنه سيفقدها سريعاً، حتى لو لم ينزعها منه إنسان، لأن الموت عندما يأتي سينزعها منه على كل حال، بيد أن الخيرات الإلهية لا تخضع لمثل هذه التحولات. لأنه لا الإنسان ولا الزمن ولا الظروف العارضة ولا الشيطان نفسه ولا الموت عندما يأتي سيستطيع أن يُبعدنا عن هذه الخيرات، بل عندما ننتقل من هذا العالم سنملك المزيد من هذه الخيرات وسنتمتع بها أكثر.

          وبناء على ذلك ينبغي ألاّ ينتابك أي شك من جهة خيرات الدهر الآتي لأنها استعلنت بالفعل في الخيرات التي نلناها في هذه الحياة الحاضرة. لهذا قال: " ونفتخر على رجاء مجد الله". هذا لكي تعرف ماهية الحالة الروحية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن. لأننا تأكدنا ليس فقط من جهة الخيرات التي أُعطيت لنا بل أيضاً من جهة الخيرات التي ستُعطى لنا في الدهر الآتي كما لو كانت قد أُعطيت بالفعل، لأن الإنسان يفتخر بتلك التي أُعطيت بالفعل. إذاً طالما أن الرجاء في خيرات الدهر الآتي هو أمر مؤكد وواضح، تماماً مثلما تحقق الرجاء في الخيرات التي أُعطيت لنا في الحياة الحاضرة، فلذلك يجب أن نفتخر بهذا الرجاء (أي المتعلق بخيرات الدهر الآتي) بطريقة مشابهة، ولهذا فإنه أطلق كلمة مجد على هذه الخيرات. لأنه إن كانت هذه الخيرات تُساهم في اعلان مجد الله، فإنه من المؤكد أنها ستتحقق، وإن لم يكن لأجلنا فقط بل لحساب مجد الله أيضاً. ماذا أقول، هل أن خيرات الدهر الآتي هي فقط التي تستحق الافتخار؟ بالطبع لا، بل أن الضيقات الحاضرة قادرة أيضاً على أن تجعلنا نفتخر بها ونزهو بسببها. ولهذا فقد أضاف: " وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضاً في الضيقات". تأمل إذاً كم ستكون خيرات الدهر الآتي عظيمة ومهمة، وذلك عندما نفتخر بتلك الأمور التي تبدو أنها محزنة لأن عطية الله هي عظيمة ولا يوجد فيها أي شيء مُحزن. لأن الجهاد فيما يختص بأمور هذا العالم الحاضر، يحمل مشقة وألم وتعب، لكن فيما يختص بالأمور الروحية، لا يحدث نفس الشيء بل إن الجهاد بالنسبة لنا، ليس أقل بهجة من المكافآت. فالتجارب آنذاك كانت كثيرة، ومع هذا فقد تجلى الملكوت بالرجاء الذي فينا، وكان يُنظر للخيرات على رجاء تحقيقها في الدهر الآتي، مع أن الضيقات أيضاً كانت حقيقة واقعة، وهذا ما جعل الضعفاء يتشددون. هكذا يُقدم الرسول بولس فعلياً المكافآت قبل التتويج، بقوله: " إنه ينبغي أن نفتخر في الضيقات ". ومن الملاحظ أنه لم يقل إنه يجب أن تفتخروا، لكنه قال "نفتخر"، مقدماً النصح لشخصه أيضاً. ثم بعد ذلك لأن الكلام يبدو أنه غير مُعتاد وغريب على الآذان ـ إذ أنه يجب أن يفتخر كل مَن يُصارع الجوع والمقيد والذي يُعذب وأيضاً مَن يُحتقر ويُستهزئ به ـ ولذلك فهو يقدم شرحاً لهذا المفهوم فيما بعد. والأمر المهم هنا هو أن ما يستحق الافتخار ليس هو فقط خيرات الدهر الآتي التي تنتظرنا، بل وخيرات الحياة الحاضرة أيضاً. فالضيقات نفسها هي أمراً صالح. ولماذا تعتبر أمر صالح؟ لأنها تُنشيء صبراً. ولهذا تحديداً، فبعدما قال " نفتخر في الضيقات"، أضاف السبب (الذي من أجله، نفتخر في الضيقات)، قائلاً:

” عالمين أن الضيق يُنشيء صبراً ” (رو3:5).

          انظر إلى إصرار الرسول بولس، فإنه يحول كلمته مرة أخرى في الاتجاه الآخر. لأن الضيقات جعلت هؤلاء يتعبون، فعلى الرغم من أنهم كانوا يترجون خيرات الدهر الآتي إلاّ أنها قادتهم لليأس، فيقول لهم إنه يجب من جهة هذه الضيقات أن نتحلى بالشجاعة ولا نيأس لأن خيرات الدهر الآتي هي أمر مؤكد:

” لأن الضيق يُنشيء صبراً والصبر تزكية والتزكية رجاء والرجاء لا يخزى” (رو4:5ـ5).

          فالضيقات إذاً لا تستطيع أن تمحى هذا الرجاء بل على العكس فإنها تُزيده. لأنه من المؤكد أن الضيق له ثمر عظيم حتى قبل الحصول على خيرات الدهر الآتي، هذا الثمر هو الصبر الذي يجعل مَن يتذوقه إنساناً كاملاً، بل ويُساهم أيضاً في التطلع نحو خيرات الدهر الآتي، طالما أنه يجعل الرجاء يزدهر داخلنا. لأنه لا يوجد شيئاً يجعلنا نترجى خيرات الدهر الآتي أكثر من الضمير الصالح.

          3 ـ ولا يوجد أحد ممن عاشوا في حياة مستقيمة يمكن أن يشك في خيرات الدهر الآتي، تماماً كما أن هؤلاء الذين أهملوا وتهاونوا كثيراً في حياتهم إذ قد صاروا مأسورين من جهة ضميرهم الشرير، فإنهم لا يريدون أن تكون هناك دينونة ولا مجازاة. إذاً ماذا يحدث؟ هل ما ننتظره من خيرات يتحقق بالرجاء؟ من المؤكد أنه يتحقق بالرجاء، لكن ليس في الرجاء الإنسانى، لأنه رجاء كاذب. وكثيراً ما تخيب آمال مَن وضع رجائه في إنسان، فقد يحدث أن يفارق الحياة ذاك الذي كان يُنتظر منه تحقيق هذا الرجاء، أو قد يغير رأيه وهو لا يزال على قيد الحياة. إلاّ أن الخيرات التي تنتظرنا ليست هكذا، إذ الرجاء فيها مؤكد وثابت. لأن ذاك الذي وعد هو حى على الدوام، أما من جهتنا نحن الذين سنتمتع بهذه الخيرات، حتى وإن متنا، إلاّ أننا سنقوم مرة أخرى. وبشكل عام لا يوجد شيء يمكن أن يُخزينا، كما لو أننا قد تباهينا بلا داعٍ في أمور لا طائل منها.

 

إذاً بعدما أزال الرسول بولس كل شك فيما يتعلق بالخيرات الإلهية كما أوضح في كلامه السابق، فإنه لم يكتفِ بالحديث عن خيرات الحياة الحاضرة بل أخذ يتكلّم مرة أخرى عن خيرات الدهر الآتي، لأنه يعرف أن الضعفاء في الإيمان يطلبون أمور الحياة الحاضرة، لكنهم لا يكتفوا بها. ولذلك يؤكد على تحقيق خيرات الدهر الآتي من خلال الخيرات التي أُعطيت في هذه الحياة بالفعل. ولكي لا يقول أحد، ماذا لو أن الله لم يُرد أن يمنحنا هذه الخيرات؟ لأنه من حيث إنه يستطيع وإنه باقٍ، وأنه حى (إلى الأبد)، فهذا نعرفه جميعاً، لكن ما الذي يجعلنا مُتيقنين من أنه يريد (أن يهبنا هذه الخيرات)؟ نستطيع أن نتيقن من هذا من خلال الخيرات التي أُستعلنت لنا بالفعل وأين أُستعلنت؟ أُستعلنت في المحبة التي أظهرها لنا. وهل ما يقوله يفعله؟ بالطبع لأن هذا ظاهر من خلال وعده بعطية الروح القدس. ولهذا فبعد أن قال: " والرجاء لا يُخزى" أضاف الدليل على هذا بقوله: " لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا". ولم يقل أُعطيت، لكن " انسكبت في قلوبنا"، لكي يُظهر فيض هذه المحبة. لأن تلك العطية العظمى التي وهبها ليست هي السماء والأرض والبحر، بل هي أكثر غنى من كل هذه الأمور، إذ جعل من البشر ملائكة وأولاداً لله وإخوة للمسيح. وما هي هذه العطية؟ هي عطية الروح القدس. لأنه إن كان لا يشاء أن يهبنا تيجاناً مُنيرة بعد كل الأتعاب، لما كان قد أعطانا خيرات وفيرة قبل هذه الأتعاب. والآن هو يظهر دفء محبته في الحياة الحاضرة لأنه لم يكرمنا رويداً رويداً وقليلاً قليلاً، لكنه سكب كل مصدر الخيرات التي صارت لنا قبل أن نجتاز في الجهادات.

          وبناء على ذلك حتى وإن كنت غير مستحق لا تيأس لأن لديك مُدافعاً عظيماً، التي هي محبة الديان. ولهذا بعدما قال: " الرجاء لا يخزى"، نسب كل شيء لمحبة الله وليس لإمكانيات خاصة بنا. لكنه بعدما أشار إلى هبة الروح القدس، ينتقل مرة أخرى إلى الكلام عن الصليب قائلاً الآتي:

” لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار. فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار. ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضاً أن يموت لكن الله بيّن محبته لنا ” (رو6:5ـ7).

إن ما يقوله يعني إن كان من أجل إنسان صالح لا يُفضل أحد أن يموت على الفور، فانظر إلى محبة الرب الذي صُلب لا من أجل أتقياء، بل من أجل خطاة وأعداء. وبعد هذا قال:

” لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. فبالأولى كثيراً ونحن متبررون الآن نخلص به من الغضب. لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه. فبالأولى كثيراً ونحن مصالحون نخلص بحياته” (رو8:5ـ10).

          إن هذا الكلام يبدو كأنه نفس الكلام السابق، إلاّ أنه يبدو مختلفاً بالنسبة  للشخص المدقق الذي يفحص المعنى بعناية. انتبه، فهو أولاً يريد أن يؤكد لهم على الخيرات التي تنتظرهم في الدهر الآتي. ويوضح كيف كان إبراهيم البار ينظر إلى إمكانية حصوله على تلك الخيرات، قائلاً إنه " تيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضاً" [1] ،وهذه الخيرات قد تحققت بعد ذلك من خلال النعمة التي أُعطيت لنا، ثم من خلال الضيقات لأنها تقودنا إلى الرجاء، وأيضاً من خلال عمل الروح القدس الذي أخذناه. لكنه يُبرهن فيما بعد على هذا الأمر من خلال الحديث عن الموت الذي ملك علينا وخطايانا السالفة. الواضح ـ وهو الأمر الذي أشرت إليه سابقاً ـ أن الكلام يحمل بُعداً واحداً ولكنه في الحقيقة يحمل أبعاد ثانية وثالثة وأكثر من ذلك. أولاً أنه مات. ثانياً أنه مات لأجل الخطاة. ثالثاً أنه صالحنا وخلصنا وبررنا وجعلنا أبناءً وورثة.

          الواضح أننا لن نكون أقوياءً فقط في مواجهة الموت، بل نحن أقوياء بواسطة هذا الذي أُعطى لنا بالموت. وإن كان من المؤكد أنه ونحن بعد خطاة قد مات المسيح لأجلنا، فهذا في حد ذاته يعد دليلاً على محبة الله التي لا توصف، أما من حيث أنه مات ونحن بعد خطاة وأعطى عطايا لا يُعبّر عنها، فإن هذه العطايا تفوق كل امتياز وتقود إلى الإيمان حتى بالنسبة لمَن فقد الحس تماماً. لأنه ليس آخر هذا الذي خلّصنا، لكنه هو ذاك الذي أحبنا بشكل فائق، على الرغم من أننا كنا خطاة، حتى أنه قدّم نفسه للموت لأجلنا. أرأيت كم يُساهم هذا الكلام المشار إليه في التطلع نحو خيرات الدهر الآتي؟ لأنه قبل أن يتحقق هذا كان هناك أمران يتسمان بالصعوبة يعوقان نوالنا الخلاص، لقد كنا خطاة وكان ينبغي أن يموت الرب عنا لكي نخلص، وهذا يعني أن الخلاص كان يستحيل إتمامه بالفعل قبل (موت الرب). وأن الخلاص كان يحتاج لمحبة غامرة، فإن كان كل هذا قد تحقق فما يتبقى يكون سهل التحقيق، فلن يسود علينا الموت فيما بعد، لأننا صرنا محبوبين جداً.

          إذاً فذاك الذي قهر الأعداء وأذلهم، ألا يُقدم لنا العون؟ الآن وقد صرنا محبوبين وحيث لا توجد حاجة بعد لأن يُسلّم ابنه للموت ثانية، فنحن نرى أن المرء لا يُقدم على إنقاذ الآخر لاعتبارات كثيرة، إما لأنه لا يريد أو لأنه لا يستطيع حتى ولو أراد، وهي أمور لا نستطيع بالطبع أن ننسبها لله لأنه قد سلم ابنه (للموت). فمن حيث إنه يستطيع، فهذا ما أظهره لأنه قد برّرنا ونحن بعد خطاة. إذاً هل هناك عائق يمكن أن يمنعنا بعد ذلك أن نتمتع بخيرات الدهر الآتي؟ لا يوجد.

ثم بعد ذلك أيضاً، ولكي لا تشعر بالخجل في المستقبل، إذ أنك قد سمعت كلمات مثل خطاة وأعداء وضعفاء وجاحدين، فاسمع ما يقول:

” وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضاً بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة ” (رو11:5).

          ماذا يعني بعبارة "وليس ذلك فقط"؟ يعني أننا لم ننل فقط الخلاص، بل أننا نفتخر أيضاً بهذا الخلاص، وتحديداً بالخلاص الذي قد يتخيله البعض، أننا نخجل منه. لأننا عندما نخلص، بينما كنا نحيا في الشرور فهذا دليل قوى جداً على أن ذاك الذي خلّصنا قد أحبنا بشكل يفوق الوصف (وهذا ما يدعو للافتخار). لأنه لم يخلّصنا بملائكة أو رؤساء ملائكة، بل بابنه وحيد الجنس [2] . وليس هذا فقط بل أنه قد ضفر لنا تيجان افتخار كثيرة جداً بدم ابنه. لأنه لا يوجد شيئاً يعادل ـ إذا ما تحدثنا عن سبب المجد والافتخار ـ حقيقة محبة الله لنا ومحبتنا نحن لذاك الذي أحبنا. هذا (الحب) جعل الملائكة والرئاسات والقوات في بهاء، وهذا الحب هو أعظم من مجرد التمتع بالملكوت. ولهذا فإن الرسول بولس قد وضعه قبل الملكوت. ومن أجل ذلك فإنى أطوّب القوات غير المرئية لأنهم يُحبون الله ويخضعون له في كل شيء. ولهذا السبب أيضاً فإن النبي قد أُعجب بهم، قائلاً: " باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره" [3] . ولهذا السبب فإن إشعياء قد امتدح خدمة السيرافيم [4] ، مشيراً إلى فضيلتهم العظيمة من حيث إنهم يقفون بالقرب من العرش الإلهي، الأمر الذي يُعد دليلاً على المحبة الكبيرة.

          4 ـ إذاً فلنتبع نحن أيضاً القوات السمائية ولنهتم ليس فقط بأن نقف بالقرب من العرش، بل لأن نحمل داخلنا ذاك الذي يجلس فوق العرش، لأنه أحب حتى الذين أبغضوه ومازال يُحبهم إذ أنه: " يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار الظالمين" [5] . إلاّ أنه ينبغي عليك أنت أن تحبه، على الأقل طالما أنه أحبك. لكن كيف يستطيع ذاك الذي يحب أن يُهدد بجهنم والجحيم والعقاب؟ يهدد بهذا من أجل المحبة ذاتها. لأنه يريد أن يجتث خطيتك بالترهيب الذي يستخدمه كلجام يضبط به اندفاعك نحو الأمور الأكثر سوءاً، وهو يصنع كل شيء لكي يضبط سلوكك ويوجهك نحو الطريق المستقيم، سواء عن طريق الوعد بالخيرات أو بالتحذير من الانحدار إلى الأمور المحزنة، فيعود بك إلى الطريق المؤدى إليه مُبعداً إياك عن كل الشرور التي هي أكثر فزعاً من الجحيم ذاته.

          لكن لو أنك تسخر مما أقوله وتريد أن تحيا في الخطية على الدوام اعتماداً على مجرد إدانتك لنفسك يوماً واحداً، فهذا لا يُعد أمراً غريباً على الإطلاق. هذا هو بالحقيقة دليل على إرادة تفتقر للكمال وعلى غياب الوعى وعلى مرض غير قابل للشفاء. لأن الأطفال الصغار عندما يرون الطبيب وهو يكوى جرح [6] ، أو يقوم بإجراء عملية، فإنهم يهربون مبتعدين عن المكان وهم يصرخون صرخات قوية مُفضلين بالأكثر أن يعانوا باستمرار من تلك الآلام التي ألمت بجسدهم على تدخل الطبيب حتى وإن أدى تدخله إلى الشفاء والتمتع بصحة جيدة، طالما أنهم قادرون على احتمال الألم مؤقتاً. لكن أولئك الذين لديهم إدراك يعرفون جيداً أن المرض هو أكثر رعباً من الجراحة، تماماً كما أن الخطية هي أكثر سوءاً من العقوبة. إذاً فأحد الأمرين يعني الشفاء والصحة، بينما الآخر يعني البلية والمرض المستمر.

          أما من حيث إن الصحة هي أفضل من المرض، فهذا أمر واضح للجميع. كما أنه يحق لنا أن نُرثي اللصوص، لا عندما يمزقون جيوبهم، بل عندما ينقبون الحوائط ويقتلون. فإن كانت النفس هي أفضل من الجسد وهي هكذا بالفعل، فإذا ما فسدت يكون أمراً مبرراً أن نتنهد ونحزن عليها، لكن لو أنها لم تشعر بأنها فسدت، فإنه لهذا السبب بالتحديد يجب أن نحزن عليها بالأكثر. لأنه ينبغي حقاً أن نحزن بالأكثر على أولئك الذين يرغبون في ممارسة الفجور والفسق وأولئك الذين يسكرون. وقد يتساءل المرء لماذا نفضل هذه الأمور (الفسق والفجور)، إذا كانت هي الأكثر فزعاً؟ لأنه وفقاً للنموذج الشائع فإن بعض الناس يُعجبون بالأمور المشينة ويفضلونها ويحتقرون الأمور الصالحة ويُرذلونها. هذا الأمر من الممكن أن نراه في كل شيء، في المأكولات وفي المدن وفي محاكاة أساليب حياة معينة وفي الاستمتاع بالشهوة وعند النساء وفي البيوت وعند المقيدين وفي الحقول وفي كل الأمور الأخرى.

أخبرنى، أيهما أكثر سعادة، هل هي العلاقة الجنسية مع نساء أم مع رجال؟ وأيهما أفضل أن تكون العلاقة مع نساء أم مع حيوانات؟ لكننا نجد أن الكثيرين يحتقرون النساء ويأتون في علاقات جسدية مع حيوانات ومع رجال مثلهم، مع أنه من المؤكد أن العلاقات الطبيعية هي أكثر سعادة من العلاقات الشاذة. لكن يوجد كثيرون يسعون نحو هذه الأمور المدانة والمنفّرة والمثيرة للسخرية كما لو كانت تجلب سعادة أكثر وهم بذلك يجلبون على أنفسهم العقاب. فهذه الأمور الفاضحة تبدو لهؤلاء على أنها مُفرحة، من أجل هذا تحديداً هم تعساء، لأنهم يعتقدون أن الأمور التي ليست بالمفرحة، هي مُفرحة. هكذا يعتبرون أن الدينونة هي أشر من الخطية. والأمر ليس كذلك بل هو على العكس تماماً، إذ أن الخطية هي أكثر فزعاً من أي عقوبة. لأنه إن كان العقاب شراً لأولئك الذين يخطئون، فلن يضيف الله شراً على شرورهم (بواسطة عقابه) ولن يجعلهم أكثر شراً. لأن ذاك الذي فعل كل شيء لكي يمحو الشر، لا يمكن أن يكون سبباً في زيادته. وبناء عليه فإن العقوبة ليست شراً لذاك الذي يخطئ، بيد أن الشر هو ألاّ يُعاقب الخاطئ في الحالة التي يوجد فيها، لأن هذا يشبه تلك الحالة التي فيها نوصى بألاّ يُشفى المريض من مرضه.

          إذاً لا يوجد أشر من الشهوة الفاسدة. وعندما أقول الفاسدة أقصد شهوة اللذة وشهوة المجد الباطل وشهوة السلطة وبشكل عام شهوة كل الأمور غير الهامة وغير الضرورية. لأن مثل هذا الإنسان الذي يحيا في اللذة أو حب الشهوة وفي حياة الرخاوة يعتقد أنه أكثر سعادة من الجميع، إلاّ أنه في الحقيقة هو أكثر تعاسة من الجميع وقد جعل نفسه مُثقّلة بآلام مخيفة. ولهذا فإن الله جعل هذه الحياة الحاضرة صعبة لكي يُخلّصنا من تلك العبودية (عبودية الشهوة) ويقودنا إلى الحرية الكاملة. ولذلك فقد هدّد بالعقاب وربط حياتنا بالأتعاب لكي يقضى على خمولنا وتوانينا. هكذا فإن اليهود عندما كانوا مُخصصين لصناعة الأوانى الفخارية والأرميد وقد كانوا أبراراً كانوا يُصلّون إلى الله بشكل مستمر، ولكن عندما نالوا الحرية تذمروا وأغضبوا الله وأصابوا أنفسهم بشرور كثيرة.

إذاً بماذا تصف هؤلاء الذين يُغيرون آرائهم مرات كثيرة بسبب الضيقات؟ نقول إن التغيير ليس بسبب الآلام، لكن بسبب ضعف أو مرض فيهم. لأنه إن كان هناك مرضاً ما أصاب معدة شخص ورفض أن يتناول دواءاً مر المذاق كان من الممكن أن يشفيه، فتدهورت حالته، فإننا لن نتهم الدواء بل المرض الذي أصاب العضو المريض، وهذا ينطبق أيضاً على إلقاء اللوم على سذاجة الفكر. فإن مَن يغيّر رأيه بسهولة بسبب الضيقات، سيعني الضيقات بصورة أكثر سهولة حتى في حالة الراحة والرخاء، إذ أنه يسقط مُقيداً أي بالخطية (هذا هو الضيق)، وبالأكثر جداً سيسقط صريعاً لو أنه وهو في حالة الضيق قد غير رأيه، لأنه سيُغير رؤيته بالأكثر عندما يكون في حالة رخاوة وكسل. وقد يقول المرء كيف يمكننى أن أثبت على رأيي عندما أكون في حالة ضيق؟ يمكنك أن تكون ثابت الرأي لو أدركت أنك ستعانى الضيق أو الآلام سواء أردت أم لم تُرد، فلو أنك تجوز الآلام بشكر ستربح الكثير، ولكن لو كنت تعانى هذه الآلام بيأس وانزعاج وتجديف، فلن تجعل الضيقة أو النكبة أقل، بل ستغرق أكثر في الضيقات والمتاعب.

          فلنفكر إذاً في كل هذه الأمور ونجعل الذي يأتي نتيجة اضطرار يأتي نتيجة إختيار. وما أقصده هو الآتي: قد يفقد شخص ما ابنه وآخر يخسر كل ثروته فنقول لمثل هؤلاء: إن كنت تدرك استحالة تصحيح ما حدث إلاّ أنك من الممكن أن تربح شيئاً من وراء هذه النكبة التي لا شفاء منها، بأن تحتمل هذه الكارثة بشجاعة وبدلاً من كلام التجديف، تُعطى المجد لله عندئذٍ فإن الضيقات التي ألمت بك ستصير سبب عزاء عندما تقبلها بالشكر. أرأيت أن ابنك مات وهو صغير السن؟ لتقل: " الرب أعطى الرب أخذ" [7] . ورأيت كيف فُقدت ثروتك؟ لتقل " عرياناً خرجت من بطن أمى وعرياناً أعود إلى هناك" [8] . إن رأيت كيف أن الأشرار ينعمون بينما الأبرار يتألمون ويعانون ضيقات لا حصر لها ولا تعرف كيف تجد سبباً لكل ما يحدث؟ لتقل " صرت كبهيم عندك ولكن دائماً معك" [9] .

          ولكن إذا كنت تبحث عن السبب، فكّر في أن الله قد عيّن يوماً فيه يدين كل المسكونة وسينزع كل شك، لأنه في ذلك الوقت سينال كل أحد ما يستحقه (عن أعماله التي عملها) تماماً مثل لعازر والغنى. تذكّر الرسل لأنهم بينما جُلدوا وطُردوا وجازوا ضيقات وآلام لا حصر لها، إلاّ أنهم كانوا فرحين لأنهم حُسبوا مستحقين أن يهانوا من أجل اسم المسيح. وأنت أيضاً لو أنك مرضت فليكن قبولك للألم برضى وشجاعة، ولتشكر الله على كل حال وهكذا ستأخذ نفس المكافأة مع أولئك الذين تألموا من أجل اسمه. لكن كيف يحدث بينما أنت مريض وتعانى، يمكنك أن تشكر الله؟ يمكنك أن تفعل ذلك لو أنك تحبه بالحقيقة. إن الثلاثة فتية أُلقوا في أتون النار وآخرون عانوا آلاماً كثيرة داخل السجون ومع هذا لم يتوقفوا عن شكرهم لله، فبالأولى كثيراً أولئك الذين يعانون من أمراض شديدة ينبغي أن يشكروا الله.

          لأن رغبة الإنسان القوية تستطيع أن تنتصر على كل شيء. فالشوق الإلهي عندما يلتهب فى داخلنا فإنه يتفوق على كل شيء، ولن يعوق هذه الرغبة أي شيء، لا نار ولا قيود ولا فقر ولا مرض ولا موت. وطالما أن الإنسان يحتقر كل شيء فسيرتفع إلى السماء ولن يكون أقل من الساكنين هناك ولن ينظر لأي شيء آخر، لا سماء ولا أرض ولا بحر لأن نظره يكون معُلّقاً بأمر واحد فقط الذي هو جمال المجد السمائى. إن الأمور المحزنة أيضاً لا يمكنها أن تُثبّط من عزيمة الإنسان وهو يسلك في هذه الحياة الحاضرة، ولا الأمور المادية ستجعله يتباهي ويفتخر. إذاً فليكن لدينا شوق لهذا العشق الإلهي (لأن لا شيء يساويه) من خيرات هذه الحياة أو الخيرات المستقبلية، من الأفضل أن نقول قبل كل هذا إنه لا يوجد شيء يعادل طبيعة هذا العشق الإلهي. لأننا (بهذا العشق الإلهي) سننجو من عقوبات الحياة الحاضرة وعقوبات الدهر الآتي وسنتمتع بملكوت الله. وقبل ذلك نقول إن لا الخلاص من جهنم ولا التمتع بالملكوت يعتبر أمراً ذى قيمة كبيرة إذا ما قورن بذاك الذي سنراه في الدهر الآتي. لأن الأعظم من كل هذا هو محبة المرء للمسيح وتمتعه بمحبة المسيح. لو ساد هذا على حياة البشر فهو أسمى من كل اعتبار. وعندما يتحقق هذا فأي حديث وأي فكر يمكن أن يُعبّر عن طوباوية هذه النفس؟ لا يوجد شيء آخر، سوى اختبار تذوق هذه السعادة.

          ومادمنا قد هجرنا كل شيء لا يُرضى صلاح الله سنصل إلى إدراك مذاقه هذا الفرح الروحى والحياة الطوباوية وكنز الخيرات التي لا تُحصى، إذاً فلنكرس أنفسنا للسلوك بمحبة من أجل سعادتنا وإعلان مجد الله الذي نشتهيه، لأنه يليق به المجد والقوة مع ابنه وحيد الجنس والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.


[1] رو21:4.

[2] هذا ما يُصليه الأب الكاهن في صلاة الصُلح قائلاً: " لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا رئيس آباء ولا نبي إئتمنتهم على خلاصنا، بل أنت بغير استحالة تجسدت وتأنست .. " (القداس الغريغوري).

[3] مز20:103.

[4] إش1:6ـ7.

[5] مت45:5.

[6] كان هذا من الإجراءات الطبية المألوفة في ذلك الوقت (القرن الرابع).

[7] أي21:1.

[8] أي21:1.

[9] مز22:73.

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع