Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


 " باركوا على الذين يضطهدونكم. باركوا ولا تلعنوا " (رو14:12).

          1  بعدما علّمهم كيف يجب أن يسلكوا فيما بينهم، وبعدما وحّد بين الأعضاء بإحكام، هكذا يقودهم إلى التعامل السليم خارج الكنيسة، جاعلاً إياه، من خلال التعامل داخل الكنيسة، أكثر سهولة. لأنه كما أن من لا ينجح في تسديد احتياجات أقربائه، يصعب عليه أن يفي بالتزاماته نحو الغرباء، هكذا فإن مَن درّب نفسه جيداً على هذه الأمور، فإنه من السهل أن يفي بالتزاماته نحو الغرباء أيضاً. ولهذا فإن القديس بولس يتقدم رويداً رويداً، ويذكر هذه بعد تلك، ويقول: " باركوا على الذين يضطهدونكم ". لم يقل لا تنسوا الإساءة، ولا أن تحاربوهم، بل طلب ما هو أكثر بكثير من هذا كله. لأن هذا بالتأكيد يعد سمة الإنسان الحكيم، بينما ذلك الأمر هو بالأكثر صفة الإنسان الملائكي. وبعد أن قال: " باركوا" أضاف " ولا تلعنوا" حتى لا نفعل هذا وذاك، بل نفعل شيئاً واحداً، نبارك ولا نلعن. خاصةً أن هؤلاء الذين يضطهدوننا، هم سبب المكافأة لنا. أما إن كنت يقظاً، فستُعد لنفسك مكافأة أخرى، من خلال ذاك. لأن ذاك سيُعطيك مكافأة من خلال الاضطهاد، بينما أنت ستُعطى لذاتك المكافأة من خلال مباركتك له، مُظهراً قدراً عظيماً من محبتك للمسيح، كبيراً جداً. فأن مَن يلعن المضطهد لا يشعر بالفرح لأنه تألم من أجل المسيح، لكن الذي يبارك هو الذي يُظهر محبته الكبيرة نحو المسيح.

          إذاً لا تُسيء إلي الذي يلعنك، لكي تربح أنت ذاتك مكافأة عظيمة، وأن تُعلم ذاك أن الأمر يتوقف على رغبتك، ولا يعتبر التزاماً، هو احتفاء واحتفال وليس نكبة، ولا ضيقة. ولهذا فإن المسيح له المجد قال أيضاً: " طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين " [1]. ولهذا فإن الرسل رجعوا فرحين، ليس لأنهم أهينوا في، بل لأنهم جُلدوا. لأنه بالإضافة إلى ما سبق ستربح مكافأة أخرى كبيرة، أن تجعل أعداءك هكذا يتحيرون ويندهشون، وأن تُعلّمهم بالأعمال، أنك تسير نحو حياة أخرى. لأنه إن رآك تفرح وتقفز من الفرح، فلماذا يُسيئ إليك، سيعرف جيداً أن لديك رجاء آخر أعظم من الرجاء في الأمور الحاضرة. لأنه إن لم تصنع هذا، بل تبكي وتئن، فمن أين سيعرف ذاك، أنك تنتظر حياة أخرى؟ لكن بالإضافة إلى هذا فإنك ستُحقق شيئاً أخر. لأنه إن رآك لا تتضايق  بسبب الإهانات، بل وتُبارك، فسيتوقف عن إضطهادك. إذاً لاحظ مقدار المزايا التي تأتي من وراء ذلك، فإن المكافأة ستصير أكبر بالنسبة لك، والتجربة ستصير أقل، وذاك (الذي يضطهد) سيوقف إضطهاده، والله سيتمجد، وإيمانك سيتحول إلى تعليم عن بالنسبة لمن يعيش في الخداع. ولهذا فقد أوصانا أن نحسن ليس فقط للذين يُهينوننا، بل وللذين يسيئون مُعاملتنا، وذلك من خلال الأعمال.

" فرحاً مع الفرحين وبكاءً مع الباكين " (رو15:12).

          إذاً لأنه من الممكن أن نُبارك ولا نلعن، بسبب المحبة، فهو يُريد أن نشتعل تماماً بالمحبة. ولهذا أضاف " فرحاً مع الفرحين وبكاءً مع الباكين "، حتى أننا لا نُبارك فقط، بل وأن نشارك في الحزن وفي المعاناة، إن رأينا الناس في نكبة في وقت ما.ولكننا بأن نُشارك  الذين يبكون على أحزانهم، فهذا أمر صحيح، ولكن بالجانب الأخر إذا كان لا يعتبر أمراً مهماً؟ فهذا أي أن نفرح مع الفرحين يحتاج إلى نفس حكيمة ، أكثر من أن نبكي مع الباكين. لأن هذا (أي البكاء مع الباكين) بالتأكيد تُمليه الطبيعة ذاتها، ولا يوجد أحد جامداً مثل الصخرة، حتى لا يبكي مع مَن يواجه كارثة، لكن ذاك (أي الذي يفرح مع الفرحين) يحتاج إلى نفس سخية جداً، حتى أننا ليس فقط يجب علينا ألا نحسد مَن هو في حالة يُسر ورخاء، بل وأن نفرح معه. ولذلك فقد ذكر هذا أولاً "فرحاً مع الفرحين". لأنه لا يوجد شيئاً  يقوي المحبة بهذا القدر الكبير، سوى أن نشترك فيما بيننا في الفرح وفي الحزن.

          إذاً ينبغي ألا تبقى (متجمد الأحاسيس) لأنك أنت ذاتك بعيد عن النكبات، ولا تحتاج إلى الرأفة. لأنه حين يُصاب القريب بمكروه، فأنت مدين أن تشاركه الألم. إذاً فلتشارك في البكاء، لكي تُخفف من الحزن، أن تشارك في الفرح لكي تُمكن الابتهاج، وتؤصل المحبة، ولكي تنفع نفسك من تشاركه، لأنه بالبكاء تجعل نفسك تشارك في الحزن، بينما بواسطة الشركة في الفرح، تُنقيها تماماً من الحسد والغيرة. أرجو أن تلحظ أن الرسول بولس لا يشعر مطلقاً بأي ضجر أو سأم. لأنه لم يقل، عليك أن تمنع الكارثة، حتى لا تقول أن هذا مستحيل، لكنه أوصى بما هو أكثر سهولة، أوصى بما هو في استطاعتك أن تفعله. لأنه إن لم تستطع أن تزيل الكارثة فلتبك، وبهذا تكون قد محوت الجزء الأكبر، وإن لم تستطع بعد أن تُزيد من السعادة، فلتفرح، وبهذا تُزيد الفرح جداً.

          ومن أجل هذا ينصح، ليس فقط بألا نحسد، بل ينصح بما هو أكثر بكثير من هذا، أي أن نفرح معه. لأن هذا يعتبر أعظم كثيراً من عدم الحسد.

" مُهتمين بعضكم لبعض اهتماماً واحداً غير مُهتمين بالأمور العالية بل مُنقادين إلى المتضعين " (رو16:12).

          مرة أخرى يُعطى اهتماماً كبيراً للتواضع، من حيث بدأ حديثه. خاصةً وأنه كان من الطبيعي أن يكون لدى هؤلاء فكر متعالياً، بسبب تواجدهم في المدينة، ولأسباب أخرى كثيرة. ولهذا فإنه يُقوّض هذا المرض بصفة دائمة، ويُقلل من لهيبه. لأنه لا يوجد شيئاً يُقسم جسد الكنيسة بهذا القدر، سوى التباهي. وما معنى " مهتمين بعضكم لبعض اهتماماً واحداً "؟ هل أتى إلى بيتك أحد الفقراء، فليصر اهتمامك به واحداً، ولا تنتفخ أكثر، بسبب الغنى. لا يوجد غنياً وفقيراً في المسيح. لا ترفضه بسبب مظهره الخارجي، بل أن تقبله بسبب إيمانه الداخلي. وعندما ترى شخصاً يئن، تعتبره غير مستحق لأن تُعزيتك. ولا حين ترى شخصاً في رغد وابتهاج، تخجل من مشاركته الفرح، بل تفرح معه، وتظهر له نفس الاهتمام الذي تحمله لنفسك. لأنه يقول: " مهتمين بعضكم لبعض اهتماماً واحداً ". على سبيل المثال، هل تعتقد أنك عظيم؟ إذاً فليكن لك نفس الفكر نحو الآخر. هل تفترض أن الآخر متضع وبسيط؟ إذاً فليكن لديك نفس الرأي عن نفسك، ولتبعد عن ذاتك كل ما يتعلق بعدم المساواة.

          لكن كيف يمكن أن يحدث هذا؟ يتحقق ذلك إن ابتعدت عن التباهي. ولهذا أضاف: " غير مهتمين بالأمور العالمية بل منقادين إلى المتضعين ". أي أن تنزل إلى مستوى مكانتهم المتضعة، أن تمتثل لحالتهم، وتُخالطهم. لا تتضع في الفكر فقط، بل عليك أن تساعد، وتقدم بسخاء، لا للآخرين فقط بل لذاتك، مثل أب يعتني بابنه، كرأس للجسد، الأمر الذي قاله في موضع آخر: " اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم " [2]. لكنه لا يقصد بالمتضعين هنا الخاشعين فقط، بل المتواضعين والمهمشين. " لا تكونوا حكماء عند أنفسكم ". أي لا تعتقدوا بأنكم مُكتفين بذواتكم. لأن الكتاب يقول في موضع آخر " ويل للحكماء في أعين أنفسهم والفهماء عند ذواتهم " [3]. وهو بهذا يقوض الافتخار، ويقضي على الانتفاخ، ويُبطل لهيبهما. لأنه لا يوجد شيئاً يمكن أن يستفز، ويقطع من الشركة، سوى أن يعتقد المرء أنه مُكتفى بذاته. ولهذا فإن الله خلقنا ولدينا احتياج، الواحد نحو الآخر. إذاً فإن كنت بعد حكيماً، سيكون لديك احتياجاً لآخر، لكن إن كنت تعتقد أنك غير محتاج، فقد صرت أكثر غباءً، وأكثر ضعفاً من الجميع. لأن مثل هذا الإنسان سيحرم ذاته من العون، وفي الأمور التي سيرتكب فيها الخطية، لن يتمتع بإصلاح، ولا بأي مسامحة، بل أنه سيُثير غضب الله بافتخاره، وسيرتكب خطايا كثيرة.

          لأنه من الممكن في مرات كثيرة أن الحكيم أيضاً، لا يعرف جيداً ما هو الصواب، والأكثر غباءً يسلك بشيء من الاستقامة، الأمر الذي حدث مع موسى وحماه، وفي حالة شاول وعبده أو خادمه، ومع اسحق ورفقة. إذاً لا تتصور أنك تكون قليل الشأن، لأنك إذا كنت تشعر بأحتياج لآخر. فالاحتياج للآخر يرفعك بالأكثر، ويجعلك أكثر قوة، وأكثر إشراقاً، وأكثر ثباتاً.

" لا تُجازوا أحداً عن شر بشر " (رو17:12).

          لأنك إذا أدنت شخصاً آخراً يتآمر عليك، فمن الذي جعلك مسئولاً عن الإدانة؟ إن كان ذاك قد فعل الشر، فلماذا لا تتجنب التشبه به؟ ولاحظ كيف أنه هنا لا يصنع تمييزاً، بل حدد قانوناً مشتركاً أو عاماً. لأنه لم يقل لا تُجازوا المؤمن بشر، بل قال: " لا تُجازوا أحداً "، سواء كان أممياً، أو نجساً، أو أي شيء آخر.

" معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس. إن كان ممكناً فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس " (رو18:12).

هذا يعني " فليضيء نوركم هكذا قدام الناس " [4] ، لكي لا نحيا للمجد الباطل، بل لكي لا نعطي فرصة لأولئك الذين يشتهون أن يجدوا سبباً يهاجموننا به. لهذا قال في موضع آخر: " كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيين ولكنيسة الله " [5]. وبالصواب قال: " إن كان ممكناً ". لأنه توجد حالات ليست ممكنة، عندما تكون الكلمة عن التقوى، عندما يكون الجهاد من أجل هؤلاء الذين يُظلمون أو يتعرضون للظلم. وفيما تشك، إن كان هذا غير ممكن بالنسبة للبشر الآخرين، بينما استطاع أن يجد حلاً حتى للأحتياج بين الرجل والمرأة، قائلاً: " ولكن إن فارق غير المؤمن فليُفارق " [6]. ما يقوله يعني الآتي: أن تعطي كل قدراتك، ولكن لا تعطى للأممي أو اليهودي مبرراً للمخاصمات والمشاحنات ، ولكن إن رأيت مرة أن التقوى تُضار، فلا تُفضل المودة على الحقيقة، بل عليك أن تثبت بنبل حتى الموت، وعليك حتى في هذه الحالة ألا تُحارب بالنفس، ولا أن تغير الرأى، بل أن تحارب بالأعمال فقط. لأن هذا هو معنى " فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس ". وإن كان الآخر لا يدعو للسلام، فلا يجب عليك أن تملأ نفسك بالألم، بل كُن محباً من جهة الفكر، الأمر الذي سبق وأشرت إليه، دون أن تنكث عهدك أبداً من جهة الحقيقة.

" لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء بل اعطوا مكاناً للغضب. لأنه مكتوب لي النقمة أن أجازي يقول الرب " (رو19:12).

          عن أي غضب يتحدث؟ عن غضب الله. إذاً لأن الغضب الذي يشتهيه يتراجع ليعطي مكاناً لغضب الله. لأن ما يقوله ق. بولس، هو إن لم ينتقم من وقع عليه الظلم، فإن الله سيصير هو الذي يعاقب. إذاً فلتسمح لله أن يُعاقب، وطالما أن الرسول بولس، قد أقنع المظلوم بقبول ذلك مبدأ فإنه يطلب منه ما هو الأكثر، أي الإيمان، قائلاً:

" فإن جاع عدوك فأطعمه. وإن عطش فأسقه. لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه. لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير " (رو12: 20-21).

          هو هنا يتساءل هل ينبغي أن تكون علاقاتي سلمية؟ خاصةً وهو يُعطي وصية بالإحسان. لأنه يقول إطعمه وإسقه. ثم بعد ذلك، لأنه أمر بشيء مجهد وكبير بشكل مُبالغ فيه، أضاف: " لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه ". قال هذه الأمور، بهدف أن العدو يردع بالخوف، وأن يجعل المحسن يعطي بدافع الرغبة في العطاء على رجاء نيل الجزاء. إن الرسول بولس كان يعرف أن المظلوم لا تسره الخيرات التي ينالها عندما يشعر بالضعف أمام من ظلمه، ويشعر بالارتياح عندما يُعاقب ويتألم الظالم ، فلا يسره شيء أكثر من رؤيته لعدوه وهو يُعاقب. ولذلك فقد قدم الرسول بولس، بحكمة منه، هذا أولاً ، وبعدما يتوقف السم، أخذ ينصح بما هو أسمى، قائلاً: " لا يغلبنك الشر ". لأنه كان يعرف أن العدو وإن كان بعد وحشاً كاسراً إلاّ أنه لا يبقى عدواً عندما تطعمه. وحتى وإن كان المظلوم بعد صغير النفس آلاف المرات، حين تُطعمه، وتسقيه، فإنه لن يشتهي عقاب العدو بعد أن يطعمه. ولهذا، فنظراً لأن الرسول لديه ثقة في نتيجة ذلك الأمر، فإنه لم يُهدد فقط، بل أيضاً يُعبّر عن العقوبة في شدتها. لأنه لم يقل ستعاقب عدوك، بل قال " نجمع جمر نار على رأسه ". ثم يناشد المنتصر قائلاً: " لا يغلبنك الشر. بل اغلب الشر بالخير ". وبأسلوب هادئ يقصد أنه لا ينبغي إذاً أن ننساق لرغبة الشر، لأنه ألا ننسى الإساءة بعد فهذا يُعد هزيمة من الشر.

          لكنه لم يُشر إلى هذا في البداية، بل بعد أن أنتزع الغضب من المظلوم، أضاف عندئذ: " اغلب الشر بالخير "، لأن هذا أيضاً هو الانتصار. كذلك فإن لا عندما يضع نفسه إلى أسفل فيتلقى الضربات، بل حين يقف منتصباً إلى أعلى، ويجعل خصمه يُفرغ قوته في الهواء. وبذلك لا يتلقى ضربات وستصير قوة الخصم بلا نفع. هذا بالضبط ما يحدث بالنسبة للإهانات. إذاً فعندما توجه الإهانة فإنك تُهزم لا من إنسان بل من العبودية المرة للغضب وهو الأمر المخجل للغاية. أما إن صمت، فستكون قد انتصرت أيضاً، وتقيم نُصب الانتصار دون تعب، وسيكون لديك أعداداً لا تُحصى من الذين يتوجونك، ويدينوا أكذوبة الإهانة. لأن ذاك الذي يعارض من الواضح أنه يعارض لأنه يُجرح أو يُهان، أما من يُهان يُتيح التفكير، لأنه تعرف الأقوال جيداً. إذاً لو أنك تستهين بالإهانة، فستُبطل الحكم ضدك. وإن أردت أن تأخذ دليلاً واضحاً على كل ما قيل، اسأل العدو نفسه: من يتضايق أكثر، هل أنت عندما تغضب وترد الإهانة، أم الأخر عندما يُهين وأنت تستهين بالإهانة. وهذا ما ستسمعه. فهو لا يفرح حين لا يهان، بقدر ما يتضايق لأنه لا يستطيع أن يُهينك.

          ألا ترى أولئك الذين يغضبون، كيف أنهم دون أن يتكلمون كثيراً عن ضرباتهم، يهاجمون باندفاع كبير، ساعين بإصرار، وبصورة أسوأ من الخنازير المتوحشة نحو احداث إصابات في القريب، ليحققوا ما يريدوا دون أن يتوخوا الحرص من إمكانية تعرضهم للإصابات؟ إذا حين تحرمه من فعل ما يشتهيه، فإنك تحرمه كل شيء، طالما أنك حقّرته، وأظهرته وضيعاً، وطفلاً أكثر منه رجلاً، وهكذا اعتبرت أنت حكيم، بينما ذاك فقد أحاطت به سمعة وحش شرير. فلنصنع نحن هذا الأمر إزاء الضربات، وعندما نريد أن نوجه ضربات، فيجب ألا نرد الضربات، بل إن أردت أن توجه له الضربة القاضية، حوّل له الخد الآخر، وستُصيبه بإصابات لا تُحصى. لأن أولئك الذين يُصفقون لك ويُعجبون بك، هم بالنسبة له، أكثر خطورة من أولئك الذين يقتلون بالرجم. وقبل هؤلاء، فإن ضميره سيُدينه، وسيحكم عليه بعقوبات كبيرة، كما لو كان قد أُصيب بأسوأ أنواع الشرور، وهكذا فعندما يخجل لابد إنه سيرحل. لكن إن كنت تطلب المجد من الكثيرين، فإنك ستتمتع بهذا المجد أيضاً إلى حد كبير. لأنه على أية حال فنحن نحمل رأفة تجاه الذين يتألمون، ولكن حين نراهم لا يردوا الضربات، وليس هذا فقط، بل ويسلمون أنفسهم أيضاً، عندئذ فأننا لا نتراءف بهم فقط، بل ونُعجب بهم.

          4  من أجل ذلك، أشعر بأنني أريد أن أبكي بصوت مرتفع، لأننا نحن الذين يُمكننا أن نحصل على خيرات العالم الحاضر، وننال خيرات الدهر الآتي، إذاً سمعنا لنواميس المسيح كما ينبغي، فإننا نفقد الاثنين لأننا لا نخضع لكل ما قيل، ونُفلسف كل شيء بشكل زائد عن الحد. خاصةً وأن (أي المسيح) وضع قانوناً لكل شيء وفقاً لمنفعتنا، وهو يعّلم ما يجعلنا مُمجدين، وما يجعلنا نتصف بالبذاءة. وما كان له أن يأمر بهذا (أي أن نقابل الإساءة بالإحسان)، إن كان يهدف إلى أن يضع تلاميذه موضع سخرية. ولكنه أمر بهذا السلوك لأنهم أصبحوا أكثر مجداً عندما يطبقونه، أي حين لا يغتابون، عندما يُتهمون، وحين لا يُهينون، عندما يُساء مُعاملتهم. لكن إن كان ذلك يجعلهم مُمجدين أكثر من أي سلوك آخر، فبالأكثر جداً فإن الكلام الحسن الذي يقولونه حين يُتهمون، سيجعلهم مُمجدين، وحين يُباركون عندما يشتمون، وحين يُحسنون عندما يعانون الألم. ولذلك فقد قنن كل هذه الأمور. كذلك فهو يهتم كثيراً بتلاميذه، لأنه يعرف جيداً، ما الذي يجعل الإنسان وضيعاً، وما الذي يجعله عظيماً. إذاً إن كان الله يهتم بك، ويعرف كل شيء فلماذا تتشاجر مع عدوك، وتريد أن تتسير في طريق آخر؟ أن الانتصار الذي يأتي عن الطريق المعاملة السيئة يتعلق بنواميس الشيطان.

          إلا أن هذا القانون لا يطبق في المسابقات التي يديرها المسيح، بل ما هو على العكس تماماً، فقانون المسيح يُتوج المهزوم وليس الفائز. لأن هذه هي طبيعة ساحة مسابقات المسيح : يتم تقييم كل شيء فيها بشكل عكسي، حتى أن المعجزة تصير أعظم، ليس فقط بالانتصار، بل بطريقة الانتصار. فعندما تكون العوامل التي تؤدي إلى الهزيمة في مكان ما، يعرضها كسبب للانتصار، فإن هذه هي قوة الله، هذه هي ساحة السماء، هذا هو مسرح الملائكة. أعرف أنكم صرتم أكثر حرارة الآن، وقد صرتم أكثر ليونة من الشمع، لكن عندما ترحلون من هنا، تلقون عنكم كل شيء. ولهذا فإنني أحزن وأشعر بالضيق، لأننا نُظهر الأقوال في الأعمال، خاصةً حين ننوي أن نربح هنا ما هو الأكثر عظمة. لأننا إن أظهرنا رأفة، فسوف لا نُهزم أمام الجميع، ولن يوجد أحد في البشر سواء كان صغيراً أم كبيراً يستطيع أن يُصيبنا بضرر. إذاً إن تكلّم أحد بكلام سيئ عنك، فإنه لن يضرك مطلقاً، بل يؤذي نفسه بشدة، وإن ظلم فإن الضرر سيُحيط بمن اقترف الظلم. ألا ترى ما يحدث في المحاكم؟ نجد أن المظلومين هم أكثر إشراقاً، ويقفوا ويتكلموا بكل جرأة، وبفم حر، بينما الذين ظلموا يتكلمون مُنحنين الرأس إلى أسفل بخجل وخوف.

          ولماذا أتحدث عن الكلام السيء والظلم؟ لأنه وإن كان بعد يُشهر سيفه ضدك، وإن كان بعد يغرز يده اليمنى في رقبتك، فإنه لم يضرك أنت على الاطلاق، بينما قد ذبح نفسه. وسيؤكد هذا الكلام أول من قُتل باليد الأخوية [7]. لأن الواحد (أي هابيل) ذهب إلى الميناء الهادئ، بعدما ربح مجداً أبدياً، بينما الآخر (أي قايين) عاش حياة أكثر تعاسة من كل موت، كان يئن ويرتجف، ويلصق بنفسه تهمة القتل [8]. إذاً يجب ألا نسعى نحو هذا (أي الظلم والكلام السيئ)، بل نحو ذلك (أي الاحسان). لأن من الذي يُعاني الألم، لا يحتل الشر بيته على الدوام، وبالطبع لم يُنشأه هو نفسه، بل بعدما يستقبله من آخر يجعله بصبره شيئاً حسناً، بينما الذي أساء فيكون لديه مصدر الشر. ألم يكن يوسف في السجن، بينما العاهرة، التي صنعت به الشر في بيت لامع ومشهور؟ إذاً مَن منهما تريد أن تكون؟ ولا نشير بعد إلى التعويض، بل أفحص هذه الأحداث في ذاتها. هكذا ستفضل السجن مع يوسف، ألاف المرات، على أن تكون في البيت مع العاهرة. لأنه بالحقيقة إذا نظرت إلى نفس كليهما سترى أن نفس يوسف قائمة في راحة وفي جرأة كبيرة، بينما نفس المصرية قائمة في ضيق وخجل، في عبوس واضطراب، وحزن شديد. ولكن يبدو أن هذه المرأة قد انتصرت، لكن ما حدث ليس انتصاراً.

          وإذ نعرف هذه الأمور، فلنُعد أنفسنا لتحمل الإساءة، حتى نتحرر من المعاملة السيئة، وننال خيرات الدهر الآتي، والتي ليتنا جميعاً نتمتع بها، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى أبد الدهور آمين.

 


[1] مت11:5.

[2] عب3:13.

[3] إش21:5.

[4] مت16:5.

[5] 1كو32:10.

[6] 1كو15:7.

[7] يُشير إلى هابيل الذي قتله اخوة قايين (تك8:4).

[8] تك7:39ـ23.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع