Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


أ - وحدة المؤمنين الخلاصية

قبيل ذبيحة المسيح على الصليب، رفع صلاة حارّة من أجل جميع الذين سيؤمنون باسمه، طالباً من أبيه أن يحفظهم في وحدة إلهية: "فليكونوا بأجمعهم واحداً. كما أنت فيَّ أيها الآب، وأنا فيك، كذلك فليكونوا فينا واحداً، ليؤمن العالم بأنك أنت الذي أرسلني. المجد الذي أوليتني، أوليتُهم إياه، ليكونوا واحداً كما نحن واحد: أنا فيهم وأنت فيّ، لتكون وحدتهم كاملة، ويعرف العالم أنك أنت الذي أرسلتني، وأنني أحببتهم كما أحببتني" (يو17: 21-23).

كلمات المسيح هذه ليست دعوة إلى وحدة خارجية، بل إلى وحدة داخلية مطلقة، شبيهة بوحدة الأقانيم الثلاثة في الثالوث الأقدس، أي إلى الوحدة التي فقدها الإنسان بسبب السقوط. وهي تقوم على أساس الأقانيم الثلاثة وتتمثل بها، وتعني خلاص الإنسان وكماله: "أنا فيهم وأنت فيّ لتكون وحدتنا كاملة" (يو17: 23). وإذن، فإن الوحدة التي يتحدَّث عنها المسيح ليست طريقاً إلى الخلاص بل هي الخلاص نفسه.

ب - سرّ الشكر الإلهي يحقِّق الوحدة في المسيح

لا شك في أن ملء الوحدة يرتبط بانتصار الكنيسة في الأزمنة الأخيرة، عندما يأتي الربّ ليدين الأحياء والأموات. ولكن المؤمنين يتذوقون في هذه الحياة الوحدة الآتية، باشتراكهم في سرّ الشكر الإلهي. وهذا ما يوضحه بولس الرسول في قوله: "فنحن على كثرتنا جسد واحد لأننا نشترك في الخبز الواحد" (1كو10: 17). أمّا الربّ يسوع فقد أشار إلى سرّ الشكر الإلهي ذاكراً أنه هو الخلاص والحياة، وأن الابتعاد عنه موت روحي: "الحق الحق أقول لكم: إذا لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فلن تكون فيكم الحياة. من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخيرة" (يو 6: 54-55).

لقد أدّى السقوط إلى فقدان البشر وحدتهم المستندة إلى محبة الله، فتغربوا داخلياً وتشتتوا. لكن المسيح، بتجسّده، استعاد الإنسانية جمعاء، إذ أنها ماتت بموته وقامت معه إلى حياة جديدة، فاتَّحدت مجدَّداً بمحبة الله، واستعادت وحدتها الأولى معه.

عندما يجتمع المؤمنون من أجل الخدمة الإلهية وإقامة سرّ الشكر، فإنهم يتّحدون في جسد واحد هو جسد المسيح الناهض والمتألِّه. وهكذا "تجتمع الكنيسة" (1كو12: 18)، ويتشكل منها جسد الرب، فتكتمل رسالة التجسّد وذبيحة المسيح الأساسية التي أراد الربّ بواسطتها أن "يجمع شمل أبناء الله" (يو11: 52).

وقد عبّرت النصوص الليتورجية في كنيستنا عن جمع شمل أبناء الله تعبيراً جميلاً. فإن أحد الأفاشين التي يعود عهدها إلى المسيحيين الأوائل يقول: "كما كانت الحبوب متفرقة في الجبال واجتمعت في الخبزة الواحدة، هكذا اجمع إليك الكنيسة من أقصى أطراف الأرض إلى ملكوتك". والمقصود طبعاً الكنيسة المجتمعة لإقامة سرّ الشكر الإلهي.

وفي خدمة القديس باسيليوس يصلّي الكاهن: "وأمّا نحن المشتركين بالخبزة الواحدة والكأس الواحدة فاجعلنا جميعاً متّحدين بعضنا مع بعض في شركة روح قدس واحد. ولا تجعل شركة جسد مسيحك المقدَّس ودمه المكرَّم، لأحد منّا لدينونة ولا لمداينة، بل لأن نجد رحمة ونعمة مع جميع القديسين الذين أرضوك منذ الدهر".

الاشتراك في سرّ الشكر يجمع أعضاء المسيح المشتَّتة، فيتألَّف منها الجسد كله وتتحقق وحدته العضوية مع رأسه الذي هو المسيح نفسه. لذا نستطيع القول من غير تردّد أن الكنيسة تتشكل في اجتماع المؤمنين أثناء سرّ الشكر الإلهي، وفي تناول جسد الربّ ودمه. وما من إنسان يستطيع أن يكون مسيحيّاً خارج سرّ الشكر، لأن أحداً لا يمكنه الإتحاد بالله بمفرده. فقد قال المسيح أن من لا يأكل حسده ويشرب دمه لن تكون فيه الحياة (يو6: 53).

يمكن للإنسان، خارج سرّ الشكر، أن يطالع الكتاب المقدّس ويستمع إلى البشارة السارّة ويمارس الصلاة ويعيش حياة صالحة. ولكنه لن يحظى بجسد الرب ودمه، وهما اللذان يهبان الخلاص والحياة الحقيقية. ولا بدّ أن يعرف كل إنسان هذا الأمر، فثمة اعتقاد خاطئ عند البعض، إذ يظنّون أن بإمكانهم أن يكونوا مسيحيين دون الاشتراك في اجتماع المؤمنين الإفخارستي، أي القداس الإلهي.

ولا بدّ أن نؤكِّد أيضاً أن المؤمنين لا يكونون مجرَّد مشاهدين في سرّ الشكر، بل يشتركون اشتراكاً حقيقياً في هذا السرّ المقدّس. ولكن هذا لا يعني أن يأتي الإنسان إلى هذا السرّ من دون استعداد (1كو11: 27-29)، بل عليه أن ينفِّذ وصية القديس امبروسيوس: "احصلوا كل يوم على ما هو نافع لذلك اليوم. عليكم أن تحيوا على هذا الشكل، حتى تصبحوا مستحقين لهذا السرّ".

ج - مباركة هي مملكة الآب....

إن لفظة ليتورجيا تعني في اللغة اليونانية عمل الشعب. وما ذكرناه سابقاً يوضح تماماً ماهية العمل الإلهي الحاصل في اجتماعات المؤمنين الإفخارستيا. في القداس الإلهي تتشكل الكنيسة من المؤمنين، فيظهرون للعالم جسد المسيح، ويعلنون أنه بموت المسيح وقيامته اجتمع شمل المشتَّتين، وأنهم يشتركون في هذا الاجتماع بوصفهم أبناء الله (يو 11: 52، 1 كو 10: 16، 11: 26).

ويبدأ الكاهن الخدمة الإلهية بإعلانه: "مباركة هي مملكة الآب والابن والروح القدس"، لأن الملكوت ليس حدثاً مرتبطاً بالمستقبل وحده، بل يمكن للمرء أن يتذوقَّه مسبقاً. فملكوت الآب والابن والروح القدس يبدأ في هذه الحياة، وفي القداس الإلهي على وجه التحديد (متى 12: 28، لو17: 21، مر9: 1، لو9: 27). فهنا يشترك لإنسان في حياة الله المثلَّث الأقانيم، بتناوله جسد الرب ودمه، وبذلك تتحقق وحدة أبناء الملكوت جميعاً في جسد الرب الواحد.

د - السمات الخارجية للإفخارستيا الأرثوذكسية

إن أهمية القداس الإلهي الأساسية في خلاصنا تحتَّم علينا أن نؤكِّد السمات التي تميّز الإفخارستيا الحقيقية عن اجتماعات الهراطقة الذين لا يعملون من أجل الوحدة بل من أجل تجزئة جسد الربّ، مهدِّدين مصيرنا الخلاصي (أنظر 1كو1: 13، 1: 11، 18: 34). وهذا أمر هام جدّاً، خاصة بالنسبة إلى من يرحل إلى بلاد أجنبية دون أن يعرف تماماً حياة الجماعة المسيحية الموجودة فيها.

ذكرنا سابقاً أن الأسقف هو صورة المسيح وضامن وحدة المؤمنين في جسد الكنيسة الواحد. وفي الكنيسة الأولى كان الأسقف يقيم سرّ الشكر، أمّا الكاهن فلا يقيمه إلاّ إذا سمح له الأسقف بذلك. وهكذا يستمر الأسقف في كونه ضامناً لحضور المسيح، أي للعنصر الأساسي في سرّ الشكر. فالمسيح هو (المقرِّب والمقرَّب) (أنظرعب7: 23-28).

ويقول القديس إغناطيوس: "حيثما يكون المسيح فهناك تكون الكنيسة. وحيثما يكون الأسقف فهناك تكون الكنيسة أيضاً". وهو لا يعني بذلك جزءاً من الكنيسة بل الكنيسة الجامعة، أي الكنيسة الأرثوذكسية بأجمعها. وإذن، فإن حضور الأسقف هو الضمان لصحة الليتورجيا الأرثوذكسية. فالأسقف ليس شخصاً قائماً بذاته، إنما يعود كهنوته إلى الرسل وإلى المسيح نفسه. والأسقف الذي لا يرتبط بهذا التسلسل الرسولي لا يكون أسقفاً حقيقياً وقانونياً، لأنه لا يحوز الكهنوت الذي أسَّسه المسيح.

أمّا الأسقف الحقيقي فينقل كهنوت المسيح إلى جميع الإكليركيين الذين يرسمهم، وهم بدورهم يعتمدون على الأسقف بوصفه مركزاً لوحدة المؤمنين التي تتحقق في سرّ الشكر الإلهي.

نحن نعلم طبعاً أن الأسقف لا يقيم الخدمة الإلهية الآن في الرعايا كلها، إنما يقيمها الكهنة بمعاونة الشمامسة. ولكن هؤلاء الكهنة ينتمون إلى أبرشية الأسقف، لذلك يذكرونه حتماً في كل خدمة إلهية يقيمونها. وفي حال انتقال الكاهن من أبرشية إلى أخرى فإنه لا يذكر الأسقف الذي رسمه بل أسقف الأبرشية التي يُقام فيها سرّ الشكر.

لا يمكن أن يوجد في الكنيسة الأرثوذكسية كاهن قانوني إذا لم يكن تابعاً لأسقف أرثوذكسي قانوني ولأبرشية محدَّدة. ولا يمكن أن تُقام خدمة إلهية أرثوذكسية من دون ذكر اسم الأسقف. فمن المهم جدّاً أن ننتبه إلى اسم الأسقف الذي يُذكر في الخدمة الإلهية التي نشترك فيها، وأن نتأكد من كونه أسقف الأبرشية القانوني.

وكما أن كل كاهن يتبع حتماً أسقف الأبرشية، فإن كل أسقف قانوني لا بدّ أن يتبع جماعة الأساقفة في الكنيسة الأرثوذكسية. ولكن كيف نتأكد من أن أحد الأساقفة قانوني وأنه يتبع الكنيسة الأرثوذكسية؟ لكي يكون الأسقف أرثوذكسياً لا بدّ أن يكون في شركة مع الأساقفة الآخرين الموجودين في المنطقة نفسها. ولكي تكون الكنيسة المستقلة أرثوذكسية لا بدّ أن تكون في شركة مع سائر الكنائس الأرثوذكسية الموجودة في العالم بأسره. وهكذا يكون جميع الأساقفة، أينما كانت أبرشياتهم، "في رأي واحد"، لأنهم يكونون جميعاً "في رأي يسوع المسيح" (إغناطيوس). وتالياً، فإن العمل الأسقفي يكون واحداً، مهما تعدّدت الرعايا وحيثما أقيمت الخُدم الإلهية.

ثمة أماكن فيها أبرشيات كثيرة ولكنها تشكِّل كنيسة واحدة فقط. وثمة كنائس مستقلة عديدة، ولكنها كلها كنيسة أرثوذكسية واحدة، لأنها متّحدة في الإيمان وفي سرّ الشكر الإلهي، ولها كلها "فكر المسيح" (1كو2: 16، أع 15: 28). وهذه الكنيسة المنتشرة في العالم كله تجتمع أسرارياً لتقيم القداس الإلهي، كما تجتمع حبّات الحنطة لتؤلف الخبزة الواحدة المقرّبة في سرّ الشكر، والمتحوِّلة إلى جسد المسيح.

فعلينا إذاً أن نتنبّه حتى لا نشترك في اجتماعات أو خِدَم ليتورجية غير أرثوذكسية. وذلك بأن نعرف الأسقف الذي سمح للكاهن بإقامة الخدمة، والكنيسة التي ينتمي إليها ذلك الأسقف. فإذا كانت متّحدة بالكنيسة الأرثوذكسية التي انتمينا إليها بالمعمودية المقدّسة، يتأكد لنا أن القداس الإلهي المقام فيها هو الإفخارستيا الأرثوذكسية الحقيقية التي لا خلاص لنا من دونها.

وقد شدَّد القديس كيرللس على أهمية هذه المسألة، فتوجّه إلى المسافرين والمهاجرين قائلاً لهم إنه ينبغي التنبّه إلى عدم الانتماء إلى أية جماعة، أو الاشتراك في أية خدمة، قبل التأكد من كونها ليست تابعة للهراطقة أو للمنشقين عن الأسقف القانوني: "إذا نزحت مرّة، فلا تكتف بالسؤال عن مكان الهيكل، لأن الهراطقة يتجرأون أيضاً على تسمية أماكن اجتماعاتهم التاعسة هياكل. ولا تكتفِ بالسؤال عن الكنيسة، بل اسأل عن الكنيسة الأرثوذكسية".

إن أولئك الذين يهجرون الكنيسة الأرثوذكسية وعبادتها الحقيقية، أناس مضلَّلون. فهم يضحّون بخلاص نفوسهم الذي من أجله ذبح المسيح. فلا خلاص إلاّ في الإتحاد مع الكنيسة، أي بالاشتراك في اجتماع الكنيسة الإفخارستي. ومقياس هذا الاجتماع هو الوحدة مع الأسقف الأرثوذكسي القانوني.

إنه لمن الضروري الابتعاد عن الاجتماعات التي لا ترتبط بكنيستنا، ولا تنعقد بمعرفة أسقفنا وموافقته، لأنه هو الذي يضمن وحدتنا مع المسيح وحضوره فينا.

 


حاشية مرتبطة مع العنوان "جمع الشمل": راجع (مدخل الى الداس الإلهي) لكوستي بندلي، منشورات النور. (الناشر)

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع