Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


أ - تأسيس السرّ المقدّس

تسبَّبت سلطة المسيح على الأرواح النجسة وقدرته على شفاء جميع الأمراض في تكوين انطباع خاص لدى اليهود. ولكن الأهم من ذلك أن المسيح قد نقل هذه السلطة إلى الرسل: "ودعا تلاميذه الاثني عشر، فأولاهم سلطاناً يطردون به الأرواح النجسة ويشفون الناس من كل مرض وعلّة" (متى10: 1). وعندما رجعوا ممتلئين حماساً قالوا للمسيح: "ربنا، حتى الشياطين تخضع لنا باسمك" (لو10: 17).

ويذكر القديس مرقس أن الرسل كانوا يدعون الناس إلى التوبة، وأنهم "طردوا كثيراً من الشياطين، ودهنوا بالزيت كثيراً من المرضى فشفوهم" (مر6: 13). إلاّ أن هذه القدرة على الشفاء بقيت، حسب رغبة السيّد، وقفاً على الكنيسة، حيث يكون الربّ نفسه حاضراً. لذلك يقول يعقوب الرسول: "هل فيكم مريض؟ فليدعُ كهنة الكنيسة ليصلّوا عليه بعد أن يدهنوه بالزيت باسم الربّ. فإن الصلاة مع الإيمان تُخلِّص المريض والربّ يعافيه" (يع5: 14-15).

ولا بدّ من القول أن هذه القدرة على الشفاء ليست عملاً سحرياً، لأنها تكون فاعلة بالإيمان والصلاة، وتُقام "باسم الرب" (أنظر أيضاً أع 3: 6-16، 4: 10، 9: 34).

ب - علاقة سرّ المسحة بسرّ الإعتراف

إن سرّ المسحة المقدّس لا يتعلّق بعلاج الجسد وحده، بل بعلاج النفس أيضاً. لذلك يضيف يعقوب الرسول: "وإذا كان قد اقترف بعض الخطايا غُفرت له" (يع5: 15). ولكن هذا لا يعني أننا نستطيع أن نستعيض بالمسحة عن سرّ الإعتراف المقدّس. فنحن، حسب قول بعض الآباء، ننال بسرّ المسحة قوّة روحيّة، فتُغفر خطايانا التي نسيناها ولم نتمكن من الإعتراف بها. إلاّ أن أهميتها الأولى تبقى في الصلاة من أجل صحة الجسد. لذلك ترتبط الكنيسة الأرثوذكسية بين هذين السرّين، وتحثّ الذين يُقام سرّ المسحة من أجلهم، على الإعتراف أيضاً.

ج - سرّ محبة الكنيسة وحنانها

يذكر قانون خدمة هذا السرّ المقدّس أن سبعة كهنة يقيمونه. ولكن الكنيسة الأرثوذكسية لا تمنع عدداً من الكهنة يقل عن السبعة من إقامته، بل تسمح بذلك حتى لكاهن واحد. والسبعة عدد رمزي يدلُ على الكمال، فبالإضافة إلى الكهنة السبعة، تكون الأفاشين سبعة أيضاً، وكذلك الرسائل والقراءات الإنجيلية. وكمال هذا الرقم يعني أن المسحة بالزيت المقدّس تعبِّر عن حنان الكنيسة، وتظهره لابنها المريض جسدياً أو نفسياً. فالرعيّة التي ينتمي إليها المريض تتمثل بالكهنة وتشترك في صلاتهم وتعلن محبتها للمريض، فيشعر عضو الكنيسة، حيثما وُجد، بحضور سائر الأعضاء وحنانهم، وخاصة في اللحظات الحرجة، كالمرض والوحدة أو المثول أمام الموت الجسدي.

إن الكنيسة تبتهل في هذا السرّ المقدّس من أجل الشفاء الكامل والصحة التامة لعضوها المريض، ليعود إليها مجدَّداً وهو "سالم بكليته"، ولكي يستطيع أن يرضي الله ويفعل مشيئته. فتقول: "إملأ فمه بتسبحتك. افتح شفتيه ليمجِّد اسمك. مدّ يديه لتؤديا وصاياك. وجِّه خطواته في طريق إنجيلك. نجِّ بنعمتك ذهنه وجميع أعضاء حسده".

وبعد أن تُمسح الأعضاء كلها بالزيت المقدّس يبتهل الكاهن: "أيها الآب القدوس، يا طبيب النفوس والأجساد، يا من أرسلت ابنك الوحيد، ربّنا يسوع المسيح الذي شفى كل مرض وخلَّصنا من الموت، إشف أيضاً عبدك هذا... لأنك نبع الأشفية".

هذه هي النعمة التي تطلبها الكنيسة من أجل الشفاء الكامل، جسدياً ونفسياً. ولكن استجابة الدعاء لا تعود إلى الكنيسة، بل إلى محبة الله، التي لا يُعبّر عنها دائماً حسب رغبة المريض أو مشيئة الإنسان المحدودة.

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع