Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يتراءى للمنقب أن الأدمغة اللاهوتية كانت تشحذ قرائها شحذاً رائعاً في اتجاهات مختلفة، متصارعة حيناً ومتنافذة حيناً أخرى، حين يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فتدخل الكنيسة بمجامعها المقدسة ومواقفها القاطعة لتقول بإلهام الروح القدس الكلام الفصل. وما كان المؤمنون يتركون الأمور فوضى. كانو رجال عقيدة صلبة، يتجندون فوراً لحماية العقيدة من كل زيغ وضلال. ولولا ذلك لما كان الأرثوذكس والكاثوليك بعد 19 قرناً يتناقلون ما هو مشترك بينهم رغم كل صورف الزمان وتقثلباته. فانقرضت البدع ورجالها في القرون الخالية وبقي العالم المسيح القديم (ماعدا ضلال النسطورية في مسألة الأقنوم وتوابعها) كتلة عقائدية مرصوصة لا ينال منها الزمان ولا معاول التهديم.

جدول مقارنة:

  • الأبولينارية: أقنوم واحد، شخص واحد، طبيعة واحدة إلهية، مشيئة واحدة، فعل واحد، جسد يسوع بلا روح، مريم أم الله.
  • الأوطيخية: تزيد عليها كفراً فتقول أن الطبيعتين قد امتزجتا.
  • اليعاقبة: أقنوم واحد من أقنومين، شخص واحد، طبيعة إلهية واحدة من طبيعتين، مشيئة واحدة فعل واحد، جسد يسوع ذو روح عاقل، يسوع إله كامل وإنسان كامل، مريم أم الله.
  • النساطرة: أقنومان، شخصان وشخص اتحادن طبيعتان كاملتان، جسد يسوع ذو روح عاقل، يسوع إله كامل وإنسان كامل، مريم أم الإنسان يسوع.
  • الأرثوذكس وروما: أقنوم إلهي مركب في طبيعتين كاملتين، مشيئتين، فعلين، جسد يسوع ذو روح عاقل، يسوع إله كامل وإنسان كامل، الأقنوم الإلهي قنَّم الطبيعة البشرية لما ضمّها إليه، مريم أم الله.
  • أصحاب المشيئة الواحدة: يختلفون عنا بالقول أن ليسوع مشيئة واحدة وفعلاً واحداً ولم يعودوا اليوم بموجودين إذ انضموا إلى روما. (يقصد الموارنة... "الشبكة")
  • البروتستانت (1): فرقهم عديدة. يرفضون القول أن مريم هي أم الله إلى جانب قولهم أن يسوع أقنوم واحد في طبيعتين. لذلك هم مزيج منا ومن النسطورية.

هذا الجدول يوضح تماماً أن مفاهيمنا اللاهوتية عبرت في ممرات ضيقة وخطرة جداً حتى وصلت في العام 680 (المجمع السادس) إلى النضج. فمنذ ظهور بدعة آريوس في الربع الأول من القرن الرابع حتى ظهور بدعة أبوليناريوس (بين 352-360) حتى العام 680 مئات من أدمغة أساطين الفكر العالمي وأشباههم دخلوا الحلبة حتى خرنا منها سالمين. وما زلنا من بعدهم نجتر تحديداتهم الملهمة إلهياً. الصيغة التي أوردتها احتوت على 32 كلمة. نحتها احتاج إلى أكثر من 350 سنة. أبطال النحت هم ألمع رجال الفكر والروحانية في تاريخ العالم بعد الرسل القديسين. هم أخلد من خلّدهم التاريخ بعد الرسل. كتب المسيحيون ووعظوا حولها في هذه القرن لوحده عشرات الآلاف من الصفحات. لو جمعنا كل ذلك عن 19 قرناً لجمعنا مئات الآلالف من الصفحات. ما الدافع؟ إنه حرارة الإيمان التي يفتقر إليها فقراً مدقعاً المسيحيون العرب.

ما هي الملاحظات على هذا الجدول؟

كان أقرب الناس إلينا أصحاب المشيئة الواحدة ثم اليعاقبة. الأوطيخية كفر. تدنو منها نسبياً الأبولينارية. النسطورية شطط كبير. التطور في الفهم واضح لدى الأرثوذكس. اليعاقبة توقفوا عند كيرللس حرفياً، إدخالنا التفريق بين لفظتي أقنوم وطبيعة كان انقلاباً في تاريخ اللاهوت قضى على كل التباس وشق الطريق واسعة نحو الفلسفة الشخصانية المسيحية في حقل الأنثروبولوجيا (علم الإنسان). طبعاً منذ ايريناوس وو... وأثناسيوس حتى الكبادوكيين والذهبي الفم لاهوت التجسد وأثاره على تقديس الإنسان وتأليهه هامة. الكبادوكيون شقوا طريق واسعاً للاهوت الشخص في اللاهوت مع لمحات طيبة بالمقابل نحو الإنسان. الذهبي الفم يتكلم بصورة شائقة عن أثار التجسد على الإنسان وتحويله إلى المرتبة الأولى بين الكائنات العقلية وارتفاعه فوق الملائكة (الخطب 5 على متى و11 و18 على يوحنا و11 على كورنثوس الثانية وعن انتروبيوس وو...). الإنسان في صميم الحديث عن التجسد الإلهي. إلا أن خلقيدونية والتهيئة لها والتطور اللاهوتي بعدها حتى المجمع الخامس أولاً ثم السادس ثانياً مراحل رئيسية نحو إبراز الإنسان كشخص يواجه الله كشخص في عملية اتحاد كان اتحاد ناسوت المسيح باقنومه الإلهي المسند اللاهوتي الأعظم لها. آباء الكنيسة هم مؤسسو الفلسفة الشخصانية، هم منقذو الفكر من ظلام الفلسفة اليونانية التي تضخم العقل ونهمة بنية الشخص كشخص مخلوق على صورة الله لينمو حتى ملء قامة المسيح الكامل.

 

 


(1) هنا لا بد القول، أنه لا يوجد وجه شبه بين كل الكنائس من جهة، وبين البروتستانت ومن جرى مجراهم من جهة أخرى. فكل الكنائس المسيحية لدينا وإياهم تراث مشترك إن عدنا إليها وفهمناه وهضمناه بشكل صحيح، زالت بيننا كل الحواجز. أما من يرفضون التقليد فهؤلاء يصعب الحوار معهم لأن كل شخص فيهم يعتقد أنه يملك الحق. ولهذا نرى أن لديهم أكثر من 2000 طائفة مسجلة في الولايات المتحدة الأميركية... (الشبكة)

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع