Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


(في محبته التي لا تحدّ، جعل الله نفسه كما نحن، من أجل أن يجعلنا كما هو)... القديس إيريناوس (رقد سنة 202).

{راجع أيضاً (مدخل إلى العقيدة المسيحية) لكوستي بندلي ومجموعة من المؤلفين، و (الرؤية الأرثوذكسية لله والإنسان) للمطران جورج خضر، منشورات النور، (الناشر)}.

الثالوث القدوس:

قال الفيلسوف الروسي فيدوروف: لقد كتب برنامجنا الاجتماعي في قلب عقيدة الثالوث. والأرثوذكسية تؤمن بشغف أن عقيدة الثالوث القدوس ليست بمثابة بحث لاهوتي رفيع يقتصر فهمه على اللاهوتيين المحترفين، بل إن للثالوث أهمية فعلية، وواقعية، بالنسبة لكل مسيحي. يعلّمنا الكتاب المقدس أن الإنسان خُلق على صورة الله، أي عند المسيحيين، على صورة الثالوث. ففي ضوء عقيدة الثالوث وحدها إذاً يستطيع الإنسان أن يفهم من هو وما الذي يريد الله له أن يكون. حياتنا الخاصة، وعلاقتنا الشخصية، وجميع مشاريعنا من أجل بناء مجتمع مسيحي، تتعلق كلها بلاهوت صحيح حول الثالوث. (فبين الثالوث والجحيم، ليس ثمة اختيار آخر) {ف. لوسكي، اللاهوت الصوفي للكنيسة الشرقية، ص64}.

لقد سبق أن أشرنا في القسم الأول من هذا الكتاب {راجع الفصل الثاني والفصل الثالث من كتاب: (الكنيسة الأرثوذكسية في الماضي والحاضر) للمؤلف والذي يحتوي على القسم الأول من كتابه في طبعته الأصلية، وقد صدر في سلسلة (تعرَّف إلى كنيستك) في منشورات النور (الناشر)} إلى العناصر الأساسية المتعلقة بالله في العقيدة الأرثوذكسية، فما علينا الآن إذاً إلا أن نوجزها باختصار:

1- الله مطلق السمو:

قال غريغوريوس بالاماس: (ما من شيء مخلوق له حاضراً أو ستكون له مستقبلاً أدنى شركة مع الطبيعة الأسمى، كما لا يمكن لهذا الشيء أن يقاربها مطلقاً) {P.G.cl.1176C}. فبواسطة (الطريق السلبي) أو اللاهوت (التنزيهي) (apophatique) تحافظ الأرثوذكسية على سمو الله المطلق. أما اللاهوت الإيجابي أو (التقريري) (Cataphatique) فيحتاج لموازنته وتصويبه عن طريق التعابير السلبية. فقولنا عن الله أنه صالح، حكيم، عادل الخ... يعبّر عن نعوت صحيحة بحد ذاتها، لكن هذه النعوت ليست ملائمة لتحديد طبيعة الإله في عمقها. ويقول يوحنا الدمشقي: (هذه الأقوال ليس من شأنها أن تكشف الطبيعة بل ما يحيط بهذه الطبيعة. فمن البديهي أن الله موجود، ولكن ماهية الله في جوهره وطبيعته تتجاوز كلياً فهمنا وإدراكنا) {(في الإيمان الأرثوذكسي، (4،1)}.

2- الله، رغم سموه المطلق، ليس منفصلاً عن العالم الذي خلق:

الله فوق الخليقة وخارجها، إلا أنه موجود أيضاً في داخلها. وكما ورد في ترنيمة أرثوذكسية شائعة الاستعمال، أنه (الحاضر في كل مكان والمالئ الكل). فالأرثوذكسية تميّز إذاً بين جوهر الله وقواته {أي Energies}، محافظة بذلك على السموّ الإلهي والحضور الإلهي على حد سواء. جوهر الله لا يمكن الاقتراب منه، لكن قواته تنزل إلينا. قوات الله، التي هي الله نفسه، تشبع كل الخليقة ونحن ندركها على شكل النعمة المؤلهة والنور الإلهي. وإلهنا في الحقيقة إله يتخفى، إلا أنه إله يفعل، إنه إله التاريخ الذي يتدخل بصورة مباشرة في مواقف ملموسة.

3- الله شخصي، أي ثالوث:

هذا الإله الفاعل ليس مجرد إله ذي قوات، بل هو إله شخصي. وحينما يشترك الإنسان في القوات الإلهية، فلا تأخذه قوة مبهمة مغفلة، بل هو يقف وجهاً لوجه أمام شخص. ثم أن الله ليس شخصاً واحداً، محدداً في كائن واحد، بل هو ثالوث من ثلاثة أقانيم، الآب، والابن، والروح القدس، وكل واحد من هؤلاء (يسكن) في الآخرين بفضل حركة من المحبة المستديمة. فالله ليس وحدة فقط بل اتحاد.

4- إلهنا إله متجسد:

ظهر الله على الإنسان ليس فقط من خلال قواته، بل بشخصه بالذات. فالشخص الثاني في الثالوث (إله حق من إله حق)، صار إنساناً: (والكلمة صار جسداً بيننا) (يوحنا 14:1). فما من وحدة أوثق من هذه الوحدة بين الله وخليقته: الله نفسه أصبح واحداً من خلائقه.

مفهوم باقي المسيحيين لله

أما أولئك الذي نشأوا في أجواء تقاليد أخرى فيجدون في بعض الأحيان صعوبة في تقبل تشديد الأرثوذكسيين على اللاهوت التنزيهي وكذلك في التمييز بين الجوهر والطاقات. ولكن في ما عدا هاتين المسألتين، فإن لدى الأرثوذكسيين عن الله نفس المعتقدات التي تؤمن بها غالبية أولئك الذين يسمّون مسيحيين لأنهم جميعاً يعبدون إلهاً واحداً في ثلاثة أقانيم ويعترفون بأن المسيح هو ابن الله المتجسد {خلال الأعوام المئة الأخيرة، وبتأثير الروح العصرية السائدة، تخلى الكثير من البروتستانت ضمنياً عن عقائد الثالوث والتجسد}.

قضية انبثاق الروح القدس (Filioque)

لكن هناك نقطة لا يتفق الشرق والغرب حولها وتتعلق بعقيدة الثالوث: إنها مسألة إضافة كلمة (والابن) على الدستور. وقد رأينا أي دور حاسم كان لهذه الكلمة وحدها في مضمار الانشقاق المؤسف الذي عانى منه العالم المسيحي {راجع: (الكنيسة الأرثوذكسية في الماضي والحاضر)، للمؤلف، منشورات النور (الناشر)}. إلا أنه لو وضعنا جانباً الأهمية التاريخية لقضية (والابن) هذه، فما هو مداها في المجال اللاهوتي ؟ كثيرون من الناس اليوم ومنهم بعض الأرثوذكسيين يميلون إلى اعتبار النزاع غامضاً، تقنياً، وقد يذهبون إلى حد رفضه على أنه لا يستحق الاهتمام. من الناحية اللاهوتية الأرثوذكسية التقليدية لا يوجد سوى جواب واحد: المسألة تقنية وكجميع المسائل المتعلقة بلاهوت الثالوث غامضة ولا شك، ولكنها ليست مجردة من الأهمية. وبما أن عقيدة الثالوث تقع في قلب الإيمان المسيحي، فإن أي اختلاف يسيطر في اللاهوت الثالوثي يؤدي بلا أدنى ريب إلى إحداث انعكاسات على مختلف أوجه الحياة المسيحية والتفكير المسيحي. لنحاول إذاً أن نوضح بعض النقاط المتعلقة بهذا النزاع.

جوهر واحد في ثلاثة أقانيم. الله واحد، والله ثلاثة: فالثالوث القدوس هو سر الوحدة في التعدد وسرّ التعدد في الوحدة. والآب والابن والروح القدس هم (واحد في الجوهر) (Homoousios)، إلا أن كلاً منهم يتميّز من الاثنين الباقيين بخصائص أقنومية. (فالإلهي غير قابل للتجزئة في أجزائه) {غريغوريوس النازينزي، Orations، 31، 14} لأن الأقانيم (يتَّحدون بلا التباس، وهم متميزون، لكنهم غير مجزئين) {يوحنا الدمشقي، في الإيمان الأرثوذكسي 8،1}، (والتميّز والوحدة كلاهما أيضاً متضادان) {غريغوريوس النازينزي، Orations، 25و17}.

ولكن إذا كان لكل أقنوم ميزاته الخاصة، فما الذي يجمع الثالوث القدوس ؟ عن هذا السؤال تجيب الكنيسة الأرثوذكسية، وفقاً لآراء الآباء الكبادوكيين أن الله واحد لأن الآب واحد. وفي التعبير اللاهوتي الآب هو (علة) الألوهة (ومصدرها). وهو مبدأ (arche) الوحدة بين الثلاثة. وفي هذا المعنى تتحدث الأرثوذكسية عن (ملكية) الآب (monarchie). أما الأقنومان الباقيان فيرجع أصلهما للآب ويحددان حسب علاقتهما به. الآب هو مصدر الألوهة، وهو غير مولود ولم ينبثق عن أحد. والابن مولود من الآب منذ الأزل (قبل كل الدهور على حد تعبير دستور الإيمان)، والروح القدس منبثق من الآب منذ الأزل.

ابتداء من هذه النقطة يبدأ الخلاف مع اللاهوت الكاثوليكي. يرى اللاهوت الكاثوليكي أن الروح القدس انبثق من الآب والابن منذ الأزل. وهذا يعني أن الآب لم يعد المصدر الوحيد للألوهة وأن الابن هو مصدر آخر لها. وبما أن مبدأ الوحدة في الألوهة لا يعود محصوراً من جراء ذلك بأقنوم الآب، فإن الكثلكة تجد مبدأ الوحدة في الجوهر الخاص بالأقانيم الثلاثة. في الأرثوذكسية مبدأ وحدة الله مبدأ شخصي، وهو ليس كذلك في الكنيسة الكاثوليكية.

ولكن ماذا تعني كلمة (منبثق) ؟ ما من شيء يمكن تفسيره إلا إذا فهم جيداً معناه. تؤمن الكنيسة بأن المسيح عرف مولدين: مولداً أزلياً، وآخر محدداً في الزمان. ولد من الآب (قبل كل الدهور) كما ولد من العذراء مريم في عهد هيرودوس ملك يهوذا وأوغسطس إمبراطور روما. كذلك ينبغي بالطريقة نفسها إجراء تمييز جلي بين الانبثاق الأزلي للروح القدس وبين رسالته الزمنية، أي إرساله إلى العالم: فالانبثاق يخص العلاقات الموجودة في الألوهة منذ الأزل، والرسالة تخص علاقة الله بالخليقة. وحينما يقول الغرب إن الروح القدس منبثق من الآب والابن، وتقول الأرثوذكسية إنه منبثق من الآب وحده، فإن كلاً من الطرفين لا يشير إلى الفعل الخارجي للثالوث تجاه الخليقة، بل إلى بعض العلاقات الأزلية الموجودة في الألوهة، وهي علاقات كانت موجودة قبل وجود العالم. ولكن في حين أن الأرثوذكسية لا تتفق مع الغرب حول الانبثاق الأزلي للروح القدس، فإنها تتوافق معه بشأن رسالة الروح القدس إلى العالم وتقول بأن الروح القدس مرسل من الابن وأنه فعلاً (روح الابن).

والموقف الأرثوذكسي مرتكز على قول المسيح: (ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي ينبثق من الآب، فهو يشهد لي) (يوحنا، 26:15). المسيح يرسل الروح القدس، لكنّ الروح القدس ينبثق من الآب: هذا ما يعلّمنا إياه الكتاب المقدس، وهذا هو مضمون الإيمان الأرثوذكسي. على أن ما لا تعلّمه الأرثوذكسية وما لم يقله الكتاب المقدس أبداً، هو أن الروح القدس ينبثق من الابن.

والموقف بالنسبة للغرب هو أن الروح القدس ينبثق أزلياً من الآب والابن. وخلافاً لذلك أكد القديس فوتيوس الكبير أن الانبثاق الأزلي هو من الآب وحده وأن الإرسال إلى العالم هو من الابن. لكن الكتّاب البيزنطيين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر – نخص منهم بالذكر غريغوريوس القبرصي بطريرك القسطنطينية من السنة الـ1283 إلى الـ1289 وغريغوريوس بالاماس – ذهبوا في ذلك أبعد ممّا ذهب إليه فوتيوس الكبير، محاولين ردم الهوة بين الشرق والغرب. إنهم اتفقوا ليس فقط على القبول بالرسالة الزمنية، بل كذلك بالظهور الأزلي للروح القدس بواسطة الابن. وحيث تحدّث فوتيوس عن مجرد علاقة زمنية بين الابن والروح، فقد وجدوا علاقة أزلية. لكن غريغوريوس القبرصي وغريغوريوس بالاماس يشاطران فوتيوس الرأي حول النقطة الأساسية: فالروح القدس يظهر بواسطة الابن، لكنه لا ينبثق من الابن، والآب هو الأصل الوحيد والمصدر الوحيد والعلة الوحيدة للألوهة.

تلك هي مواقف كل الكنيستين في خطوطها العريضة. ولنر الآن ما هي اعتراضات الأرثوذكسيين على الموقف الغربي. زيادة عبارة (والابن) تؤدي إلى ازدواجية في الألوهة أو إلى بدعة شبيهة ببدعة سابليوس {سابليوس أحد هراطقة القرن الثاني، ادّعى أن الآب والابن والروح القدس ليسوا بأشخاص ثلاثة مختلفة، بل مظاهر أو أشكال مختلفة للألوهة الواحدة}. ويتساءل الأرثوذكسيون، لو كان الابن كما الآب، مبدأ الألوهة ومصدرها، أفلا يكون قد وُجد إذّاك مصدران مستقلان أو مبدآن مختلفان في الثالوث ؟ حتماً لا، لأن ذلك يوازي الاعتقاد بوجود إلهين. وبالتالي فإن مجمعي ليون (1274) وفلورنسه (1438 – 1439) عنيا عناية فائقة في مجال الإقرار بأن الروح القدس منبثق من الآب والابن، (كما من مبدأ واحد) (Tanquam ex uno principo). ولكن من وجهة النظر الأرثوذكسية، هذا لا يكفي ويبقى الأمر شائكاً، إذ في حين يتجنب هذا التفسير الازدواجية في الألوهة، يبقى أن أقنومي الآب والابن يجري ضمهما وخلطهما. الآباء الكبادوكيون كانوا يرون في (الملكية) الخاصة المميّزة للآب، فهو وحده المبدأ ضمن الثالوث. لكنّ اللاهوت الغربي ينسب تلك الخاصة للآب والابن على حدّ سواء، فيمزج بذلك بين الأقنومين ليجعلهما أقنوماً واحداً. أليس ذلك نوعاً جديداً من (السابليوسية) أو بالأحرى (وحشاً شبه سابليوسي) {P، G، cii 289 B} على حدّ تعبير القديس فوتيوس.

ولندرس عن كثب تهمة شبه السابليوسية هذه. للاهوت الثالوثي الأرثوذكسي مبدأ في الوحدة شخصي، لكن الغرب يجد المبدأ الوحدوي في جوهر الله. ويبدو للأرثوذكسيين أن الطبيعة المشتركة تطغي في اللاهوت الكلامي اللاتيني على الأقانيم وأنه ينظر إلى الله ليس بتطلعات ملموسة وشخصية، بل كجوهر يميّز فيه علاقات متنوعة. هذا النوع من التفكير يبلغ ذروته مع القديس توما الأكويني الذي ذهب إلى حدّ الخلط بين الأقانيم والعلاقات (Personae sunt ipsae relationes) {الخلاصة اللاهوتية، 1، السؤال 40 البند الثاني}. ذلك من شأنه – عند المفكرين الأرثوذكس – أن يعطي فكرة فقيرة عن الشخصية. فالعلاقات، كما يقولون، ليست هي الأشخاص. إنها الخصائص الشخصية للآب والابن والروح القدس. وكما يقول غريغوريوس بالاماس: (إن الخصائص الشخصية ليست الشخص، لكنها تميّز الشخص) {مذكورة في ج. مايندورف، (مدخل لدراسة غريغوريوس بالاماس)، ص294، باريس، 1959}. والعلاقات، على الرغم من أنها تشير إلى الأشخاص، لا تستنفد بأي حال سرّ كلّ منهم.

والمدرسة الكلامية اللاتينية، في تشديدها على الجوهر إلى هذا الحد، على حساب الأقانيم، هي أقرب لأن تجعل الله فكرة مجرّدة. فيصبح كائناً بعيداً، غير شخصي، يُبرهن على وجوده بالحجج الماورائية، ويصبح إله الفلاسفة وليس إله ابراهيم واسحق ويعقوب. والأرثوذكسية بخلاف ذلك أقل شغفاً بالبراهين الفلسفية حول وجود الله. فالمهم ليس ما يبديه المرء من آراء بشأن الألوهة، بل المهم أن يجد لنفسه لقاء مباشراً ومعاشاً مع إله حيّ وشخصي.

تلك بعض الأسباب التي من أجلها ينظر الأرثوذكسيون إلى زيادة عبارة (والابن) على أنها خطرة، إذ تخلط بين الأقانيم وتهدم التوازن الصحيح بين الوحدة والتعدد في الألوهة، وتشدد على وحدة الإله على حساب ثلاثيته. فيعتبر الله بمثابة جوهر مجرّد أكثر مما يعتبره شخصية حيّة.

ثم إن زيادة عبارة (والابن) تولّد لدى الكثيرين من الأرثوذكسيين انطباعاً بأن الروح القدس في التفكير الغربي، أصبح خاضعاً للابن، إن لم يكن نظرياً فتطبيقياً على نحو أكيد. فالغرب لا يولي الانتباه الكافي لعمل الروح القدس في كلّ من العالم والكنيسة والحياة اليومية لكل إنسان.

ويرى المؤلفون الأرثوذكسيون أيضاً أن هاتين النتيجتين الناجمتين عن زيادة عبارة (والابن)، أي تبعية الروح القدس والتركيز المتطرّف على وحدانية الله، أدتا إلى خلق تشويه في العقيدة الكاثوليكية المتعلقة بالكنيسة. وبما أنه لم يُكترث في الغرب لدور الروح القدس، أخذ يُنظر إلى الكنيسة على أنها مؤسسة من مؤسسات هذا العالم تحكم حسب منطوق السلطة الزمنية. وكما أنه شدّد على وحدانية الكنيسة على التعددية فيها، وقد نجمت من ذلك مبالغة في المركزية وأهمية بارزة جداً للسلطة البابوية.

هذا مختصر للموقف الأرثوذكسي بشأن قضية انبثاق الروح القدس، علماً أن ليس كل الأرثوذكسيين ينظرون إلى هذه القضية بنفس التصلب الذي اعتمدنا. ويقول بعضهم إن معظم الانتقادات التي وجهنا تنطبق على أشكال متخلفة من اللاهوت الكلامي وليس على اللاهوت اللاتيني ككل.

الإنسان: خلقه ورسالته وسقوطه:

(لأنك خلقتنا لأجلك، ولن يهدأ قلب لنا حتى يستقر فيك) {أوغسطين، الاعترافات، 1،1} خُلق الإنسان لكي يكون في صحبة الله. ذلك أوّل وأهم تأكيد في العقيدة المسيحية حول الإنسان. لكن الإنسان الذي خلق من أجل أن يكون مع الله رفض، أنى كان، هذه الصحبة. ذاك هو العامل الثاني الذي تأخذه الانتروبولوجيا الكنسية بعين الاعتبار. وتعبّر الكنيسة عن التأكيد الأول بقولها إن الله خلق آدم على صورته ومثاله ووضعه في الفردوس {الفصول الأولى من سفر التكوين تتعلق ببعض الحقائق الدينية ولا يقتضي الأخذ بحرفيتها. فقبل خمسة عشر قرناً من ظهور النقد الكتابي المعاصر، كالآباء اليونانيون يفسرون قصة الخلق والفردوس بطريقة أقرب إلى الرمزية منها الحرفية}، ورفض الإنسان هذا التواصل فحصل ما تسمّيه الكنيسة بسقوط آدم – خطيئته الجديّة – الذي أثّر على الإنسانية جمعاء.

خلق الإنسان:

(قال الله، متكلماً بصيغة الجمع: (لنصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا) (تكوين، 26:1). وكما يردد الآباء اليونانيون باستمرار أن الخلق فعل قام به أقانيم الثالوث الثلاثة، لذلك يجب أن لا يغرب عن بالنا لدى الحديث عن صورة الله ومثاله، أن الصورة والمثال هما للثالوث. وسنرى الأهمية الحيوية لهذه النقطة.

الصورة والمثال:

يرى معظم الآباء أن الصورة والمثال لا يعنيان الشيء نفسه بالضبط. وكتب يوحنا الدمشقي يقول: (تعبير (على صورتنا) يشير إلى العقلانية والحرية في حين يشير تعبير (على مثالنا) إلى التمثل بالله من طريق الفضيلة) {(في الإيمان الأرثوذكسي)، 2، 12}. فالصورة أو (أيقونة) الله على حدّ التعبير اليوناني، تعني حرية الاختيار عند الإنسان، كذلك عقله وحسه بالمسؤولية الأخلاقية، أي كل ما يميّز الإنسان من الخليقة الحيوانية ويجعله (شخصاً). إلا أن الصورة تعني أكثر من ذلك، تعني أننا من (ذرية) الله (أعمال 28:17) ومن نسله، وأن بينه وبيننا نقطة اتصال وتطابق أساسية. والهوة بين الخالق والخليفة ليست بالتي لا يمكن عبورها، لأننا ما دمنا جُعلنا على صورته، فبمستطاعنا أن نعرف الله ونقيم الشركة معه. وإذا استخدم الإنسان إمكانية الشركة مع الله هذه على أحسن وجه، سيصبح (مثل) الله، ويكتسب المثال الإلهي. وبتعبير يوحنا الدمشقي، سيصل إلى (التمثل بالله من طريق الفضيلة). اكتساب (المثال) هذا يعني (التأليه)، أي أن يصبح الإنسان (إلهاً ثانياً)، (إلهاً بالنعمة). (أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم) (المزمور 6:81) {بالنسبة للمزامير نعتمد ترقيم السبعينية. بعض ترجمات الكتاب المقدس تعطي لهذا المزمور الرقم 82}.

الصورة تشير إلى القدرات التي وهبها الله لكل إنسان منذ لحظة وجوده. أما المثال فليس هبة تمنح للإنسان منذ بداية وجوده، بل هدف ينبغي التطلع إليه، شيء لا يمكن الحصول عليه إلا بصورة تدريجية. ومهما يكن الإنسان خاطئاً، فليس بوسعه أن يفقد الصورة، لكن (المثال) منوط باختياره الأخلاقي وفضيلته، ويمكنه بالنتيجة أن يتعرض للهدم تحت وطأة الخطيئة.

وهكذا فإن الإنسان خلق كاملاً ليس في (الواقع) بل في (الإمكانية). وقد مُنحت له الصورة، ودُعيَ لاكتساب (المثال) من طريق جهوده الخاصة، تُؤازره في ذلك بالطبع نعمة الله. كانت حالة آدم الأولى حالة من البراءة والبساطة. يقول القديس ايريناوس: (كان كالطفل الذي لم يكتمل إدراكه بعد. وكان من الضروري له أن ينمو ويصبح كاملاً) {في الكرازة الرسولية، 12}. وضع الله آدم على الطريق القويم، لكن الطريق التي تصل به إلى الهدف النهائي طريق طويلة.

هذه اللوحة عن آدم قبل السقوط تختلف عن اللوحة التي رسمها الطوباوي أغسطين والتي تقبّلها الغرب عموماً منذ عهده. يرى أغسطين أن الإنسان كان في الفردوس منذ اللحظة الأولى بكل ما أعطي له من حكمة ومعرفة: فلم يكن كماله قط (بالإمكانية)، بل كان كمالاً (ناجزاً). إن المفهوم الدينامي لدى ايريناوس أقرب إلى النظريات العصرية حول التطور من المفهوم الجامد لأغسطين. ولكن بما أن كلا الاثنين يتحدثان كرجلي لاهوت وليس كعالمين، فليس بوسع الفرضيات العلمية أن تدعم آراءهما أو تدحضها.

لقد ربط الغرب معظم الأحيان بين صورة الله وعقل الإنسان. ومع أن الكثيرين من الأرثوذكسيين يرون هذا الرأي، فإن آخرين يقولون أنه بما أن الإنسان كل تام، فإن صورة الله تشمل كل شخصه جسداً وروحاً معاً. يقول غريغوريوس بالاماس: (حينما نقول أن الله خلق الإنسان على صورته، فإن كلمة إنسان لا تعني الروح بحد ذاتها، ولا الجسد بحد ذاته بل الاثنين معاً) {P.G. cl، 1361 C}. وكون الإنسان ذا جسد، لا يجعله، في رأي غريغوريوس، أدنى من الملائكة بل ارفع شأناً منهم. صحيح أن الملائكة أرواح (خالصة) في حين أن طبيعة الإنسان (مختلطة)، أي إنها مادية بقدر ما هي عقلية، ولكن ذلك يشير فقط إلى أن طبيعة الإنسان أكمل من طبيعة الملائكة وأغنى بالإمكانيات. والإنسان عالم صغير وجسر بين خلائق الله كلها ونقطة التقاءها جميعاً.

ولصورة الله في الإنسان مكانة عظيمة الأهمية بالنسبة للتفكير الديني الأرثوذكسي. فالإنسان (لاهوت حي) وحيث أنه أيقونة الله، فبوسعه أن يعثر على الله إذا ما نظر إلى صميم قلبه هو، إذا (عاد إلى نفسه). (ملكوت الله في داخلكم) (لوقا 21:17). ويقول القديس أنطونيوس الكبير: (اعرفوا أنفسكم... الذي يعرف نفسه يعرف الله) {رسالته الثالثة}. ويقول القديس اسحق السرياني (نهاية القرن السابع): (إذا كنت طاهراً فالسماء هي فيك، وسترى في داخلك الملائكة ورب الملائكة) {مذكورة في (الأرثوذكسية)، لبول أفدوكيموف، ص88}. وقد قيل عن القديس باخوميوس: (في طهارة قلبه، أبصر الله الذي لا يُرى، وكأنه في مرآة) {أول سيرة يونانية،22}.

وحيث أن كل فرد من أفراد البشر هو أيقونة لله، فإن أكثر الناس خطيئة ثمين جداً في نظر الله. يقول إقليمس الإسكندري (متوفي عام 215): (عندما تبصر أخاك تبصر الله) {الستروماتا، 1، 19}. وعلّم ايفاغريوس أنه (بعد الله، علينا أن نعتبر كل إنسان كأنه الله نفسه) {في الصلاة، 123}. ويُعبّر عن هذا الاحترام لكل كائن بشري في الخدمات الليتورجية الأرثوذكسية، حين لا يكتفي الكاهن بتبخير الأيقونات، بل يبخر كل أفراد الجماعة، محيياً صورة الله في كل إنسان. (الإنسان خير أيقونة لله) {الأرثوذكسية، لبول أفدوكيموف، ص218}.

النعمة وحرية الإنسان:

كما سبق ورأينا، إن كون الإنسان قد خلق على صورة الله يعني في ما يعنيه أنه يملك إرادة حرة. فالله أراد لنفسه أبناء وليس عبيداً. والكنيسة الأرثوذكسية ترفض كل عقيدة للنعمة تنقص من حرية الإنسان. وتستعمل الأرثوذكسية تعبير Synergeia (السينرجية) أو (التآزر) للتدليل على الصلات بين النعمة الإلهية وحرية الإنسان.

وقد ورد عند بولس الرسول (بأننا نحن عاملون مع الله (synergoi)) (1كورنثوس 9:3). وليس بوسع الإنسان أن يحقق الشركة الكاملة مع الله بدون مساعدة الله، ولكن ينبغي له أن يساهم هو أيضاً في هذه العملية. وعلى الرغم من أن ما يفعله الله أعظم بكثير مما يمكن أن يفعله الإنسان، فإن عليهما كليهما الإسهام في العمل المشترك. (إن التصاق الإنسان بالمسيح واتحاده مع الله يستوجبان تعاون هاتين القوتين غير المتكافئتين والضروريتين في آن، وهما نعمة الله وإرادة الإنسان) {الروحانية الشرقية، لراهب من الكنيسة الشرقية، ص23}. ووالدة الإله هي المثال الرائع لهذا (التآزر)، كما سنرى فيما بعد.

منذ عهد أغسطين وشيوع بدعة بيلاجيوس ناقش الغرب مسألة النعمة وحرية المصير على أصعدة مختلفة بعض الشيء. وكثيرون من أولئك الذين نشأوا على تقليد أغسطين ولا سيما الكلفينيون، يتطلعون ببعض التحفظ إلى الفكرة الأرثوذكسية حول (التآزر) (السينرجية): أفلا تعطي الكثير من الأهمية لإرادة الإنسان والقليل لله ؟ لكن التعليم الأرثوذكسي واضح جداً: (هاأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه) (رؤيا 20:3). الله يدق، لكنه ينتظر الإنسان كي يفتح الباب: فهو لا يحطمه. ونعمة الله تدعو الناس جميعاً لكنها لا ترغم أحداً. وفي تعبير يوحنا الذهبي الفم، (الله لا يجذب أي إنسان إليه بالقوة أو العنف. إنه يرغب في خلاص الجميع، لكنه لا يرغم أحداً) {العظة حول كلمات (شاول، شاول...)، 6(P.G.li،144)}. ويقول القديس كيرلّس الأورشليمي: (على الله أن يمنح نعمته. وعليك أنت أن تتقبلها وتحتفظ بها) {في (عظاته التعليمية)، 1، 4}. ولكن لا يظنن أحد بأن الإنسان، إذا ما حصل على نعمة الله وحافظ عليها يكون قد حاز على (استحقاق) ما. فهبات الله هي دائماً مجانية، وليس للإنسان أي حق على خالقه. ولكن في الوقت الذي لا (يستحق) الإنسان فيه الخلاص، عليه أن يعمل من أجله لأنه وفقاً لما كتب: (الإيمان إن لم يكن له أعمال، ميت في ذاته) (يعقوب 17:2).

السقوط والخطيئة (الجدّية):

زوّد الله آدم بحرية المصير أي بالقدرة على الاختيار بين الخير والشر. وبالتالي فقد أُلقي على عاتق آدم قبول ما صمّمه له الله أو رفضه وقد اختار آدم الرفض. وبدل متابعة الطريق التي أرشده إليها الله، عمد على تغيير اتجاهه وعصى الله. ويكمن سقوط آدم بصورة رئيسية في عصيانه إرادة الله. فقد وضع إرادته مقابل إرادة الله وبمبادرته الشخصية هذه فصل نفسه عن الله. نجم عن ذلك ظهور المرض والموت إلى الوجود على وجه البسيطة. وبتحوّله عن الله، الذي هو الخلود والحياة، جعل الإنسان نفسه في وضع معاكس لطبيعته. هذا الوضع غير الطبيعي أدّى إلى حتمية تمزق الكيان الإنساني والموت الجسدي. وامتدت نتائج عصيان آدم إلى جميع ذريته. نحن أعضاء بعضنا البعض كما ردّد الرسول بولس باستمرار، فإذا تألم عضو من الأعضاء تألم الجسد كله. وبسبب هذه الوحدة السرية للجنس البشري، لم يكن آدم وحده هو الذي خضع للموت، بل أُخضعت له الإنسانية جمعاء. كذلك لم يكن التمزق الذي نتج من السقوط مادياً فقط بل كان معنوياً أيضاً. فبعد انفصال آدم وذريته عن الله أصبحوا تحت سلطة الخطيئة والشيطان. وكل كائن بشري بات ينشأ في عالم تسوده الخطيئة، عالم يهون فيه عمل الشر ويصعب عمل الخير. ووهنت إرادة الإنسان نتيجة ما أسماه اليونانيون (الشهوة) وأسماه اللاتين (الميل للملاذ). ونحن جميعاً عرضة لهذه النتائج الروحية الناجمة عن الخطيئة (الجدّية).

حتى الآن، تتفق الأرثوذكسية مع الكثلكة والبروتستانتية الكلاسيكية في هذا المجال. ولكن الآراء تتباين في ما يتجاوز هذه النقطة. فبالنسبة للأرثوذكسية سقوط آدم لم يكن من مستوى عال من المعرفة والكمال، إنما من حالة بساطة غير متطورة. لذا فلا ينبغي محاكمته على خطئه بكثير من القساوة. ومن الأكيد أن السوط قد أظلم عقل الإنسان وأضعف إرادته إلى حد لم يعد معه بإمكانه أن يأمل بتحقيق مثال الله. إلا أن الأرثوذكسيين لا يرون بأن السقوط قد جرّد الإنسان تماماً من نعمة الله، علماً أنهم يقولون بأن هذه النعمة بعد السقوط تؤثر على الإنسان من الخارج وليس من الداخل.

لا يشاطر الأرثوذكسيون كالفين وجهة نظره القائلة بأن الإنسان بعد السقوط أصبح فاسداً كلياً وعاجزاً على أن يشعر بأي شعور طيّب كذلك ليسوا على وفاق مع أغسطين حينما يكتب بأن الإنسان تحت رحمة (رغبة جامحة) في ارتكاب الخطيئة، وإن (طبيعة الإنسان قد قهرتها الخطيئة التي سقط فيها والتي بها فقد حريته) {(حول كمال استقامة الإنسان)، 4، 9}. لقد تشوّهت صورة الله بفعل الخطيئة، لكنها لم تتلف قط. وبحسب كلمات الترنيمة التي ترتل في المآتم الأرثوذكسية: (أنا مثال صورة مجدك الذي لا يوصف، وإن كنت حاملاً آثار الزلات). وحيث أنه مازال يحمل صورة الله، فإن الإنسان يحتفظ أيضاً بحرية مصيره، حتى ولو حدت الخطيئة من مدى تطبيق هذه الحرية. وحتى بعد السقوط، فإن الله (لا ينتزع من الإنسان قوة الإرادة، أي قوة الخيار بين طاعة الله أو عصيانه) {دوسيتيوس، اعتراف، القرار3. وقارن أيضاً بالقرار14}. وانطلاقاً من فكرة (التآزر) ترفض الأرثوذكسية جميع تفسيرات السقوط التي لا تدع مكاناً لحرية الإنسان.

معظم اللاهوتيين الأرثوذكسيين يرفضون فكرة مسؤولية الخطيئة الأصلية التي تكلم عنها أغسطين والتي ما تزال (ولو على نحو ملطف) مقبولة من الكنيسة الكاثوليكية. والمفهوم الأرثوذكسي على العموم يقضي بأن الإنسان قد ورث بصورة آلية عن آدم القابلية للفساد والموت لكنه لم يرث مسؤولية خطيئة آدم بحد ذاتها، إذ إنه ليس مذنباً إلا بمقدار ما ينسج على منوال آدم بملء اختياره. ويتعقد الكثيرون من المسيحيين الغربيين بأن الإنسان بعد السقوط عاجز عن القيام بأي شيء يرضي الله مهما كان نوعه، لأنه لا يستطيع أداء أي أمر لا تشوبه الخطيئة الجدّية. هذا التفكير غريب عن الفكر الأرثوذكسي. فما من أرثوذكسي يفكر مثلاً كما فعل أغسطين والعديد من الغربيين الآخرين، بأن الأطفال الذين يموتون بدون معمودية، لكونهم ملطخين بالخطيئة الأصلية، سيصلون نار الجحيم الأبدية بمشيئة الله العادل. فالصورة التي ترسمها الأرثوذكسية عن الإنسانية الساقطة هي أقل سواداً من التي رسمها أغسطين أو كالفين.

لكن الأرثوذكسية على الرغم من تأكيدها على أن الإنسان يحتفظ بحرية مصيره بعد السقوط وأنه قادر على عمل الخير، تتفق مع الغرب حول الاعتقاد بأن ثمة حاجزاً رفعته الخطيئة بين الإنسان والله وأن ليس بوسع الإنسان هدمه بمحض جهوده. فالخطيئة سدّت طريق الاتحاد مع الله. وبما أنه لم يكن بمقدور الإنسان أن يذهب إلى الله فإن الله هو الذي أتى إليه.

يسوع المسيح:

التجسد:

التجسد فعل محبة الله للبشر. ويدّعي العديد من المؤلفين الشرقيين بأنه حتى ولو لم يكن الإنسان قد تعرّض للسقوط، فإن الله في محبته للبشر، كان سيصير إنساناً. ويقولون أيضاً إنه يقتضي فهم التجسد على أنه جزء من قصد الله الأبدي وليس مجرّد ردّ على السقوط. تلك كانت وجهة نظر مكسيموس المعترف واسحق السرياني، وكذلك كانت آراء بعض اللاهوتيين الغربيين ولاسيّما دنيس سكوت (1265 - 1308).

لكن، بسقوط الإنسان، لم يعد التجسد مجرّد فعل محبة، بل فعل خلاص. ويسوع المسيح، إذ وحَّد في شخصه الله والإنسان، فتح أمام الإنسان من جديد طريق الوحدة مع الله. وقد برهن المسيح بشخصه عمّن هو (المثال) الحقيقي لله. كما وضع هذا (المثال) في متناول الإنسان من طريق موته المنقذ والظافر. والمسيح، آدم الثاني، جاء إلى الأرض وقلب نتائج عصيان آدم الأول رأساً على عقب.

وردت العناصر الأساسية الخاصة بالعقيدة الأرثوذكسية حول المسيح في الفصل الثاني من هذا الكتاب {وهو الفصل الثاني من كتاب (الكنيسة الأرثوذكسية في الماضي والحاضر)، للمؤلف، منشورات النور (الناشر)} وهي تتمحور حول التأكيدات التالية: (إله كامل وإنسان كامل)، (أقنوم واحد في طبيعتين بلا انفصال ولا التباس)، (شخص واحد بإرادتين وفعلين).

إله كامل وإنسان كامل:

كما قال ثيوفانس المعتزل: (وراء حجاب جسد المسيح، يبصر المسيحيون الله الثالوث). تشير هذه الكلمات بوضوح إلى ما يمكن اعتباره أكثر معالم التعليم الأرثوذكسي حول المسيح بروزاً، ألا وهو الشعور الحاسم بمجده الإلهي. وقد تجلى هذا المجد الإلهي بنوع خاص خلال فترتين من حياة المسيح: في التجلي على قمة ثابور حينما شعّ نور ألوهيته غير المخلوق عبر غلاف جسده، وفي القيامة حين فُتح القبر تحت ضغط الحياة الإلهية وبُعث المسيح الغالب حياً من بين الأموات. ولهذين الحدثين مكان أساسي في الروحانية والعبادة الأرثوذكسيتين. وعيد التجلي واحد من الأعياد السيدية الاثني عشر الكبرى في التقويم البيزنطي، ويحتل مكانة أكثر أهمية في السنة الطقسية الشرقية مما يحتله في الغرب. وقد سبق أن لاحظنا أهمية النور غير المخلوق في العقيدة الأرثوذكسية حول الصلاة الصوفية {راجع المرجع نفسه (الناشر)}. أما بالنسبة للقيامة فيمكن القول إن حياة الكنيسة الأرثوذكسية كلها مفعمة بروحها.

لكم من الخطأ ألا نرى في الأرثوذكسية سوى تكريم مجد المسيح الإلهي، فضلاً عن تعييد لتجلّيه وقيامته. وعلى الرغم من عظمة تكريمها لمجد المسيح، فإن الأرثوذكسية لا تغفل إنسانيته مطلقاً. والدليل على ذلك يكمن في المحبة التي يكنها الأرثوذكسيون للأراضي المقدسة، إذ ما من شيء يسمو فوق الإجلال العميق الذي يكنّه الفلاّحون الروس للأماكن التي عاش فيها المسيح كإنسان، حيث أكل وعلَّم وتألم ومات كإنسان. كذلك فإن فرح القيامة لا يجعل الأرثوذكسية تخفف من أهمية الصليب. فالصلب في الكنائس الشرقية، لا يقلّ تمثيلاً بالرموز عمّا هو عليه في الكنائس الأخرى، كما أن تكريم الصليب أشدّ بروزاً في الطقس البيزنطي منه في الطقس اللاتيني.

ينبغي إذاً رفض الزعم السائد عموماً والقائل بأن المسيحية الشرقية تشدد على المسيح القائم من بين الأموات، بينما تشدد المسيحية الغربية على المسيح المصلوب. إذا كان لا بدّ من مقارنة بين الشرق والغرب في هذا المجال، فالأجدى القول بأن نظرتهما إلى الصلب مختلفة بعض الشيء وإن كانتا تنطلقان من جوهر واحد. فالوقف الأرثوذكسي حول الصلب يُعبَّر عنه بكل بلاغته في الترانيم التي تُرتَل يوم الجمعة العظيمة، ومنها:

(المرتدي النور كالسربال

يمثل عارياً أمام القضاء.

يلطم على خدّيه

بأيد صنعها بنفسه.

جماعة مخالفي الناموس سَمَّرت على الصليب

ملك المجد).

في يوم الجمعة العظيمة، لا تفكر الكنيسة الأرثوذكسية فقط بآلام المسيح الجسدية، بل تقابل بين التواضع الظاهر والمجد الحقيقي. إن الأرثوذكسية لا تبصر إنسانية المسيح المتألمة فقط، بل إنها ترى دوماً الإله المتألم:

(اليوم عُلِّق على خشبة

الذي عَلَّق الأرض على المياه.

إكليل من شوكٍ وُضِع على هامة ملك الملائكة.

برفيراً كاذباً تسربل

الذي وشح السماء بالغيوم...).

ووراء حجاب جسد المسيح الجريح والممزق، تُميِّز الأرثوذكسية على الدوام الإله الثالوث، وبالنسبة إليها حتى الجلجلة هي بمثابة ظهور إلهي. لذلك في يوم الجمعة العظيمة بالذات تترنم الكنيسة بفرح القيامة:

(... نسجد لآلامك أيها المسيح

فأرنا قيامتك المجيدة ! ...).

وأيضاً:

(أمجد آلامك

وأُسبح دفنك وقيامتك

هاتفاً: ربي المجد لك !).

وليس بالإمكان فصل الصلب عن القيامة، فهما يظهران في عمل واحد، ويُنظر إلى الجلجلة دائماً في ضوء نور القبر الفارغ. فالصليب هو علامة الغلبة. وحين يفكر الأرثوذكسي بالمسيح المصلوب، فلا يخطر في باله آلامه وحزنه وحسب، بل يشاهد المسيح المنتصر، المسيح الملك الظافر من على خشبة الصليب.

والمسيح ملكنا الظافر، ليس ظفره برغم الصلب وإنما بفضله: (ادعوه ملكاً، لأنني أراه مصلوباً) {يوحنا الذهبي الفم، العظة الثانية حول الصليب واللص،3}.

تلك هي الروح التي ينظر بها المسيحيون الأرثوذكسيون إلى موت المسيح على الصليب. فبينهم وبين مسيحي الغرب، في القرون الوسطى والقرون التي عقبتها، تشابه كبير بالطبع. إلا أن في الآراء الغربية بعض الأمور التي تزعج الأرثوذكسيين، إذ يبدو لهم أن الغرب ميال للتركيز على الصلب تركيزاً مفرطاً، بحيث يعزلونه عن القيامة بطريقة حادة وهكذا تحل رؤية إنسانية المسيح المعذبة محلّ رؤية الإله المتألم، وبالتالي يُدفع معظم الأحيان المؤمن الغربي، عند تأمله الصليب وإلى شعور مفرط من الحسرة على رجل الآلام، عوض أن يُدفع إلى عبادة الملك الظافر والمنتصر.

فحينما تتطلع الأرثوذكسية إلى المسيح الظافر قبل كل شيء، يتطلع غرب العصر الوسيط والعصر الذي عقبه إلى المسيح الضحية أولاً. وبينما تفسر الأرثوذكسية فعل الصلب على أنه بالدرجة الأولى انتصار ظافر على قوة الشر، يميل الغرب، وبنوع خاص مذ عهد انسلموس رئيس أساقفة كانتربري (حوالي 1033 – 1109)، إلى التفكير في أمر الصليب بتعابير قانونية وجزائية، أو باعتبار عملية الصلب عملاً استعطافياً للإرضاء أو الإبدال، من أجل تهدئة غضب الآب الحانق.

ولكن لا ينبغي لنا أن نذهب بعيداً في مجال هذه التناقضات، ذاك أن العديد من اللاهوتيين الشرقيين طبّقوا، على غرار الغربيين، اللغة القانونية والجزائية عندما تكلموا عن الصلب. كذلك فإن اللاهوتيين الغربيين، شأن الشرقيين أيضاً، لم ينفكّوا عن اعتبار الجمعة العظيمة يوم انتصار للمسيح. ويلاحظ في الغرب خلال السنوات الأخيرة إحياء الفكرة الآبائية للمسيح الغالب (Christus Victor) في اللاهوت والروحانية والفن. إنه تجديد يسجّله الأرثوذكسيون باغتباط.

الروح القدس:

في عملهما بين البشر، يتكامل أقنوما الثالوث الثاني والثالث. فلا يمكن النظر إلى عمل المسيح الفدائي بمعزل على العمل التقديسي الذي يقوم به الروح القدس. وكما قال أثناسيوس الكبير، تجسد الكلمة حتى يصبح بإمكاننا تقبل الروح القدس {في التجسد وضد الآريوسيين)، 8}. فمن وجهة النظر هذه، كل (هدف) التجسد يكمن في إرسال الروح القدس يوم العنصرة.

وتشدد الكنيسة الأرثوذكسية كثيراً على عمل الروح القدس. وكما سبقت الإشارة، أن أحد المآخذ الأرثوذكسية على زيادة عبارة (والابن) على دستور الإيمان اعتبارها تعبر عن ميل لإخضاع الروح القدس والتقليل من شأنه. وفي رأي القديس سيرافيم ساروفسكي، إن الهدف الوحيد للحياة المسيحية هو (اكتساب الروح القدس)، كما يقول في مستهل حديثه مع صديقه موتوفيلوف:

(الصلاة والصوم والسهرانيات وجميع الممارسات المسيحية، على الرغم من أهميتها بحدّ ذاتها، فإنها لا تمثل قط هدف حياتنا المسيحية: فإنها ليست سوى وسائل، ضرورية كل الضرورة، من أجل بلوغ هذا الهدف. ذاك أن الهدف الحقيقي للحياة المسيحية هو اكتساب روح الله القدوس. أما الصوم والسهرانيات والصلاة والصدقات جميع الأعمال الخيرة التي تُعمل باسم المسيح، فليست كلها سوى وسائل لاكتساب روح الله القدوس. ويقتضي الانتباه بنوع خاص أن الأعمال الحسنة التي تُعمل باسم المسيح، هي وحدها التي تجلب إلينا مواهب الروح القدس) {راجع النص الكامل في(سرافيم ساروفسكي)، سلسلة (القدّيسون)، منشورات النور، 1982 (الناشر)}.

وعقّب فلاديمير لوسكي على ذلك بقوله: (هذا التعريف الذي يبدو لأول وهلة شديد التبسيط، يلخص مجمل التقليد الروحي للكنيسة الأرثوذكسية) {(مدخل إلى اللاهوت الصوفي للكنيسة الشرقية)، ص196}. وكما يقول ثيودوروس تلميذ القديس باخوميوس: (لا شيء أعظم من اكتساب الروح القدس) {السيرة اليونانية الأولى لباخوميوس، 135}.

وستسنح لنا الفرصة في الفصل اللاحق لتحديد مكان الروح القدس في العقيدة الأرثوذكسية المتعلقة بالكنيسة. وسنرى بعد ذلك دور الروح القدس في العبادة الأرثوذكسية. ففي كل عمل يتعلق بالأسرار الكنسية، وخاصة أثناء القداس الإلهي عند الاستحالة، تستدعي الكنيسة الروح القدس للحضور في وسطها. في كل نهار، عندما يتلو المسيحي الأرثوذكسي صلواته اليومية، يضع نفسه تحت حماية الروح القدس، فيستهّل صلاته قائلاً: (أيها الملك السماوي، المعزّي، روح الحق، الحاضر في كل مكان وصقع والمالئ الكل، كنز الصالحات ورازق الحياة، هلم واسكن فينا، وطهرنا من كل دنس، وخلص أيها الصالح نفوسنا).

شركاء الطبيعة الإلهية:

هدف الحياة المسيحية الذي وصفه سيرافيم على أنه اكتساب الروح القدس، يمكن تعريفه أيضاً بعبارة (التأليه) (Théosis). وقد صوَّر باسيليوس الكبير الإنسان على أنه مخلوق أُمر بأن يصبح إلهاً، أما أثناسيوس فقال بأن الله صار إنساناً لكي يصبح الإنسان إلهاً. (في ملكوتي، يقول المسيح، سأكون الله وأنتم آلهة معي) {الطروبارية الثالثة، الأودية الرابعة لقانون صلاة السحر يوم الخميس العظيم}. ذلك هو، وفقاً لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية، الهدف النهائي الذي يجب أن يتطلع إليه كل مسيحي: أن يصبح إلهاً، أن يبلغ (التأليه). ففي مفهوم الأرثوذكسية، فداء الإنسان وخلاصه يعنيان (تأليه).

وراء عقيدة (التأليه) هذه تكمن فكرة الإنسان المخلوق على صورة الله الثالوث ومثاله. صلّى المسيح أثناء العشاء الأخير قائلاً: (ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا) (يو21:17). وكما أن أقانيم الثالوث الثلاثة (يقيمون) الواحد في الآخر، عبر حركة متواصلة من المحبة، هكذا الإنسان الذي جُعل على صورة الثالوث، مدعو (للإقامة) في الله الثالوث. المسيح صلّى من أجل أن نتمكن من مشاطرة حياة الثالوث، في حركة المحبة التي تسري بين الأقانيم الإلهية، صلّى من أجل أن (نُختطف) في الألوهة. والقديسون، كما يقول مكسيموس المعترف، هم أولئك الذي يعبِّرون في أنفسهم عن الثالوث القدوس. هذه الفكرة حول الاتحاد الشخصي والعضوي بين الله والإنسان، حول كون الله ساكناً فينا ونحن فيه، موضوع سائد في إنجيل يوحنا، وهو يظهر أيضاً مراراً في رسائل بولس الرسول الذي يتطلع إلى الحياة المسيحية على أنها، قبل كل شي، (حياة في المسيح). ونعثر على الفكرة عينها في النص الشهير لرسالة بطرس الثانية: (... قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية) (بطر 4:1). فالعقيدة الأرثوذكسية المتعلقة في (التأليه) ليست كما يظن البعض، غير مستندة على النصوص الكتابية، ولكنها ذات جذور كتابية راسخة ليس فقط في رسالة بطرس الرسول الثانية، بل كذلك عند القديس بولس وفي الإنجيل الرابع.

وحينما نذكر (التأليه) علينا أن نتذكر دائماً الفارق بين جوهر الله وقواته. فالاتحاد مع الله اتحاد مع القوات الإلهية وليس مع الجوهر الإلهي. والكنيسة الأرثوذكسية في مفهومها للاتحاد و (التأليه) ترفض كل شكل من أشكال الحلولية.

وثمة نقطة أخرى ترتبط بهذه ولها نفس أهميتها. الاتحاد الصوفي بين الله والإنسان هو اتحاد حقيقي، لكنه اتحاد لا يندمج فيه الخالق والمخلوق في كائن واحد. وعلى عكس الديانات الشرقية القديمة التي تعلِّم بأن الإنسان تمتصه الألوهة، فإن اللاهوت الصوفي الأرثوذكسي شدد دائماً على أن الإنسان، لا يفقد كيانه الشخصي مطلقاً مهما كان وثيق الصلة بالله. والإنسان، حين يتأله، يظلّ متميّزاً (وليس منفصلاً) عن الله. وسر الثالوث هو سر الوحدة في التعدّد، وأولئك الذين يعبِّرون في أنفسهم عن الثالوث، لا يضحّون بخصائصهم الشخصية. وحين كتب القديس مكسيموس المعترف: (إن الله وأولئك الذين هم جديرون به، لهم نفس القوة الواحدة) {P.G.Xci،1076c}، فإنه لم يعن بذلك أن القديسين يفقدون حرية الإرادة، ولكنه عنى أنهم، عندما يتألهون، فإنهم، بملء الحرية والمحبة يخضعون مشيئتهم لمشيئة الله. وكذلك لا يبتعد الإنسان (المتأله) عن كيانه البشري: (نظل من الخليقة مع كوننا أصبحنا آلهة بالنعمة، كما ظلّ المسيح إلهاً عندما أصبح إنساناً بالتجسد) {لوسكي، (مدخل إلى اللاهوت الصوفي للكنيسة الشرقية)، ص87}. فالإنسان لا يصبح إلهاً بالطبيعة بل (إله مخلوق)، إله بالنعمة.

و (التأليه) يخص الجسد أيضاً. وحيث أن الإنسان وحدة من جسد وروح، وحيث أن المسيح المتجسد أنقذ الإنسان بأكمله وخلّصه، فإن (جسد الإنسان يتأله في الوقت نفسه الذي تتأله فيه روحه) {مكسيموس المعترف، (الفصول المئة الغنوصية)، 2، 88}. ففي هذا (المثال) الإلهي الذي دُعي الإنسان إلى تحقيقه في ذاته، للجسد مكانه الخاص. كتب بولس الرسول: (إن جسدكم هو هيكل للروح القدس) (1كور 19:6)، (فأطلب إليكم، أيها الأخوة، برأفة الله أن تقدّموا أجسادكم ذبيحة حيّة مقدسة مرضية عند الله) (رو1:12). لكن التأليه الكامل للجسد لا يمكن بلوغه قبل اليوم الأخير، وحتى مجد القديسين في حياتنا الحاضرة ليس سوى بهاء داخلي، بهاء الروح وحدها. ولكن حين يقوم الصالحون من بين الأموات ويرتدون جسداً روحياً، فإن قداستهم ستظهر إذّاك للعيان. (في يوم القيامة، يأتي مجد الروح القدس من الداخل، مزيّناً ومغطّياً أجساد القديسين، ذلك المجد الذي كانوا يتمتعون به قبلاً كظل مختبئ في نفوسهم. وما يتمتع به الإنسان اليوم، سيظهر إذاك خارج جسده) {مواعظ مكاريوس، 5، 9. أن تجليّ هذا الجسد القائم هو الذي يحاول رسّام الأيقونات التعبير عنه رمزياً، فهو يحافظ إذاً على الملامح الأساسية والمميزة للقديس، لكنه يتجنب عن عمد تمثيل رسمه الحقيقي (الفوتوغرافي). فرسم البشر كما هم الآن، يوازي رسمهم في حالة السقوط، بأجسادهم (التي من لحم ودم) وليس بأجسادهم (السماوية)}. وسوف تتجلّى أجساد القديسين في ظاهرها بفعل النور الإلهي، كما تجلّى جسد المسيح على قمة ثابور. (ينبغي لنا أن نتطلع أيضاً إلى ربيع الجسد) {مينوسيوس فليكس (أواخر القرن الثاني)، اوكتافيوس، 34}.

لكنّ بعض القديسين اختبروا، في هذه الحياة، طلائع هذا المجد الجسدي المنظور. والقديس سيرافيم ساروفسكي، أشهر هؤلاء، ليس الوحيد الذي عاش هذه الخبرة. فتلامذة ارسانيوس الكبير، شاهدوه حين كان يصلّي (تماماً كأنه النار) {(أقوال آباء الصحراء)، ارسانيوس، 27}. ويُروى عن أحد آباء الصحراء: (كما أُعطي لموسى مسحة من صورة مجد آدم، حين هيأ محيّاه، كذلك وجه الأنبا بامبو كان يلمع كوميض البرق وكان كملك جالس على عرشه) {(أقوال آباء الصحراء)، بامبو، 12. قارن أيضاً مع سيسوه، 14 وسلفانوس، 12. ويروي ابيفانيوس في سيرته لحياة القديس سرجيوس، رئيس دير رادونيج، أن جسد القديس كان يلمع مجداً بعد وفاته. يُقال أحياناً أن التجليّ بالنور الإلهي يوازي، لدى القديسين الأرثوذكسيين، ظهور آثار آلام المسيح (stigmates) لدى بعض القديسين الغربيين. ولكن لا ينبغي اتخاذ مواقف نهائية بصدد هذه المقارنات، إذ نعثر في الغرب على بعض حالات التمجيد الجسدي، كما أن ظهور آثار آلام السيد معروف أيضاً في الشرق. وفي النص القبطي المتعلق بحياة القديس مكاريوس المصري، ورد أن شيروبيما ظهر عليه، وأخذ مقاس صدره، و (صلبه على الأرض)}. وقد قال غريغوريوس بالاماس: (إذا دُعي الجسد في الدهر الآتي لمشاطرة الروح غبطتها التي لا توصف، فمن المؤكد أن عليه قدر الإمكان أن ينال نصيبه منها منذ الآن) {توموس الجبل المقدس، P.G.CI، 1233 c}.

ومن هذا الاعتقاد بأن الجسد يتقدس ويتجلّى مع الروح، يشتق ذاك الاحترام الكبير الذي يكنّه الأرثوذكسيون لبقايا القديسين أو الذخائر. إنهم يؤمنون بأن نعمة الله، الحاضرة في أجساد القديسين خلال حياتهم، إنما تستمر في بقاياهم بعد وفاتهم، وأن الله يستعمل تلك الذخائر للتعبير عن قدرته الإلهية التي تجعل منها أدوات للشفاء. وثمة حالات نجد فيها أجساد القديسين وقد سلمت من الانحلال بشكل عجائبي. ولكن حتى لو لم يحدث هذا الأمر، فإن الأرثوذكسيين يبدون الإجلال عينه تجاه الرفات. ومرد هذا الاحترام لا يرجع للجهل أو التطيّر، لكنه ثمرة اللاهوت الرفيع المتعلق بالجسد.

وليس جسد الإنسان وحده هو الذي سوف يتجلّى بل الخليقة جمعاء: (ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا) (رؤيا1:21). والإنسان المخلَّص لا يُنتزع من بين سائر الخليقة، لكن الخليقة ينبغي لها أن تخلّص وتتجلى معه. (والأيقونات، كما رأينا، هي البوادر الأولى لفداء المادة هذا). (ذلك أن الخليقة المنتظرة تصبو إلى وحي أبناء الله... على أمل أن يتمّ إنقاذها هي الأخرى من عبودية الفساد، من أجل أن تلج إلى حرية مجد أبناء الله، لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله. فإننا نعلم أن كل الخليقة تئنّ وتتمخض معاً إلى الآن) (رو 19:8- 22). وفكرة هذا الفداء الكوني، مثل النظرة الأرثوذكسية حول جسد الإنسان والأيقونات، تستند إلى فهم صحيح لدور التجسد: المسيح اتخذ جسداً، وهو شيء يدخل في الميدان المادي، وبذلك جعل الفداء والتحول ممكنين لجميع الخليقة، ليس خليقة العالم الروحاني فقط بل العالم المادي أيضاً.

هذا الكلام المتعلق بالتأليه والاتحاد مع الله وتجلّي الجسد والكون وفدائهما، قد يبدو بعيداً جداً عن خبرة المسيحيين العاديين، لكنّ الأمر ليس على هذا النحو إلاّ إذا أسيء فهم المعنى الأرثوذكسي للتأليه. ومن أجل إبعاد أي تفسير خاطئ من هذا النوع، تقتضي الإشارة بنوع خاص لهذه النقاط الست:

أولاً، التأليه ليس مخصصاً لفئة معيّنة من الناس، بل هو متاح للجميع، وتعتبره الكنيسة الأرثوذكسية الهدف الطبيعي لكل مسيحي، بلا استثناء. وإذا كان من المؤكد أننا لن نتأله كلياً إلا في اليوم الأخير، فإن عملية التأليه، لكل منا، يجب أن تبدأ، هنا ومنذ الآن. وفي الحقيقة إن الذين يستطيعون بلوغ كمال الوحدة الصوفية مع الله هم في هذه الحياة قلائل. لكنّ كل مسيحي حقيقي يسعى لمحبة الله وحفظ وصاياه، والإنسان الذي يثابر على السير في هذا الطريق، مهما كان ضعيفاً في محاولاته، ومهما تعددت عثراته، لا بد وأن يكون قد أصابه بعض التأله.

ثانياً، كون الإنسان يتأله لا يعني أنه لم يعد يعاني الخطيئة. بل على العكس، التأليه يفترض دائماً التوبة المستمرة. فالقديس، مهما كان متقدماً في سلم القداسة، لا يتخلّى عن استعمال كلمات صلاة يسوع: (يا يسوع ابن الله ارحمني أنا الخاطئ). وكان الأب سلوان من رهبان جبل آثوس يقول: (احفظ فكرك في الجحيم ولا تيأس أبداً) {راجع: (الراهب سلوان والحرب اللامنظورة)، منشورات النور (الناشر)}. كذلك ردّد قديسون أرثوذكسيون آخرون: (كلهم سيخلصون، أنا وحدي سأهلك). ويولي المؤلفون الروحيون الشرقيون اهتماماً كبيراً لـ (عطية الدموع) {راجع: (سر عطية الدموع في الشرق المسيحي)، منشورات النور (الناشر)}. فاللاهوت الصوفي الأرثوذكسي لاهوت مجد وتجلٍ، كما هو لاهوت توبة.

ثالثاً، ليس من شيء سحري أو خارق للعادة في السبل التي ينبغي أن نسلكها من أجل أن نتأله. وإذا سأل سائل: (كيف لي أن أصبح إلهاً ؟)، سيكون الجواب بسيطاً جداً: (يجب أن تذهب إلى الكنيسة، أن تواظب على الأسرار بصورة منتظمة، أن تصلّي (بالروح والحق)، أن تطالع الأناجيل وأن تعمل بالوصايا). ويجب أن نتذكر دائماً أن (نعمل بالوصايا). فالأرثوذكسية، تماماً كما المسيحية الغربية، ترفض بحزم كل نوع من أنواع التصوّف الذي يسعى إلى التملص من القوانين الأخلاقية.

رابعاً، التأليه ليس عملية انزوائية، بل عملية (اجتماعية). رأينا أننا نصل إلى التأليه (بإتباع الوصايا) والمسيح لخّص لنا هذه الوصايا باثنتين هما محبة الله ومحبة القريب. هاتان الوصيّتان لا تنفصلان: فالإنسان لا يستطيع أن يحب قريبه محبته لنفسه ما لم يحب الله فوق الجميع، كما لا يستطيع الإنسان أن يحب الله ما لم يحب إخوته البشر (1يو 20:4). وهكذا فلا توجد أية أنانية في عملية التأليه، إذ يتأله الإنسان فقط إذا أحب قريبه. يقول أنطونيوس الكبير: (من قريبنا تأتي الحياة ومنه يأتي الموت. إذا حزنا على قلب قريبنا، حزنا على الله، وإذا كنّا سبباً في سقوط قريبنا، نكون قد أخطأنا بحق المسيح {(أقوال آباء الصحراء)، أنطونيوس، 9}. والإنسان الذي جُعل على (صورة) الثالوث، لا يستطيع تحقيق (المثال) الإلهي ما لم يعش حياة مشتركة شبيهة بحياة الثالوث القدوس: وكما أن الأقانيم الثلاثة (يقيم) واحدهم في الآخر، هكذا الإنسان ينبغي أن (يقيم) في البشر الآخرين، فلا يعيش لشخصه وحده، بل يعيش في الآخرين ومن أجلهم. يقول أحد آباء الصحراء: (لو قُيِّض لي أن أعثر على مجزوم أعطيه جسدي وآخذ جسده، لفعلت ذلك بفرح، لأن هذا هو الحب الكامل) {(أقوال آباء الصحراء)، اغاثو، 26}. يحدد هذا القول الطبيعة العميقة للتأليه.

خامساً، محبة الله ومحبة البشر ينبغي لها أن تكون (عملية)، فالأرثوذكسية ترفض جميع أشكال المحبة المجردة التي لا تترجم إلى عمل إيجابي. والتأليه، وإن كان يبلغ أعلى درجات التجربة الصوفية، فإن له جانباً واقعياً وملموساً. وحينما نفكر بالتأليه، لا بدّ أن نفكر (بالهادئين) المصلّين بصمت وسكون، وبوجه القديس سيرافيم المتجلي. ولكن ينبغي أيضاً ألا ننسى القديس باسيليوس الكبير وهو يُعنى بالمرضى في مستشفى القيصرية، أو القديس يوحنا الرحيم وهو يساعد الفقراء في الإسكندرية أو القديس سرجيوس في خرقه البالية وهو يعمل فلاحاً في الحديقة كي يستطيع سدّ حاجات ضيوف الدير. هذان النمطان من الحياة لا يتناقضان بل يتكاملان.

أخيراً، فإن التأليه يفترض حياة في الكنيسة، حياة في الأسرار المقدسة. والتأليه يفترض حياة الشركة على مثال الثالوث القدوس، ولا يمكن لهذه الحياة أن تتحقق فعلاً إلاّ في الكنيسة. فالكنيسة والأسرار هي الوسائل التي وضعها الله في متناول الإنسان كي يكتسب الروح المقدِّس ويتحوّل وفقاً للمثال الإلهي.

كتاب: الكنيسة الأرثوذكسية: إيمان وعقيدة
الفصل الثاني: الله والإنسان
تأليف: الأسقف كاليستوس (تيموثي) وير

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع