Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


(المسيح أحب الكنيسة ووهب نفسه من أجلها) (اف 25:5).
(الكنيسة واحدة مع السيد، هي جسده ومن لحمه وعظامه. والكنيسة هي الكرمة الحية، التي تغتذي منه وتنمو فيه. لاتفكر أبداً بالكنيسة بمعزل عن الرب يسوع المسيح والآب والروح القدس). يوحنا كرونشتادت

الله والكنيسة:

كل مسيحي أرثوذكسي يعي بقوة أنه ينتمي لجماعة. ويقول خومياكوف: (نحن نعلم بأنه حين يسقط واحد منّا، لا بدّ أن يسقط وحده، ولكن ما من أحد يخلُص وحده. يخلُص في الكنيسة، كواحد من أعضائها وبشركة مع سائر أعضائها) {(الكنيسة واحدة)، القسم التاسع}.

رأينا في القسيم الأول من هذا الكتاب {أي كتاب (الكنيسة الأرثوذكسية في الماضي والحاضر)، للمؤلف، منشورات النور (الناشر)} بعض ما يميز العقيدة الأرثوذكسية عن العقيدة في كنائس الغرب، فعلى عكس البروتستانتية تشدّد الكنيسة الأرثوذكسية على البنية التسلسلية للكنيسة، وعلى الخلافة الرسولية فيها وكذلك الأسقفية والكهنوت. والكنيسة الأرثوذكسية تتفق مع رومية في تكريم القديسين والصلاة من أجل الموتى. ولكن في حين تفكر رومية بمنطق التفوّق والسلطة الشاملة للبابا، نجد الأرثوذكسية تفكر بمنطق مجمعية الأساقفة والمجمع المسكوني. وحيث تضع كنيسة رومية عصمة البابا في المقدمة، تشدد الأرثوذكسية على عصمة الكنيسة بمجملها. والجانبان ليسا دائماً منصفين كل الإنصاف لبعضهما البعض، ولكن يبدو للأرثوذكسيين أن رومية على العموم تستسهل النظر إلى الكنيسة كسلطة زمنية وتنظيم. كما يبدو للكاثوليك أن التعاليم الأرثوذكسية المتعلقة بالكنيسة، مهما علا شأنها من النواحي الروحية والصوفية، تبقى مبهمة وغير متماسكة وناقصة. وبوسع الأرثوذكسية أن ترّد على ذلك بأنها لا تهمل كلياً التنظيم الزمني للكنيسة، ومن يقرأ قوانين {راجع: (مجموعة الشرع الكنسي)، منشورات النور (الناشر)} الكنيسة الأرثوذكسية يرى كيف أن شرائعها دقيقة ومضبوطة.

لكنّ الفكرة التي تحملها الأرثوذكسية عن الكنيسة هي بالتأكيد روحية وصوفية، بمعنى أن اللاهوت الأرثوذكسي لا يعالج أبداً أي منحى زمني للكنيسة على حدة، بل ينظر إليها على الدوام بالنسبة لصلتها بالمسيح والروح القدس {راجع (آراء أرثوذكسية في الكنيسة) لمجموعة من اللاهوتيين و (مدخل إلى العقيدة المسيحية) لكوستي بندلي ومجموعة من المؤلفين، منشورات النور (الناشر)}. وكل تفكير أرثوذكسي في أمور الكنيسة، يرجع دائماً إلى العلاقة الخاصة الكائنة بينها وبين الله. وهناك ثلاث عبارات تصف هذه العلاقة: فالكنيسة هي:

  • أولاً، صورة الثالوث القدوس،
  • ثانياً، جسد المسيح،
  • ثالثاً، امتداد العنصرة.

الكنيسة صورة الثالوث القدوس

وكما أن الإنسان خُلق على صورة الله الثالوث، كذلك فإن الكنيسة بكليتها أيقونة للثالوث، وهي تُظهر على الأرض سر الوحدة في التعدد. في الثالوث، يكوّن الأقانيم الثلاثة إلهاً واحداً، لكن كلاً منهم هو شخص كامل. وعلى النحو نفسه توحِّد الكنيسة في داخلها تعدد الكائنات البشرية، لكنها لا تؤثر على التباين الشخصي في ما بينهم. وكما أن الأقانيم الثلاثة (يقيمون) واحدهم في الآخر، كذلك أعضاء الكنيسة هم بدورهم يتعاضدون. وليس ثمة نزاع في الكنيسة بين الحرية والسلطة. فهناك وحدة في الكنيسة ولكن لا وحدانية شاملة تنفي التعدد والاختلاف. وحين يطلق الأرثوذكسيون على الكنيسة صفة (الجامعة)، فإنهم يضعون نصب أعينهم، في ما يضعون، تلك الأعجوبة الحية لاتحاد أشخاص متعددين في واحد.

ولمفهوم الكنيسة على أنها أيقونة حية للثالوث، تطبيقات عديدة. (الوحدة في التعدد): فكما أن كل أقنوم من أقانيم الثالوث مستقل بذاته، كذلك فإن الكنيسة مؤلفة من العديد من الكنائس المستقلة. وكما أن الأقانيم الثلاثة متساوون في الثالوث، كذلك ما من أسقف في الكنيسة يمكنه الزعم أنه يتمتع بسلطة مطلقة على الآخرين.

هذه الفكرة عن الكنيسة على أنها أيقونة للثالوث، تساعد أيضاً على إدراك التركيز الأرثوذكسي على المجامع: فالمجمع هو تعبير عن طبيعة الكنيسة الثالوثية. ففيه نشهد سر الوحدة في التعدد يتمثّل وفقاً لصورة الثالوث، حينما يتوصلّ الأساقفة العديدون، المجتمعون بدون إكراه، لقرار واحد مشترك من إلهام الروح القدس.

وكما أن تعددية الكنيسة متعلقة بأقنوم الروح القدس، فوحدة الكنيسة مرتبطة ارتباطاً خاصاً بأقنوم الابن أي بالمسيح.

الكنيسة جسد المسيح

(هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح) (رو5:12). بين المسيح والكنيسة أوثق ما تكون الصلة، وفي عبارة لاغناطيوس الأنطاكي: (حيث يكون المسيح، تكون الكنيسة الجامعة) {رسالته إلى أهل أزمير، 8، 2. راجع (الآباء الرسوليون)، منشورات النور}. والكنيسة امتداد للتجسد والمكان الذي يستمر فيه. وكما كتب أحد اللاهوتيين اليونان، خرستوس أندروتسوس، الكنيسة هي (مركز وأداة عمل المسيح الخلاصي... وما هي إلا استمرار وامتداد لسلطته النبوية والكهنوتية والملكية... والكنيسة ومؤسسها متصلان اتصالاً لا تنفصم عراه... الكنيسة هي المسيح معنا) {(اللاهوت العقائدي)، أثينا، 1907، ص262 إلى265}. والمسيح لم يترك الكنيسة حين صعد إلى السماء، إذ وعد: (ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر) (متى20:28)، وأيضاً: (حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم) (متى20:18).

وتتم الوحدة بين المسيح والكنيسة بصورة رئيسية من خلال الأسرار المقدسة: فبالمعمودية يدفن المرء وينهض مع المسيح، وفي سر الشكر يشترك أعضاء جسد المسيح، أي الكنيسة، بجسده. والإفخارستيا، إذ توحِّد أعضاء الكنيسة مع المسيح، فإنها في الوقت نفسه توحِّد فيما بينهم: (فإننا نحن الكثيرين خبز واحد وجسد واحد لأننا جميعاً نشترك في الخبز الواحد) (1كور17:10). والإفخارستيا هي التي تنشئ وحدة الكنيسة. فالكنيسة، كما رأى اغناطيوس الأنطاكي، مجتمع إفخارستي وكيان أسراري، يوجد في أكمل وجوهه حيث يقام سر الشكر. وليس من قبيل المصادفة أن يكون معنى تعبير (جسد المسيح) يدل على الكنيسة وعلى سر الشكر معاً، وأن تدل عبارة (شركة القديسين) في (دستور إيمان الرسل) على (شركة الشعب المقدس) (أي شركة القديسين) وعلى (شركة القدسات) (أي الشركة في الأسرار).

وينبغي لنا أن نفكر بالكنيسة بمنطق الأسرار أولاً. فتنظيمها الخارجي، مهما علا شأنه، يأتي في المرتبة الثانية بعد حياة الأسرار فيها.

الكنيسة امتداد العنصرة

التأكيد إلى هذا الحدّ على أن الكنيسة جسد المسيح قد يكون على حساب دور الروح القدس. ولكن كما سبق وأشرنا، يكمِّل الابن والروح القدس واحدهما دور الآخر في عملهما بين البشر، وهذا المبدأ صحيح في عقيدة الكنيسة كما في أي أمر آخر. وفي حين قال اغناطيوس الأنطاكي إنه (حيثما يكون المسيح، تكون الكنيسة الجامعة)، يؤكد ايريناوس بحق أيضاً أنه (حيثما تكون الكنيسة، يكون الروح القدس، وحيثما يكون الروح القدس تكون الكنيسة) {(ضد الهرطقات)، 3، 24، 1}. فكون الكنيسة جسداً للمسيح يعني بالضبط أنها أيضاً هيكل الروح القدس ومحل إقامته.

والروح القدس هو روح حرية. ففي حين يوحِّدنا المسيح، يعمل الروح القدس على تأمين تعدديتنا اللامتناهية ضمن الكنيسة. في العنصرة، كانت الألسنة النارية مقسومة، تنزل على كل شخص حاضر منفرداً. هبة الروح القدس هي هبة للكنيسة، لكنها في نفس الوقت هبة شخصية يستوعبها كل إنسان على طريقته. (فأنواع مواهب موجودة ولكنّ الروح واحد) (1كور4:12). والحياة في الكنيسة لا تعني غياب الميزات الخاصة، ولا تستوجب فرض نموذج موحد جامد على الجميع، بل على العكس تماماً. القديسون لم يتصرفوا أبداً وفقاً لرتابة قاتمة، بل برهنوا على أنهم شخصيات متمايزة جداً. فليست القداسة مملّة ورتيبة وإنما الشر هو مصدر الضجر.

الكنيسة منظورة وغير منظورة:

تلك هي إذاً بإيجاز، العلاقة الموجودة بين الكنيسة والله. فالكنيسة التي هي أيقونة الثالوث القدوس وجسد المسيح وملء الروح، هي في آن منظورة وغير منظورة، إلهية وبشرية. هي منظورة لأنها مكوّنة من جماعات حسّية تصلّي على الأرض. وهي غير منظورة لأنها أيضاً كنيسة القديسين والملائكة. وهي بشرية لأن أعضاءها على الأرض خطأة، وهي إلهية لأنها جسد المسيح. وليس ثمة فصل بين المنظور وغير المنظور، لأن كليهما يكوّنان حقيقة فريدة مستمرة. (الكنيسة المنظورة، أي الكنيسة التي على الأرض، تعيش في شركة ووحدة كاملة مع كل جسد الكنيسة الذي يرئسه المسيح) {خومياكوف، (الكنيسة واحدة)، القسم الثاني}. تقف الكنيسة عند نقطة تقاطع الدهر الحاضر والدهر الآتي، وهي تعيش في كلا الدهرين معاً.

والأرثوذكسية، في الوقت الذي تستخدم فيه عبارة (كنيسة منظورة وكنيسة غير منظورة)، تؤكد على عدم وجود كنيستين بل كنيسة واحدة. ويقول اللاهوتي الروسي الشهير خومياكوف في هذا الصدد: (فقط بالنسبة للإنسان يمكن قبول التفريق بين الكنيسة المنظورة والكنيسة غير المنظورة، ذاك أن وحدتها هي في الواقع وحدة حقيقية مطلقة. فأولئك الذين لا يزالون في هذا العالم، وأولئك الذين فرغوا من تطوافهم الأرضي، وأولئك الذين على غرار الملائكة لم يولدوا ليحيوا على هذه الأرض، وأولئك المنتمون للأجيال المقبلة الذين لم يبدأوا بعد حياتهم البشرية، جميعهم يتّحدون في الكنيسة الواحدة، في نعمة الله الوحيدة... الكنيسة، جسد المسيح، تتكامل وتتمثل عبر الزمان بدون أي تغيّر في وحدتها الأساسية وحياة النعمة فيها. لذا فإن الحديث عن الكنيسة المنظورة وغير المنظورة، حديث بالنسبة للإنسان فقط) {(الكنيسة واحدة)، القسم الأول}.

فالكنيسة، في رأي خومياكوف، تكتمل على الأرض دون أن تفقد خصائصها الأساسية. وهي في رأي الأب جورج فلوروفكسي (الصورة الحسية للأبدية في الزمان) {(سوبورنوست: جامعية الكنيسة)، في (كنيسة الله)، ص63}. وهذه نقطة أساسية في التعاليم الأرثوذكسية. فالأرثوذكسية لا تكتفي بالإيمان بكنيسة مثالية غير منظورة وسماوية، لأن هذه (الكنيسة المثالية) موجودة على الأرض بشكل منظور ضمن حقيقة ملموسة.

كنيسة التائبين:

والأرثوذكسية لا تنسى أن في الكنيسة عنصراً بشرياً إلى جانب العنصر الإلهي. فعقيدة خلقيدونية تنطبق على الكنيسة والمسيح على حد سواء. وكما أن للمسيح، الإنسان – الإله، طبيعتين إلهية وبشرية، فإن في الكنيسة تآزر (Synergeia) بين الإلهي والبشري. إلاّ أن هناك فارقاً واضحاً بين إنسانية المسيح وإنسانية الكنيسة، فالأولى كاملة وبدون خطيئة، في حين أن الثانية لم تبلغ تماماً هذا المستوى بعد. هناك قسم من إنسانية الكنيسة – كالقديس الذي هو في السموات – بلغ وحده حالة الكمال، في حين يحدث معظم الأحيان على هذه الأرض، أن يسيء أعضاء الكنيسة استعمال حريتهم الإنسانية. فالكنيسة على الأرض موجودة في حالة من التوتر المستمر. إنها جسد المسيح، وبالتالي كاملة وبدون خطيئة، ولكن بما أن أعضاءها ناقصون وخطأة، فعليها أن (تصبح نفسها) {فكرة أن (تصبح نفسها) هي الكلمة الفصل في التعليم الأخروي للعهد الجديد} بصورة مستمرة.

لكن خطيئة الإنسان لا تؤثر على الطبيعة الجوهرية للكنيسة. فليس بمقدورنا القول إنه طالما أن المسيحيين يخطئون وأنهم غير كاملين، فالكنيسة أيضاً ناقصة وخاطئة. لأن الكنيسة، حتى على هذه الأرض، شيء من السماء ولا يسعها أن تخطئ. كان القديس أفرام السرياني على حق حين تحدث عن (كنيسة التائبين وكنيسة الهالكين)، لكن هذه الكنيسة بالذات هي في نفس الوقت أيقونة الثالوث. فكيف يمكن أن يكون أعضاء الكنيسة من الخطأة ومع ذلك ينتمون الكنيسة من الخطأة ومع ذلك ينتمون إلى شركة القديسين ؟ (إن سر الكنيسة يتمثل في أن الخطأة يصبحون معاً شيئاً مختلفاً عمّا هو لكل واحد منهم على حدة. هذا (الشيء المختلف) هو جسد المسيح) {مايندورف، (ماذا يوحِّد الكنيسة ؟)، في (المجلة المسكونية)، العدد 12، سنة 1960،ص 298}.

تلك هي الطريقة التي تقترب بها الأرثوذكسية من سر الكنيسة: فالكنيسة بكليتها متصلة بالله، وهي حياة جديدة على صورة الثالوث القدوس، حياة في المسيح والروح القدس تتحقق بالمشاركة في الأسرار المقدسة. والكنيسة حقيقة واحدة أرضية وسماوية، منظورة وغير منظورة، بشرية وإلهية.

وحدة الكنيسة:

(الكنيسة واحدة. ووحدتها ناتجة حتماً عن وحدانية الله) {(الكنيسة واحدة)، القسم الأول}. ذلك استهلال خومياكوف لبحثه الشهير عن الكنيسة. وإذا نظرنا بجدية إلى الصلة التي تربط الله بالكنيسة، فلا يسعنا إلا أن نفكر بأن الكنيسة واحدة في الواقع، كما أن الله واحد. فليس هناك سوى مسيح واحد، ولا يمكن بالتالي أن يوجد سوى جسد واحد للمسيح. هذه الوحدة ليست وحدة مثلى وغير منظورة فقط، فاللاهوت الأرثوذكسي يرفض فصل الكنيسة (غير المنظورة) عن الكنيسة (المنظورة)، ويرفض بالتالي القول بأن الكنيسة من حيث لا تُرى واحدة، ولكن بمقدار ما تظهر للعيان فهي متجزئة. كلا، فالكنيسة واحدة بمعنى أنه ليس على الأرض سوى جماعة واحدة منظورة تستطيع أن تدّعي أنها الكنيسة الحقيقية. والكنيسة غير المجزّأة ليست مجرد شيء وُجد في الماضي ويرجو الناس أن يوجد مرة ثانية في المستقبل، بل إنه شيء موجود هنا وفي الحاضر. والوحدة إحدى الخصائص الأساسية التي تميّز الكنيسة. وبما أن الكنيسة على الأرض، رغم خطايا أعضائها، تحافظ على خصائصها الرئيسية، فتبقى دائماً في الحاضر وفي المستقبل واحدة بشكل منظور. وقد ينشق البعض عن الكنيسة، ولكن ليس قط من انشقاقات في الكنيسة. ومع أن مثل هذه الانشقاقات على المستوى الإنساني تفقر حياة الكنيسة على نحو مريع، فإنها لا تؤثر إطلاقاً في جوهر طبيعة الكنيسة.

في تعاليمها المتعلقة بموضوع الوحدة المنظورة للكنيسة، تبدو الأرثوذكسية أقرب بكثير إلى الكثلكة منها إلى البروتستانتية. ولكن إذا ما تساءلنا كيف تتم المحافظة على هذه الوحدة المنظورة، فسوف لا يعطي كل من رومية والشرق الأجوبة نفسها. في رأي رومية أن البابا هو المبدأ الموحِّد، حيث تمتد سلطته إلى جسم الكنيسة بمجمله، في حين لا يعتقد الأرثوذكسيون أن لأي أسقف سلطة شاملة على الكون. فما الذي يحقق إذاً وحدة الكنيسة بالنسبة للأرثوذكسية؟ إنه المشاركة في الأسرار المقدسة. واللاهوت الأرثوذكسي حول الكنيسة هو قبل كل شيء لاهوت الكنيسة. فكل كنيسة محلّية تتكوّن، على حد رأي اغناطيوس الأنطاكي، حين يجتمع المؤمنون حول أسقفهم لإقامة سر الشكر. وكذلك تتكوّن الكنيسة الجامعة بشركة كافة رؤساء الكنائس المحلّية مع بعضهم البعض. فالوحدة ليست مفروضة من الخارج عن طريق سلطة حبر أعظم، بل تتولّد من الداخل عند القيام بسر الشكر. وهيكلية الكنيسة ليست بالهيكلية الملكية، المرتكزة على سلطة رئيس واحد، بل هي جماعية تتكوّن من طريق شركة الأساقفة في ما بينهم وشركة كل واحد منهم مع شعبه. فعل الشركة إذاً هو مقياس العضوية في الكنيسة. والفرد يفقد عضويته في الكنيسة إذا قطع الشركة مع أسقفه، والأسقف يفقد عضويته في الكنيسة إذا انقطع عن الشركة مع سائر الأساقفة.

والأرثوذكسية، التي تؤمن أن الكنيسة على الأرض لا تزال واحدة، وأنه ينبغي لها أن تظل كذلك بشكل منظور، تؤمن أيضاً أنها هي ذاتها تلك الكنيسة الواحدة المنظورة. ذلك ادّعاء جريء، وقد يبدو للكثيرين وكأن فيه غطرسة، لكنهم بذلك يكونون قد أساؤوا فهم الروح الذي يختلج في الأرثوذكسية عندما تقول هذا القول. يعتقد الأرثوذكسيون أن كنيستهم هي الكنيسة الحقيقية، ليس بسبب جدارة أحد وإنما بنعمة الله. ويقولون مع بولس الرسول: (ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية ليكون فضل القوة لله لا منّا) (2كور 7:4). ومع اعتقادهم أنهم غير مستحقين، فإن الأرثوذكسيين مقتنعين بكل تواضع بأنهم تلقوا من الله هذه الهبة الفريدة وهذا الكنز الثمين. فإذا ما ادّعوا عدم امتلاكهما، يكونون قد ارتكبوا خيانة بحق السماء.

لا خلاص خارج الكنيسة:

إلى جانب التعاليم المتعلقة بوحدة الكنيسة، تعلّم الأرثوذكسية أيضاً بأنه لا يوجد أي خلاص خارج الكنيسة. يرتكز هذا الاعتقاد على الأساس نفسه الذي يرتكز إليه الاعتقاد بعدم إمكانية تعرض وحدة الكنيسة للتصدع، أي يرتكز على عمق الصلة بين الله وكنيسته. وكما يقول القديس كبريانوس: (ليس بمقدور أي إنسان أن يتخذ الله أباً، ما لم يتخذ الكنيسة أماً) {(في وحدة الكنيسة الجامعة)، 6}. تلك بالنسبة إليه حقيقة بديهية، إذ لم يكن بوسعه أن يفصل بين الله والكنيسة. إن تدبير الله الخلاصي يصل إلينا من خلال جسده، أي في الكنيسة. (فتكمن قوة هذا القول المأثور (لا خلاص خارج الكنيسة) في تكرار الكلام: لا يوجد خلاص خارج الكنيسة لأن الكنيسة هي الخلاص) {فلوروفسكي، (جامعية الكنيسة) في (كنيسة الله)، ص 53}. ولكن هل ينبغي لنا أن نستنتج بأن كل من لا ينتمي إلى الكنيسة بشكل منظور لا بدّ وأن يكون مصيره الهلاك ؟ بالطبع لا، كما أنه من غير المنطقي الاعتقاد بأن الانتساب المنظور للكنيسة يعني بالضرورة نيل الخلاص، إذ كما لاحظ المغبوط أغسطين بحكمة: (كم في الخارج من نعاج، وكم في الداخل من ذئاب) {مواعظ في إنجيل يوحنا، 14، 12}. وكما أنه لا يوجد أي انفصام بين الكنيسة (المنظورة) والكنيسة (غير المنظورة)، يمكن أن يوجد في الكنيسة أناس، الله وحده يعلم بعضويتهم. نحن نؤمن بأنه من أجل الخلاص يجب الانتساب بمعنى ما للكنيسة، ولكن ليس بمقدورنا دائماً أن نقول بأي معنى يكون الانتساب وكيف {راجع الفصل السابع من هذا الكتاب}.

عصمة الكنيسة:

الكنيسة معصومة عن الخطأ، والعصمة عائدة بالطبع إلى عدم قابلية الوحدة بين الله والكنيسة للانحلال وإلى كون المسيح والروح القدس لا يسعهما الوقوع في الخطأ. وبما أن الكنيسة جسد المسيح، وبما أنها عنصرة مستمرة، فلا يسعها إلا أن تكون معصومة عن الخطأ. إنها (عمود الحق وقاعدته) (1تيمو 15:3). (وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق) (يو13:16). المسيح وعد بذلك أثناء العشاء الأخير، والأرثوذكسية تؤمن بأنه لا بدّ لوعد المسيح من أن يتحقق. وكما قال دوسيتيوس: (نؤمن بأن الروح القدس يُرشد الكنيسة، ونؤمن بالتالي ونعترف اعترافنا بالحقيقة المطلقة أنه يستحيل على الكنيسة الجامعة أن تقع في الخطأ، أو أن تضلّ أو تختار الكذب بدل الحقيقة) {اعترافه، 12}.

وتعبّر الكنيسة عن عصمتها بنوع خاص في المجامع المسكونية. ولكن قبل أن نتمكن من إدراك معنى ما يمثله المجمع المسكوني، ينبغي لنا أن نعترف على المكانة التي يحتلها كلّ من الأساقفة والعلمانيين في الكنيسة الأرثوذكسية.

الأساقفة والعلمانيون:

الكنيسة الأرثوذكسية ذات هرم تسلسلي. والخلافة الرسولية للأساقفة عنصر أساسي في هيكليتها. يقول دوسيتيوس: (إن الأسقف ضروري جداً في الكنيسة إذ بدونه لا وجود للكنيسة أو للمسيحي، وما كان بالإمكان مجرد التكلم عنهما. فالأسقف صورة حية لله على الأرض... وينبوع جميع أسرار الكنيسة الجامعة التي بها نحصل على الخلاص) {اعترافه، 10}. ويقول كبريانوس: (إذا كان أحدهم ضد الأسقف، فإنه خارج الكنيسة) {الرسالة 96، 8}.

عند انتخابه ورسامته يُعطى الأسقف الأرثوذكسي سلطة مثلثة:

  • أ- الإدارة والتوجيه.
  • ب- التعليم.
  • ج- إقامة الأسرار.

أولاً، الأسقف مقام من الله كي يرشد ويقود القطيع الموكل إليه. فهو (ملك) في أبرشيته.

ثانياً، الأسقف، عند رسامته، يتلقى موهبة خاصة من الروح القدس يصبح بموجبها معلماً للإيمان. ويقوم بوظيفته التعليمية هذه بنوع خاص حين يلقي العظة أثناء القداس الإلهي. وحين يقوم أعضاء آخرون من أعضاء الكنيسة - كهنة أو علمانيين - بإلقاء العظات، فإنهم يقومون بذلك بصفتهم منتدبين من الأسقف. ولكن على الرغم من الموهبة الخاصة التي حصل عليها، فقد يتعرض الأسف للخطأ في تعليمه: فمبدأ (التآزر) يطبق هنا أيضاً، والعنصر الإلهي لا يستبعد العنصر البشري. فالأسقف إنسان، وهو بالتالي معرَّض للخطأ. الكنيسة معصومة عن الخطأ، ولكن لا توجد عصمة عند الأشخاص.

ثالثاً، الأسقف، كما يقول دوسيتيوس، (ينبوع جميع الأسرار). في الكنيسة الأولى كان الأسقف هو الذي يقيم دوماً خدمة الإفخارستيا، وحين يقيم الكاهن القداس الإلهي في أيامنا هذه، فإنه يفعل ذلك كمندوب عن أسقفه.

لكن الكنيسة ليست تسلسلية فقط، بل هي نبوّية وتتحرك بمواهب ونعم الروح. (لا تطفئوا الروح. لا تحتقروا النبوءات) (1تسا 19:5- 20). يحلّ الروح القدس على جميع شعب الله. هناك كهنوت خاص مكرّس مؤلف من أساقفة وكهنة وشمامسة، ولكن شعب الله كله هو شعب أنبياء وكهنة في نفس الوقت. كان يوجد، في الكنيسة الرسولية، إلى جانب نعمة الكهنوت المنقولة بوضع الأيدي، مواهب أخرى يمنحها الروح القدس مباشرة: وقد أورد بولس الرسول في هذا الصدد (مواهب الشفاء) و (التكلم بالألسنة)، و (صنع العجائب)، إلى ما هنالك (1كور28:12- 30).

ولا يُعثر على هذه المواهب إلاّ نادراً في أيامنا هذه، لكنّ الكنيسة لم تخلُ منها على الإطلاق. وعلى سبيل المثال نذكر موهبة (المَشْيَخَة الروحية) في روسيا خلال القرن التاسع عشر، والتي لم تكن تُمنح بواسطة رسامة خاصة، بل كانت تمارس من قبل العلماني أو الأسقف أو الكاهن على حد سواء. وكان لسيرافيم ساروفسكي وآباء أوبتينو في ذلك العصر أثر يفوق أثر أي أسقف.

وحديثاً أبرز بعض اللاهوتيين الروس المهاجرين هذه الناحية (الروحية) مقابل الناحية (المؤسسية) في حياة الكنيسة. وقد سبق أن شدّد على هذه الناحية بعض الآباء البيزنطيين ومنهم سمعان اللاهوتي الجديد. وحصل أكثر من مرة في تاريخ الأرثوذكسية أن دخل (الكارزماتيون) في نزاع مع الرئاسة الكنسية. ولكن ليس ثمة تناقض في النهاية بين هذين العنصرين من عناصر الكنيسة، فكلاهما يتحرك بفعل الروح القدس نفسه.

وللأسقف سلطات الملك والحاكم، ولكن يجب ألا تفهم هذه العبارات بالمعنى الحرفي الصرف، لأن الأسقف في ممارسة صلاحياته يسترشد بقانون المحبة المسيحية. فليس هو مستبداً، بل أب. هذا الموقف الأرثوذكسي تجاه الأسقف معبَّر عنه بوضوح في إحدى صلوات خدمة رسامة الأساقفة: (أنت أيها المسيح اجعل هذا المُقام مدبراً لنعمة رئاسة الكهنوت مقتدياً بك أيها الراعي الحقيقي، واضعاً نفسه عن خرافك، مرشداً للعميان، نوراً للذين في الظلام، مؤدباً للجهال، معلماً للأطفال، مصباحاً في العالم، حتى إذا ما ثقَّف النفوس المؤتمن عليها في الحياة الحاضرة وقف أمام مذبحك بلا خزي، ونال الأجر العظيم الذي أعددته للمجاهدين في تعليم إنجيلك).

سلطة الأسقف هي في جوهرها سلطة الكنيسة. فمهما سمت امتيازاته فلا يمكنه أبداً أن يكون فوق الكنيسة، بل يبقى صاحب امتياز في الكنيسة. ويشكل الأسقف والشعب وحدة عضوية لا يسوغ فصلها عن بعضها. فبدون أسقف لن يكون هناك شعب أرثوذكسي. ولكن لن يوجد الأسقف الحقيقي بدون شعب أرثوذكسي. يقول كبريانوس: (الكنيسة هي الشعب في اتحاد والأسقف، هي القطيع المرتبط براعيه. والأسقف هو في الكنيسة والكنيسة في الأسقف) {الرسالة 96، 8}.

والعلاقات بين الأسقف وقطيعه علاقات متبادلة: الأسقف مُقام من الله ليعلِّم الإيمان ولكن ليس الأساقفة وحدهم حماة الإيمان، بل إن شعب الله كله، أساقفة وكهنة وعلمانيين، هو الذي يحافظ على الإيمان. إن إعلان الحقيقة ليس كامتلاكها. فالمؤمنون يمتلكون الحقيقة، لكن مهمة الأسقف إعلانها. والعصمة تخص الكنيسة بمجملها ولا تخص الأساقفة منفردين. وقد سبق للبطاركة الأرثوذكسيين أن كتبوا للبابا بيوس التاسع السنة الـ1848: (ما من بطريرك أو مجمع يستطيع أن يُدخل إلى صفوفنا تعليماً جديداً، لأن المحافظ على الإيمان هو جسد الكنيسة نفسه، أي الشعب كله) {راجع النص الكامل للرسالة في (رسالة مجمعية وأسقفية)، منشورات النور (الناشر)}.

وقد كتب خومياكوف معلِّقاً على هذا التصريح: (يُخطئ البابا خطأً كبيراً في اعتقاده بأننا نعتبر الإدارة الإكليريكية حارسة للعقائد. فالحقيقية مختلفة كل الاختلاف. إن استقامة العقيدة وثباتها في الحق لا تتعلقان بالنظام الإكليريكي التسلسلي، بل يتم الذود عنهما من طريق الجماعة، بواسطة كل شعب الكنيسة التي هي جسد المسيح) {من رسالة مذكورة في كتاب بيركبيك: (روسيا والكنيسة الإنكليزية)، ص 94}.

المجامع المسكونية:

هذا المفهوم لوضع الشعب ومكانته في الكنيسة ينبغي له أن يبقى ماثلاً في الذهن حينما نتطلع إلى طبيعة المجمع المسكوني: فالشعب لا يعلِّم بل يحافظ. لذلك وعلى الرغم من أنه يمكن للعلمانيين حضور المجامع والمشاركة في أعمالها بنشاط، فإن الأساقفة وحدهم هم الذين يتخذون القرارات النهائية المتعلقة بأمور الإيمان بموجب موهبة التعليم التي يتمتعون بها.

ولكن قد تقع بعض مجامع الأساقفة في الخطأ أو الضلال. إذاً، كيف يمكننا التأكد من أن مجمعاً ما هو في الحقيقة مجمع مسكوني حتى تكون قراراته بالنتيجة معصومة عن الخطأ ؟ العديد من المجامع اعتبرت نفسها مسكونية وادّعت أنها تتكلم باسم الكنيسة كلها، لكنّ الكنيسة رفضتها فيما بعد على أساس أنها مهرطقة. يكفي أن نعيد إلى الأذهان مجمع أفسس السنة الـ449، ومجمع هياريا ضد الأيقونات السنة الـ754، ومجمع فلورنسه السنة الـ1438- 1439، على أن هذه المجامع تبدو من الناحية الخارجية وكأنها لا تختلف عن المجامع المسكونية. فما هي إذاً القرائن التي يُحدّد بواسطتها المجمع المسكوني الأصيل ؟

المسألة أشد صعوبة مما تبدو عليه في البداية. وعلى الرغم الأبحاث العديدة التي أجراها الأرثوذكسيون حولها خلال السنوات المئة الأخيرة، فليس بمقدورنا القول بأنها توصلت إلى نتائج مرضية. جميع الأرثوذكسيين يعرفون المجامع السبعة التي تعتبرها كنيستهم مسكونية، لكنّ مفهوم ما الذي يجعلها مسكونية هو في الواقع أقل وضوحاً. وينبغي التسليم بأن بعض النقاط الخاصة باللاهوت الأرثوذكسي حول المجامع لا تزال غامضة وتقتضي المزيد من التفكير والجهد من قبل اللاهوتيين. ومع أخذ هذا النقص بعين الاعتبار، فلنلق نظرة على الاتجاه الأرثوذكسي الراهن حول هذا الموضوع.

يبدو رأي خومياكوف ومدرسته بهذا الخصوص واضحاً لا مواربة فيه لأول وهلة: فالمجمع لا يمكن اعتباره مسكونياً إلا إذا قُبلت قراراته من جانب الكنيسة بأسرها. فمجامع فلورنسه وهياريا وغيرهما، على أنها كانت ذات مظاهر مسكونية، لم تكن بالمسكونية لأنها لم تحظ بموافقة الكنيسة بأسرها. (ويمكن التعليق على ذلك بالقول أن مجمع خلقيدونية المسكوني رُفض من جانب مصر وسوريا، فهل يمكن القول إذاً أنه قُبل من الكنيسة (بأسرها) ؟) ويقول أيضاً خومياكوف: الأساقفة باعتبارهم معلّمي الإيمان، يحددون الحقيقة ويعلنونها في المجامع، ولكن ينبغي لتحديداتهم هذه أن تحظى بعد ذلك بموافقة كل شعب الله، بمن فيه العلمانيين، لأن شعب الله بمجمله هو الذي يحافظ على التقليد الشريف. وينظر لاهوتيون أرثوذكسيون آخرون إلى وجهة النظر هذه ببعض الحذر، إذ يعتقدون بأن من شأنها تعريض الامتيازات الأسقفية للخطر، وتجعل فكرة الكنيسة شديدة (الديمقراطية). إلاّ أن نظرية خومياكوف، عند وضعها في صيغة حذرة ومتوازنة، تبقى هي المقبولة على العموم في نظر الفكر الأرثوذكسي المعاصر.

ومن البديهي أن قبول قرارات مجمع من المجامع من قِبَل مجموع الكنيسة لا ينبغي أن يُفهم بالمعنى الحقوقي: (لا يعني ذلك أن قرارات المجامع ينبغي لها أن تُبرم في إطار استفتاء شعبي عام، وأنها ليست مقبولة بدون هذا الاستفتاء. فليس ثمة استفتاء من هذا النوع ولكن، من الخبرة التاريخية، نعرف أنه لا بد وأن ينكشف صوت مجمع ما إن كان هو حقاً صوت الكنيسة أم لا. هذا كل ما في الأمر) {الأب سرجيوس بولغاكوف: (الكنيسة الأرثوذكسية)، ص89}.

في المجمع المسكوني الحقيقي، يتعرّف الأساقفة على الحقيقة ويعلنونها. هذا الإعلان يجري تأكيده بالموافقة عليه من قبل مجمل الشعب المسيحي، موافقة لا يُعبّر عنها بالتصريح والإفصاح، بل هي موافقة معاشة.

كذلك فليس عدد الأعضاء أو انتماؤهم الجغرافي الذي يحقق مسكونية مجمع ما: (المجمع المسكوني يعتبر هكذا، ليس لأن ممثلين معتمدين عن مجمع الكنائس المستقلة اشتركوا فيه، بل لأنه شهد لإيمان الكنيسة المسكونية) {المتروبوليت سيرافيم، (الكنيسة الأرثوذكسية)، ص51}.

ومسكونية مجمع ما لا يمكن تعريفها بمقاييس خارجية فقط: (فالحقيقة ليست لها مقياس خارجي باعتبارها واضحة بذاتها وهي ذات بداهة داخلية) {فلاديمير لوسكي، (مدخل إلى اللاهوت الصوفي للكنيسة الشرقية)، ص188}. وعصمة الكنيسة لا يمكن التعبير عنها بوضوح، كما لا يمكن فهمها بالمعنى (المادي): (ليست مسكونية المجامع بل حقيقتها هي التي تجعل قراراتها ملزمة لنا. وهنا نلامس السر الجوهري للعقيدة الأرثوذكسية عن الكنيسة: فالكنيسة أعجوبة حضور الله بين البشر، وذلك في ما يتجاوز كل (مقياس) صريح أو (عصمة) معلنة. ولا يكفي دعوة المجمع المسكوني للانعقاد... بل ينبغي أن ينضمّ أيضاً إلى صفوف أولئك المجتمعين ذاك الذي قال: (أنا الطريق والحق والحياة). فبدون هذا الحضور، مهما تعددت المجامع وكانت وافية من الناحية التمثيلية فلن يكون مكانها في داخل الحقيقة. يصعب على البروتستانت والكاثوليك عادة فهم هذه الحقيقة الأساسية في الأرثوذكسية. فهؤلاء وأولئك يعبِّرون عن حضور الله في الكنيسة بشكل مادي – بعضهم في حرف الكتاب المقدس، وبعضهم الآخر في شخص البابا – وهم بذلك لا يضعون المعجزة جانباً، لكنهم يلبسونها الشكل الملموس: أما بالنسبة للأرثوذكسية، فإن (مقياس الحقيقة) الوحيد يبقى الله نفسه، الله الذي يعيش سرّياً في الكنيسة، مرشداً إياها إلى سراط الحق) {الأب جان مايندورف، النص مذكور في كتاب الأب له غيللو: (تبشير واتحاد)، باريس، 1960، الجزء الثاني، ص313}.

الأحياء والأموات:

في الله وفي الكنيسة، ليس ثمة انفصال بين الأحياء والأموات، جميعهم واحد في محبة الآب. وسواء كنّا أحياء أم أمواتاً، فنحن كأعضاء في الكنيسة، نخص العائلة نفسها على الدوام، وتستمر مسؤوليتنا في حمل أثقال بعضنا البعض. فكما أن المسيحي الأرثوذكسي يصلّي من أجل الآخرين ويطلب إليهم أن يصلّوا من أجله، فهو يصلّي أيضاً من أجل المؤمنين الراقدين ويطلب صلواتهم أيضاً. فالموت لا يقطع صلة المحبة المتبادلة التي تجمع كافة أعضاء الكنيسة في ما بينهم.

الصلاة من أجل الراقدين

(أنت يا رب أرح نفوس عبيدك حيث الصديقون يستريحون، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد، بل حياة لا تفنى).

(يا إله الأرواح والأجساد كلها، يا من وطئت الموت وأبطلت قوة الشيطان ووهبت الحياة لعالمك، أنت يا رب أرح نفوس عبيدك السابق رقادهم في مكان نيِّر، في موضع خضرة، في مكان انتعاش، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد. اغفر لهم كل خطيئة فعلوها بالقول أو بالفعل أو بالفكر).

هكذا تصلّي الكنيسة الأرثوذكسية من أجل المؤمنين الراقدين. والأرثوذكسيون يرون أن من واجب الأحياء الصلاة من أجل الراقدين، وأن هذه الصلوات مفيدة للموتى. ولكي نعرف كيف أن الصلاة تساعد الأموات، ينبغي لنا أن نتعرف على وضع أرواحهم طيلة الفترة الممتدة من الموت حتى قيامة الجسد، في اليوم الأخير. يرفض معظم اللاهوتيين الأرثوذكسيين فكرة المطهر (وفق التعليم الكاثوليكي تذهب الأرواح إلى المطهر لتكفّر عن ذنوبها فيه بالعذاب)، بشكله هذا على الأقل. وترى الغالبية بأن المؤمنين الراقدين لا يتعذبون أبداً. ولكن هناك مدرسة أخرى تقول بأنهم ربما يتعذبون، غير أن لعذابهم طابعاً تطهيرياً وليس تكفيرياً. ذاك أنه حين يموت إنسان ما في نعمة الله، فإن الله يغفر له ذنوبه، ولا يفرض عليه عقوبات للتكفير عنها: فالمسيح حمل الله الحامل خطايا العالم، هو وحده الذي يخلّصنا ويكفّر عنا. غير أن هناك مدرسة ثالثة تترك المسألة معلّقة. تقول هذه المدرسة: لنتحاش الغوص بالتفاصيل المتعلقة بالحياة بعد الموت، ولنحافظ بدلاً عن ذلك على نوع من الاستنكاف واللاأدرية. ذات يوم وكان القديس أنطونيوس الكبير يتساءل حول القداس الإلهي فسمع صوتاً يقول له: (انتبه لنفسك يا أنطونيوس، فهذه الأمور من قضاء الله، وليس لك أن تخترقها) {(أقوال آباء الصحراء)، أنطونيوس، 2}.

القديسون

يقول سمعان اللاهوتي الجديد بأن القديسين يؤلفون سلسلة ذهبية: (الثالوث القدوس يعمّ جميع البشر، من أوّلهم إلى آخرهم، من رؤوسهم إلى أقدامهم، ويشدّهم إلى بعضهم البعض... وقدّيسو كل جيل ينضمون للقديسين الذين سبقوهم، وعلى غرارهم يمتلئون نوراً ويؤلفون معهم سلسلة ذهبية يشكل فيها كل قديس حلقة مميّزة، متصلاً بالحلقتين المجاورتين من طريق الإيمان والمحبة والأعمال الحسنة. هكذا يكوّنون جميعاً سلسلة واحدة متصلة بالله، وهذه السلسلة لا تنفصم عراها بسهولة) {الفصول المئة، 3، 2- 4}.

هذه هي الفكرة الأرثوذكسية المتعلقة بشركة القديسين: سلسلة من المحبة والصلاة المتبادلة حيث لجميع أعضاء الكنيسة على الأرض (المدعوّين إلى القداسة)، مكانهم.

وبمقدور كل أرثوذكسي، في حياته الخاصة، أن يطلب من أي من أعضاء الكنيسة، سواء أعلنت قداسته أو لم تُعلن أن يذكره في صلواته، ومن الطبيعي جداً أن ينهي طفل يتيم صلواته طالباً ليس شفاعة والدة الإله والقديسين فحسب، بل شفاعة والديه أيضاً. ولكن في العبادة الجماعية، توجّه الكنيسة صلواتها فقط إلى أولئك الذين أُعلنت قداستهم. بيد أنه في بعض المناسبات الاستثنائية أقيمت بعض الصلوات الجماعية طلباً لشفاعة أناس لم يكن بعد قد تم إعلان قداستهم رسمياً. ففي عهد الإمبراطورية العثمانية بادرت الكنيسة اليونانية بإحياء ذكرى شهدائها بدون إعلان رسمي لقداستهم تجنباً للفت نظر الأتراك. كما بدأ طلب شفاعة هؤلاء (الشهداء الجدد) في معظم الأحيان بناء على مبادرة شعبية عفوية. الشيء نفسه جرى بالنسبة للشهداء الجدد في روسيا. ففي الكثير من الأمكنة، داخل حدود الاتحاد السوفياتي وخارجها، جرى إحياء ذكرى هؤلاء الشهداء كقديسين علماً أن ظروف الكنيسة الروسية الراهنة تجعل إعلان قداستهم رسمياً مستحيلاً.

إن تكريم القديسين متصل اتصالاً وثيقاً بتكريم الأيقونات. فالأرثوذكسيون يعلّقون الأيقونات ليس في كنائسهم فقط بل كذلك في كل غرفة من مسكنهم، كما في السيارات والباصات. هذا الحضور الدائم للأيقونات يعتبر بمثابة نقطة الاتصال بين أعضاء الكنيسة الأحياء وأولئك الذين سبقوهم. فتساعد الأيقونة الأرثوذكسيين على عدم النظر إلى القديسين وكأنهم صور من الماضي البعيد أسطورية، بل تشجعهم على النظر إليهم كأناس معاصرين وكأصدقاء شخصيين.

يتخذ الأرثوذكسي يوم معموديته اسم قديس (كرمز لدخوله في وحدة الكنيسة، ليس فقط الكنيسة التي على الأرض، بل للكنيسة التي في السموات) {بطرس كوفالفسكي، (عرض للإيمان الكاثوليكي الأرثوذكسي)، باريس، 1957، ص16}. ويُعبِّر بعدئذ تعبيراً خاصاً عن تعلقه بالقديس الذي يحمل اسمه فيضع على العموم أيقونته في غرفته ويوجّه إليه صلواته يومياً. وكذلك يعيّد لعيد شفيعه وهذا العيد يفوق بأهميته، عند معظم الشعوب الأرثوذكسية، يوم الميلاد الجسدي.

والمسيحي الأرثوذكسي لا يصلّي فقط للقديسين، بل أيضاً للملائكة، وخاصة لملاكه الحارس. والملائكة (يقيمون حولنا بشفاعاتهم سياجاً يحمينا كما يحفظوننا تحت ظل أجنحتهم ذات المجد غير المادي) {من خدمة عيد رؤساء الملائكة}.

والدة الإله {راجع (آراء أرثوذكسية في والدة الإله) في سلسلة (تعَرَّف إلى كنيستك)، منشورات النور، 1983 (الناشر)}

للعذراء مريم من بين جميع القديسين مكانة خاصة، والأرثوذكسيون يعظمونها باعتبارها (أشرف من الشيروبيم وأرفع مجداً بغير قياس من السيرافيم). وفي حين تُعظّم وتُكرّم والدة الإله بهذا الشكل، فمن المهم الملاحظة أن الكنيسة الأرثوذكسية لا تدعو أبداً إلى عبادتها كعبادتنا لله. فالتمييز واضح جداً في التعبير اللغوي الخاص باللاهوت اليوناني: فهناك كلمة خاصة مكرّسة لعبادة الله (Latreia) بينما هناك عبارات مختلفة تُستخدم بالنسبة لتكريم العذراء ألا وهي: (Duleia، Hyperduleia، Proskynesis).

وتُذكر مريم معظم الأحيان عند إقامة الخدم الطقسية الأرثوذكسية وتدعى عادة بلقبها الكامل: (الكلية القداسة، الطاهرة، الفائقة البركات، المجيدة، سيدتنا والدة الإله، الدائمة البتولية، مريم). وهو لقب يضم النعوت الرئيسية الثلاثة التي تكرسها الكنيسة الأرثوذكسية للسيدة: (والدة الإله) (Theotokos)، (الدائمة البتولية) (Aeparthenos)، و (الكلية القداسة) (Panagia). أول هذه الألقاب منحه للعذراء المجمع المسكوني الثالث (أفسس 431). أما اللقب الثاني فجاء به المجمع المسكوني الخامس (القسطنطينية 553) {يبدو لأول وهلة الإيمان ببتولية مريم الدائمة متعارضاً ونص الكتاب المقدس وفقاً لإنجيل مرقص (31:3) الذي يورد عبارة (أشقاء) يسوع. لكن الكلمة اليونانية تعني أيضاً الأخ من أحد الأبوين أو ابن العم أو حتى أحد الأقرباء، إضافة إلى معنى (الأخ) الحقيقي}. أما لقب (الكلية القداسة) فلم يجر تحديده من الناحية العقائدية، بل هو مقبول ومستخدم من جميع الأرثوذكسيين.

وتسمية (والدة الإله) ذات أهمية فائقة، لأنها مفتاح العبادة الأرثوذكسية الموجهة للعذراء. نكرِّم مريم لأنها والدة إلهنا. ولا نكرّمها منفصلة عنه وإنما بسبب علاقتها بالمسيح. هكذا فإن التكريم الذي نخص به مريم، لا ينتقص من عبادة الله مطلقاً بل على العكس. وبالقدر الذي نقدّر فيه مريم، نعرف المزيد عن جلال ابنها، ذاك أننا إكراماً للابن نعمد إلى إجلال الأم.

نكرِّم الأم من أجل ابنها. إن التعليم الأرثوذكسي المتعلق بوالدة الإله منبثق من تعليمها الخاص بالمسيح. وحين أكدّ آباء مجمع أفسس على تسمية مريم بوالدة الإله، لم يكن ذلك بقصد تمجيدها بل من أجل الحفاظ على العقيدة الحقة المتعلقة بشخص المسيح. ومن يفكر في جميع مقتضيات هذه العبارة الأساسية: (والكلمة صار جسداً)، لا بدّ له أن يخشع باحترام أمام تلك التي تمّ اختيارها كي تكون أداة لهذا السر العظيم. وأولئك الذين يرفضون تكريم مريم هم أنفسهم أولئك الذين لا يؤمنون حقاً بالتجسد.

ولكن ليس لأنها والدة الإله فقط يعمد الأرثوذكسيون إلى تكريم مريم، بل لأنها أيضاً (كلية القداسة). فهي من بين جميع مخلوقات الله، المثال الأعلى للتآزر بين تدبير الله وحرية الإنسان. فالله الذي يحترم حرية الإنسان على الدوام، لم يشأ أن يتجسد دون موافقة والدته موافقة حرة. وانتظر إجابتها العفوية: (هوذا أنا أمة الرب فليكن لي حسب قولك) (لو 38:1). كان بوسعها أن ترفض. لم تكن صاغرة فقط، بل شاركت بملء إرادتها في سر التجسد. وكما قال نقولا كباسيلاس: (لم يكن التجسد فعل الآب وقدرته وروحه فقط... لكن كان أيضاً فعل إرادة العذراء وإيمانها... وكما أن الله تجسد بملء إرادته، هكذا شاء أن تحبل به أمه بملء حريتها، وموافقتها كل الموافقة) {حول البشارة، 4- 5}.

وكما أن المسيح هو آدم الجديد، فإن مريم هي حواء الجديدة، تلك التي أدّت طاعتها لمشيئة الله إلى خلق توازن مع عصيان حواء في الجنة. (هكذا فإن ما تعقَّد بعصيان حواء انحلّ بطاعة مريم. وما ربطته العذراء حواء في عدم إيمانها، حلّته العذراء مريم بإيمانها) {ايريناوس، (ضد الهرطقات)، 3، 22، 4}. (الموت من طريق حواء والحياة من طريق مريم) {ايريناوس، رسالته 22، 21}.

وتدعو الكنيسة الأرثوذكسية مريم (الكلية القداسة)، كما تدعوها (الطاهرة) والتي هي (بلا دنس). وجميع الأرثوذكسيين يؤمنون بأنها لم ترتكب قط أي خطيئة فعلية. ولكن هل تحررت أيضاً من الخطيئة الأصلية ؟ وبقول آخر، هل تجاري الأرثوذكسية العقيدة الكاثوليكية التي أعلنها الباب بيوس الحادي عشر السنة الـ1854 والتي تقضي بأن مريم مذ حملت بها أمها القديسة حنة وبنعمة خاصة من الله تم إنقاذها من كل (شوائب الخطيئة الأصلية)؟ إن الكنيسة الأرثوذكسية لم تقدم أبداً على إصدار بيان رسمي حول هذا الموضوع. ولكن منذ السنة الـ1854 رفضت غالبية الأرثوذكسيين هذه العقيدة الجديدة لأسباب عديدة: فهي تبدو غير مجدية، وتتضمن كما حدّدها الكاثوليك تفسيراً مغلوطاً للخطيئة الأصلية، وهي مدعاة للشك أيضاً لأنها تفضل مريم عن ذريّة آدم، واضعة إياها على حدة دون سائر أبرار العهد القديم من رجال ونساء.

ولكنّ الأرثوذكسية التي ترفض عقيدة (الحبل بلا دنس)، تؤمن بثبات بانتقال العذراء بالجسد. فالسيدة، على غرار سائر بني البشر، عرفت الموت الطبيعي، لكن قيامة جسدها تمّت قبل الجميع. فهي بالتالي تجاوزت الموت والدينونة وتعيش منذ الآن في الدهر الآتي. لكنها ليست منفصلة انفصالاً تاماً عن الإنسانية، لأننا نأمل أن نشارك ذات يوم في مجد الجسد الذي تتمتع به منذ الآن.

هذا الإيمان بانتقال والدة الإله يجري التعبير عنه بلا التباس في القطع التي ترتلها الكنيسة في 15 آب، يوم عيد (رقاد السيدة). لكن الأرثوذكسية بخلاف كنيسة رومية لم تلجأ إلى إعلان عقيدة (انتقال العذراء بالجسد) وليس في نيّتها أن تفعل ذلك أبداً. عقيدتا الثالوث والتجسد تم الإعلان عنهما كعقيدتين، لأنهما متعلقتان بكرازة الكنيسة، لكنّ تمجيد العذراء يُعتبر جزءاً من التقليد الداخلي للكنيسة: (من الصعب الكلام وأصعب من ذلك التفكير بالأسرار التي تحفظها الكنيسة في العمق الخفي لوجدانها الداخلي... ولم تكن والدة الإله يوماً موضوعاً للكرازة الرسولية. ففي حين بُشِّر بالمسيح فوق السطوح ونوديَ به على رؤوس الأشهاد عبر تعليم ديني موحّد للكون بأسره أُعلن سر والدة الإله فقط للذين في داخل الكنيسة... فهو أكثر من عرض للإيمان، إنه أساس لرجائنا، ثمرة الإيمان التي نضجت من التقليد. لنصمت إذاً ولنكفّ عن إدخال مجد والدة الإله الفائق في نطاق العقيدة) {فلاديمير لوسكي، (بناغيا)، في كتاب (والدة الإله)، منشورات ماسكال ص35}.

الأخرويات:

بالنسبة للمسيحي هنالك في النهاية فقط حقيقتان: السماء والجحيم. والكنيسة تنتظر استنفاد الزمن نهائياً، تنتظر ما يسمّيه اللاهوت باليونانية Apocatastasis أي (استعادة الكل)، حين يعود المسيح ظافراً ليحاكم الأحياء والأموات. وتشمل هذه (الاستعادة) أيضاً، كما رأينا في السابق، الفداء وتمجيد المادة. في يوم الدينونة ينهض الصالحون من قبورهم ويتخذون لهم جسداً من جديد، لكنه ليس جسداً كالذي نعرفه، بل هو جسد متجلٍّ (روحي)، به تبدو القداسة الداخلية للعيان. ولن يكون جسد الإنسان وحده الذي يتحوّل بل تتحوّل الخليقة كلها، إذ يخلق الله سماء جديدة وأرضاً جديدة.

على أن الجحيم موجودة كما أن السماء موجودة. إن الكثير من المسيحيين خلال السنوات الأخيرة باتوا يميلون – ليس في الغرب فقط بل في الكنيسة الأرثوذكسية أيضاً – إلى الاعتقاد بأن فكرة الجحيم لا تتلاءم وفكرة الله المحب. لكنّ ذلك يدل فقط على لبس في التفكير. أجل، الله يحبنا حباً لا حدود له، لكنه وهبنا إرادة حرة، وبما أننا أحرار يسعنا أن نرفض الله. فبما أن الحرية موجودة فالجحيم موجودة لأنها ليست سوى رفض الله. فلو نفينا وجود الجحيم لنفينا تلقائياً حرية المصير. كتب مرقص الناسك (بداية القرن الخامس): (ما من أحد يجاري الله في الطيبة والرحمة، لكنه لا يغفر لمن لا يندمون) {(في الذين يعتبرون أنهم بالأعمال يتبرّرون)، 71}. الله لا يرغمنا على محبته، لأن المحبة لا تكون حقيقية إلاّ بمقدار ما هي حرية. فكيف لله إذاً أن يُعيد إليه أولئك الذين يرفضون كل مصالحة ؟

الموقف الأرثوذكسي من يوم الدينونة والجحيم معبّر عنه بوضوح في القراءات الإنجيلية التي اعتمدتها الكنيسة أيام الآحاد الثلاثة التي تسبق الصوم الكبير. إنها مثل الفرّيسي والعشّار في الأحد الأول، ثم مثل الابن الشاطر في الأحد الثاني، وكلاهما يعبِّر عن رحمة الله الواسعة وغفرانه تجاه الخاطئ الذي يندم. ولكن في إنجيل الأحد الثالث (أحد الدينونة)، يعيد مثل الخراف والجداء إلى ذاكرتنا بأنه بإمكاننا رفض الله واختيار الجحيم: (ثم يقول للذين عن اليسار: اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبدية) (متى41:25).

ليس ثمة إرهاب في العقيدة الأرثوذكسية حول الله. والمسيحيون الأرثوذكسيون لا يزحفون أمامه مذعورين يلفّهم خوف ذليل، لأنهم يعرفون أنه (محب للبشر) (Philanthropos). ولكن ذلك لا يمنعهم من الاعتراف بأنه عند مجيئه الثاني، سيأتي المسيح كديّان.

والجحيم ليست بالمكان الذي يسجن الله فيه الإنسان، بل هي بالأحرى مكان يسجن فيه الإنسان نفسه نتيجة إساءته استعمال حريته. وحتى في الجحيم لا يُحرم الخاطئون من محبة الله، لكنهم نتيجة اختيارهم يختبرون في العذاب ما يختبره القديسون في الغبطة. (تصبح محبة الله عذاباً لا يطاق عند الذين لم يكتسبوها في داخل أنفسهم) {فلاديمير لوسكي، الكتاب المذكور، ص234}.

والجحيم موجودة (كإمكانية) منطقية، ومع ذلك اعتقد آباء كثيرون بأنه، في النهاية سيعود الكل دون استثناء إلى الله. والقول بأن الجميع ينبغي أن يخلصوا نوع من الهرطقة، لأن ذلك ينفي حرية المصير. ولكن يحق للمرء الرجاء بأن الجميع قد ينعمون بالخلاص. وحتى اليوم الأخير، ينبغي ألاّ نقنط من خلاص أي إنسان بل أن نرجو ونتضرع من أجل مصالحة الجميع مع الله. وما من أحد ينبغي استثناؤه من صلاتنا المفعمة بالمحبة. يتساءل اسحق السرياني: (ما الذي يدلّنا على القلب الرحيم ؟ إنه القلب الذي يتّقد حباً نحو الخليقة كلها، نحو البشر والعصافير والحيوانات والشياطين، نحو جميع الخلائق) {(المقالات الصوفية) في (نسكيات) اسحق السرياني، في سلسلة آباء الكنيسة، منشورات النور}. وقال غريغوريوس النيصصي بأنه بإمكان المسيحيين أن يرجوا حتى خلاص الشيطان.

الكتاب المقدس ينتهي بملاحظة حول توقّع متلهف: (تعال أيها الرب يسوع !) (رؤ20:22). وكان المسيحيون الأوائل يصلّون بالروحية نفسها: (فلتأت النعمة وليمض العالم). لقد أخطأ هؤلاء المسيحيون الأوائل في اعتقادهم بأن نهاية العالم قريبة إلى هذا الحد، فها قد مرّ ألفا سنة ولم تأت بعد. فليس لنا أن نعرف الأوقات والأزمنة، وقد يستمر الوضع الحالي أيضاً طيلة آلاف أخرى من السنين. لكنّ هؤلاء المسيحيين الأوائل كانوا محقين من جهة أخرى: فسواء أتت النهاية عاجلاً أم آجلاً فهي روحياً متوقعة الظهور دائماً، حتى ولو لم تكن كذلك زمنياً. سوف يأتي يوم الرب (كلص في الليل) (1تسا 2:5)، حين لا يتوقع بنو البشر حضوره. على المسيحيين إذاً، كما في أيام الرسل، أن يكونوا دائماً مستعدين، وأن يكونوا في ترقب مستمر.ومن الدلائل المشجعة للنهضة في الأرثوذكسية المعاصرة ذاك التجديد في وعي المجيء الثاني وأهميته. (عندما سأل أحد القساوسة، أثناء زيارته إلى روسيا، ما هي القضية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للكنيسة الروسية، أجابه أحد الكهنة بلا تردد: إنها قضية المجيء الثاني (Parousia) {بول افدوكيموف، (الأرثوذكسية)، ص 9}.

لكنّ هذا المجيء الثاني ليس حدثاً يخص المستقبل وحده، لأن الدهر الآتي، في حياة الكنيسة، يبزغ منذ الآن. وبالنسبة إلى أعضاء كنيسة الله، (الأيام الأخيرة) قد ابتدأت بما أنهم يجنون منذ الآن باكورة ثمار ملكوت الله. (تعال أيها الرب يسوع) ! فهو يأتي منذ الآن في القداس الإلهي وفي عبادة الكنيسة.

كتاب: الكنيسة الأرثوذكسية: إيمان وعقيدة
الفصل الثالث: كنيسة الله
تأليف: الأسقف كاليستوس (تيموثي) وير

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع