Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


(الكنيسة هي السماء على الأرض وفيها يقيم إله السماء ويعمل).
جرمانوس، بطريرك القسطنطينية (توفي عام 733)

العقيدة والعبادة:

يروى في (تاريخ نسطور) أن فلاديمير، أمير كييف، حينما كان لا يزال وثنياً، رغب في التعرّف على الدين القويم، ولذلك أرسل مبعوثيه إلى مختلف بلدان العالم. فقصد هؤلاء أولاً البلغار، مسلمي الفولغا، لكنهم حين لاحظوا بأن هؤلاء (يلتفتون حواليهم أثناء الصلاة كمن بهم أرواح)، توجهوا إلى آخرين وقالوا لفلاديمير: (ليس عندهم فرح). وعندما زاروا بلاد الجرمان ورومية، وجدوا طرق عبادتهم أفضل ولكنهم أبدوا تذمرهم لغياب الجمال. أخيراً وصلوا القسطنطينية، وبينما كانوا يحضرون قداساً في كنيسة آجيا صوفيا، اكتشفوا ما كانوا يبحثون عنه: (لم نكن ندري، أنحن في السماء أم على الأرض إذ على الأرض لا توجد مثل هذه العظمة أو هذا الجمال، وليس بمقدورنا وصف ما رأيناه، كل ما نستطيع قوله هو أن الله كان هناك بين البشر، وأن خدمتهم تفوق كل ما رأينا. لا يمكننا قط أن ننسى ذاك الجمال).

تبرز هذه الرواية عدة خصائص تميّز المسيحية الأرثوذكسية. هناك أولاً التركيز على الجمال الإلهي: ( لا يمكننا قط أن ننسى ذاك الجمال). وقد يبدو للكثيرين أن من المواهب الخاصة عند الشعوب الأرثوذكسية، وخاصة لدى شعوب بيزنطية وروسيا، تلك القدرة على إدراك جمال العالم الروحي والتعبير عنه في عبادتهم.

ومن الملفت للانتباه أيضاً أن يكون الروس قد قالوا: (لم نكن ندري أنحن في السماء أم على الأرض)، ذاك أن العبادة ليست بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية سوى (السماء على الأرض)، وتشمل الليتورجيا العالمين معاً، لأنها سواء في السماء أو على الأرض، واحدة متماثلة، مذبح واحد، وذبيحة واحدة، وحضور واحد. وفي كل مكان من أمكنة العبادة، مهما كان متواضعاً في ظاهره، حين يجتمع المؤمنون لإقامة سر الشكر، يرتفع هؤلاء إلى (المقامات السماوية). وفي كل مرة تقدم الذبيحة الإفخارستية، لا تكون الجماعة المحلّية وحدها هي المشتركة في تقديمها، بل الكنيسة الجامعة والقديسون والملائكة ووالدة الإله والمسيح نفسه. وتنشد الجوقة خلال الإيصودون الكبير في قداس البروجيزمينا (أي قداس القدسات السابق تقديسها): (الآن قوات السموات تشاركنا في العبادة بحال غير منظور)... فلنكرر إذاً كلام المبعوثين الروس: (كل ما نستطيع قوله هو أن الله... بين البشر).

بوحي هذه الرؤيا (للسماء على الأرض)، عمل الأرثوذكسيون جاهدين لجعل خدمهم الطقسية أيقونة عن الليتورجيا السماوية. السنة الـ612، كان يخدم في (كنيسة آجيا صوفيا 80 كاهناً، و150 شماساً، و40 شماسة، و70 ايبوذياكناً (شماس شمعة)، و160 قارئاً، و25 مرتلاً، و100 بواب، وهي أرقام تعطي فكرة عن عظمة الخدمة التي اشترك فيها موفدو الأمير فلاديمير. ولكنّ كثيرين غيرهم ممن شاركوا في الخدم الأرثوذكسية، في ظروف مختلفة جداً وفي وسط آخر، لمسوا أيضاً، كما لمس الروس من كييف، ذاك الحضور الإلهي بين البشر.

الخاصة الثالثة من خصائص الأرثوذكسية التي تبرز في رواية مبعوثي الأمير فلاديمير، تكمن في أن الروس، حين كانوا يبحثون عن الدين القويم، لم يسألوا مطلقاً عن القواعد الأخلاقية، ولم يطلبوا بحثاً منطقياً في العقيدة، بل راحوا يتطلعون إلى طرق الصلاة في بلدان مختلفة. فالأرثوذكسي يدخل الدين من خلال الليتورجيا، والعقيدة تُفهم من خلال العبادة. وليس من قبيل المصادفة أن تعني كلمة (أرثوذكسية) الإيمان القويم والعبادة الحقة في نفس الوقت، لأن كلا الأمرين لا يفترقان. وما قيل عن البيزنطيين مرة من شأنه أن يشمل الأرثوذكسية كلها: (ليست العقائد مجرد نظام فكري يدركه الاكليروس ويشرحه للعلمانيين، بل هي حقل للرؤيا، فيه تُرى جميع أمور الأرض بالنسبة لعلاقتها مع السماء، وذلك بنوع خاص من خلال الخدم الليتورجية) {جورج افيري، (البطريركية البيزنطية)، ص9}. وكما قال الأب جورج فلوروفسكي: (المسيحية ديانة ليتورجية. والكنيسة قبل كل شيء جماعة مصلّية. العبادة تأتي أولاً، والعقائد والأخلاق تأتي فيما بعد) {(مقوّمات الليتورجيا في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة)، في مجلة (كنيسة واحدة)، مجلد 13، سنة 1959، عدد 1- 2، ص24}. على من يريد معرفة الأرثوذكسية ألا يقرأ عنها الكتب وحسب، بل عليه بكل بساطة، أن يحذو حذو مبعوثي الأمير فلاديمير ويشترك بالليتورجيا. فكما قال فيلبس لنثنائيل: (تعال وانظر) (يو 46:1).

وبما أن الأرثوذكسيين يفهمون الدين ليتورجياً، فهم يولون عناية فائقة لكل ناحية من نواحي الطقوس، وهذا ما يثير في بعض الأحيان استغراب مسيحيي الغرب. ولكن حالما يعرف المرء المكان الرئيس الذي تشغله العبادة في حياة الأرثوذكسية، فلن يستغرب حادثة كحادثة انشقاق (المؤمنين القدامى) في روسيا: ما دامت العبادة هي في الواقع بمثابة الإيمان المعاش، فلا يمكن بالتالي التساهل بشأن أي تغيير في الأشكال الليتورجية.

وتعتبر الأرثوذكسية الإنسان مخلوقاً ليتورجياً قبل كل شيء، يتحقق وجوده حينما يمجد الله ويجد كماله وارتياحه في العبادة. وقد وضع الأرثوذكسيون كل خبرتهم الدينية في الليتورجيا التي تعبّر على إيمانهم. فالليتورجيا هي التي أوحت بأجمل شعرهم وفنونهم وموسيقاهم. والليتورجيا لم تصبح قط – كما كادت أن تكون في العصر الوسيط في البلدان الغربية – حكراً على المثقفين ورجال الدين، لكنها ظلّت (شعبية) على الدوام، وملكاً للشعب المسيحي كله.

وفي الفترات الحالكة من تاريخها، أيام حكم المغول والأتراك أو الشيوعيين مثلاً كانت الشعوب الأرثوذكسية تتجه دائماً إلى الليتورجيا لتجد فيها الوحي وتجدد بواسطتها الرجاء. ولم يكن أبداً توجهها هذا عن عبث.

الشكل الخارجي للطقوس:

{راجع لمزيد من الاطلاع: (ذبيحة التسبيح) لفريدا حداد، و (من أجل فهم الليتورجيا وعيشها) لدير مار جرجس الحرف، منشورات النور (الناشر)}

تشمل الطقوس الأرثوذكسية الخدم التالية:

  • أ- القداس الإلهي.
  • ب- الخدم اليومية (أي صلاة السحر وصلاة الغروب إلى جانب خدم الساعات الأولى والثالثة والسادسة والتاسعة ونصف الليل وصلاة النوم).
  • ج- الخدم التي يحتفل بها في مناسبات خاصة مثل خدم الأسرار الستة الباقية (غير سر الشكر) والخدم التقديسية المختلفة كتكريس الكنائس وخدمة الجناز وغيرها...

إن القداس الإلهي لا يُقام بوجه عام يومياً في الكنيسة الأرثوذكسية إلاّ في الكاتدرائيات وفي الأديرة الكبرى، أما في كنائس الرعايا العادية، فيقام أيام الآحاد والأعياد الكبرى فقط. أما في روسيا، حيث أماكن العبادة قليلة، وحيث يضطر الكثير من المؤمنين إلى العمل نهار الأحد، فقد أصبح القداس اليومي يقام في العديد من كنائس المدن. وفي بعض البلاد العربية حيث العطلة الرسمية هي يوم الجمعة فقد أصبح يضاف على قداس الأحد، قداس يوم الجمعة أيضاً.

تُتلى الخدمة الليتورجية بكاملها يومياً في الأديرة الصغيرة والكبرى وفي بعض الكاتدرائيات، وكذلك في عدد من كنائس الرعايا في المدن. أما في كنائس الرعايا العادية، فتُقام هذه الخدمة فقط في آخر الأسبوع وبمناسبة بعض الأعياد الكبرى. وتُقيم الكنائس غير الروسية صلاة الغروب مساء كل سبت، وصلاة السحر صباح الأحد، يليها مباشرة القداس الإلهي. أما الرعايا الروسية فتصلّي السحر مساء السبت مباشرة بعد صلاة الغروب وتلحقها بصلاة الساعة الأولى.

وتستخدم الكنيسة الأرثوذكسية في خدمها دائماً لغة البلاد: العربية في أنطاكية، الفلندية في هلسنكي، اليابانية في طوكيو، الإنكليزية (إذا لزم الأمر) في نيويورك... ومن أولى المهمات التي قام بها المبشّرون الأرثوذكسيون هي ترجمة الكتب الطقسية إلى اللغة الأم التي يتكلمها المؤمنون الجدد، ناسجين بذلك على غرار كيرلّس وميتوديوس في القرن التاسع واينوكنديوس فنيامينوف ونقولا كساتكين في القرن التاسع عشر. ولكن في الواقع هناك بعض الشواذات عن هذه القاعدة العامة، فالكنائس الناطقة باليونانية لا تستخدم اللغة اليونانية العصرية بل تلجأ للغة عصر العهد الجديد والحقبة البيزنطية. كذلك تستخدم الكنيسة الروسية حتى الآن الترجمات السلافونية التي ظهرت في القرن التاسع. بيد أن الاختلاف بين اللغة الليتورجية واللغة الشعبية، ليس كبيراً، ولا يعيق الجماعة عن متابعة الخدمة. والواقع أنه في السنة الـ1906، أعرب العديد من الأساقفة الروس عن رغبتهم في استبدال السلافونية بالروسية الحديثة، لكنّ الثورة الشيوعية حالت دون إتمام ذلك.

وفي الكنيسة الأرثوذكسية اليوم، كما في الكنيسة القديمة، تُرتل جميع الخدم أو تُتلى بصوت عال، وكذلك يستخدم البخور بوفرة. والموسيقى الكنسية عند الأرثوذكسيين غير السلافيين تتبع قواعد الموسيقى الكنسية البيزنطية بألحانها الثمانية. وقد نقل المبشرون البيزنطيون هذا النوع من الموسيقى إلى البلدان السلافية، ولكن تم إدخال تعديل عليها خلاف العصور، وطوّرت كل من الكنائس السلافية نمطها الخاص وتقليدها المتعلق بالموسيقى الدينية. وتُعد على العموم الموسيقي الكنيسة الروسية أجمل ما عرفته المسيحية من موسيقى.

وظل الترتيل محصوراً، في الكنيسة الأرثوذكسية، حتى سنين قليلة مضت، بالجوقة أو بالترتيل الفردي، إلا أن ميلاً أخذ يظهر في العديد من الكنائس وفي أماكن مختلفة يدعو إلى الترتيل الجماعي: فإن لم يشمل ذلك الخدمة كلها، فعلى الأقل دستور الإيمان، والصلاة الربانية مثلاً.

وكما في الكنيسة القديمة لا يرافق الترتيل، في الكنائس الأرثوذكسية، أية آلة موسيقية، إلاّ عند بعض الرعايا الأميركية، خاصة اليونانية منها، التي تميل إلى استعمال الأرغن. أما استخدام الأجراس والجريسات داخل الكنائس فيكاد يكون معدوماً. أما خارج فتُقرع الأجراس إيذاناً ببدء الخدم، وخلال إقامتها أيضاً.

والكنيسة الأرثوذكسية هي عادة مربعة الشكل، في وسطها ردهة واسعة تعلوها قبة. (تأخذ القبة في روسيا شكل بصلة وهو شكل مميّز للكثير من مناظر الأرض الروسية). ولا يوجد عادة في الكنائس الروسية كراسٍ أو مقاعد في صحن الكنيسة {هذا التقليد غير متبع في أنطاكية والكثير من الكنائس الأخرى (الناشر)}،وإن وُجد البعض منها فملتصق بالجدران. والأرثوذكسي على العموم يظل واقفاً أثناء الخدمة. ولكن هناك فترات تجلس فيها الجماعة أو تركع. والقانون 20 للمجمع المسكوني الأول يُحظّر الركوع يوم الأحد وفي أي يوم من الأيام الخمسين الفاصلة بين الفصح والعنصرة، وذلك تعبيراً عن فرح القيامة، لكن هذه القاعدة الآن، وبكل أسف، لا تراعى دائماً.

ومن الملاحظ أن وجود المقاعد في الكنائس أو عدم وجودها يترك أثراً كبيراً في تصرفات الجماعة المصلّية. فالجماعة الأرثوذكسية المصلّية تتميز في الكنيسة بالمرونة والألفة. أما المؤمنون الغربيون، كونهم يجلسون في صفوف مرتبة كلٌ منهم في مكانه، فليس بإمكانهم التنقل دون إزعاج بعضهم بعضاً. كذلك يُفترض فيهم حضور الخدمة من ألفها إلى يائها. أما الخدمة الأرثوذكسية، فإن المؤمنين يتحركون داخل الكنيسة، وما من أحد يستغرب حركتهم هذه. ونجد الإلفة نفسها في تصرفات الكهنة. فلا يطغى على الشارات الطقسية التي يقومون بها التمسك الجامد بالشكليات كما في الغرب، بل تأتي بصورة طبيعية وأكثر عفوية. وعلى الرغم من أن هذه العفوية قد تؤدي في بعض الأحيان إلى عدم الاحترام، فإنها تبقى في النهاية عادة حسنة لا ينبغي التخلي عنها. والأرثوذكسيون في الكنيسة يشعرون بأنهم في بيوتهم، فهم لا يخضعون لأنظمة محددة، لأنهم أبناء في بيت أبيهم. يقال أن العبادة الأرثوذكسية ليست من هذا العالم، ولكن يجب وصفها بالأحرى بأنها (بيتية) و (عائلية). إلاّ أن وراء تلك البساطة والإلفة العائلية، يوجد شعور عميق بالسر.

وفي كل كنيسة أرثوذكسية يُفصل الهيكل عن باقي الكنيسة بواسطة الأيقونسطاس، وهو حاجز ثابت مصنوع من الخشب في معظم الأحيان يحمل الأيقونات. وقديماً كان الهيكل منفصلاً بحاجز قليل الارتفاع (حوالي المتر الواحد)، تعلوه أحيانا أعمدة تحمل عارضة أفقية. وبالإمكان مشاهدة هذا النموذج في كنيسة القديس مرقص في البندقية. ولم تملأ هذه الفراغات، في كثير من الكنائس، إلاّ منذ فترة ليست بعيدة نسبياً، لا تتعدى القرن الخامس عشر أو السادس عشر، وبذلك اتخذ الأيقونسطاس ترتيبه الحالي. والآن توجد رغبة ظاهرة عند كثير من الأرثوذكسيين المختصين بالليتورجيا في أن يسلكوا الطريق الذي شقه الأب يوحنا الكرونستادي في العودة إلى الأيقونسطاس القديم، وبالفعل فقد حصل ذلك في كنائس كثيرة.

يضم الأيقونسطاس ثلاثة أبواب، الباب الكبير في الوسط يؤدي بالداخل فيه مباشرة إلى المذبح هذا الباب يدعى الباب الملوكي أو الباب المقدس. وهذا الباب يبقى مغلقاً خارج أوقات الخدمة وستائره مسدولة إلا في أسبوع التجديدات. وفي أثناء إقامة الخدمة يفتح هذا الباب ويُغلق في أوقات معيّنة. أما البابان الآخران فصغيران نسبياً ويكون واحد على اليسار ويؤدي إلى مائدة التقدمة (حيث تُحفظ الآنية المقدسة وحيث يعدّ الكاهن الخبز والخمر في بداية القداس)، والآخر إلى اليمين ويؤدي إلى غرفة الشمامسة (Diakonikon) (تُستخدم اليوم مكاناً لوضع الثياب الكهنوتية، وفي السابق كان المكان المخصص لحفظ الكتب المقدسة وخاصة الأناجيل وكذلك الذخائر). ولا يُسمح مبدئياً للعلمانيين بالدخول إلى الهيكل، إلا لأسباب تتعلق بالخدمة وفي بعض الحالات الخاصة. والمذبح الذي يُدعى أيضاً المائدة المقدسة، موجود في وسط الهيكل، ووراءه بملاصقة الحائط يوجد عرش الأسقف.

والكنائس الأرثوذكسية غنية بالأيقونات: على الأيقونسطاس وعلى الجدران، والمذاخر الخاصة، وعلى مدخل الكنيسة حيث يتبرّك المؤمنون منها. أول ما يفعله الأرثوذكسي لدى دخوله الكنيسة شراء شمعة، ثم يتجه مباشرة إلى الأيقونة، فيرسم إشارة الصليب، ثم يقبِّل الأيقونة ويضيء الشمعة أمامها. وترتيب الكنيسة في الداخل، وكذلك ترتيب الأيقونات، يتبع نظاماً لاهوتياً يصبح بموجبه الصرح كله أيقونة كبيرة لملكوت الله. وكما في الفن الديني الذي عُرف في العصر الوسيط الغربي، ثمة أهداف للرموز الخاصة بزخرفة الكنيسة وبنائها، فالأيقونات، والجدرانيات، والفسيفساء، ليست موجودة بهدف (تجميل) الكنيسة فقط، بل لها وظيفة لاهوتية وليتورجية.

والأيقونات التي تملأ الكنيسة هي مكان التقاء السماء والأرض. فحينما تذهب جماعة المؤمنين للصلاة الأحد تلو الأحد، محاطة بأيقونات المسيح والملائكة والقديسين، فإن هذه الأيقونات تذكّر المؤمنين دائماً بالحضور غير المنظور لجميع هؤلاء الضيوف السماويين. وبوسع المؤمن أن يشعر بأن جدران الكنيسة تنفتح على الأبدية، وبأن الليتورجيا التي تُقام على الأرض هي نفس الليتورجيا التي يُحتفل بها في السماء. فالأيقونات الكثيرة تعبّر حسيّاً عن الشعور (بالسماء على الأرض).

والعبادة في الأرثوذكسية جماعية وشعبية. فبوسع غير الأرثوذكسي الذي يحضر الخدمة ببعض الانتظام أن يلاحظ كيف أن الجميع، من شعب وكهنة، ينصهرون في اتحاد واحد. ولا ينبغي الاعتقاد بأن غالبية المصلّين لا تشارك في الخدمة لمجرد أنها لا ترتل مع الجوقة. كما وأن الأيقونسطاس حتى في أشد أشكاله كثافة، لا يعطي المؤمنين انطباعاً بأنهم منفصلون عن الكاهن الذي في الهيكل. وعل كل حال، فإن جزءاً كبيراً من الخدم يجري أمام الأيقونسطاس، تحت أنظار جماعة المؤمنين.

والعلمانيون الأرثوذكسيون لا يستخدمون تعبير (سماع) القداس، لأن القداس، في الكنيسة الأرثوذكسية، لم يتحوّل قط إلى شيء يحتفل به الاكليروس من أجل العلمانيين، بل أن الاكليروس والعلمانيين يقيمون القداس معاً. أما في الغرب، خلال العصر الوسيط، فكانت الخدمة الإفخارستية تقام بلغة غير مفهومة من الشعب، إذ كان الناس يقصدون الكنيسة من أجل عبادة القربان المقدس خلال رفعه، وفيما عدا ذلك كانوا يتلون صلواتهم الخاصة أثناء القداس {تغيّر كل هذا الآن في الغرب بفضل (الحركة الليتورجية)}. لكن الليتورجيا ظلت في الكنيسة الأرثوذكسية على عكس ذلك معبّرة عن عمل مشترك يقوم به الكاهن والشعب معاً، فلا يأتي المؤمنون إلى الكنيسة لأداء صلواتهم الخاصة مطلقاً، بل يأتون للمشاركة في الصلاة الليتورجية العامة والمساهمة في العمل الطقسي ذاته. فالأرثوذكسية لم تعرف قط الفصل بين العبادة الخاصة والليتورجيا، ذلك الفصل الذي عانى منه كثيراً الغرب في القرون الوسطى وما بعدها {راجع (العبادة الفردية والعبادة الجماعية)، للأب جورج فلوروفسكي، منشورات لنور (الناشر)}.

والكنيسة الأرثوذكسية، كالكنيسة الغربية، تحتاج إلى حركة إصلاح ليتورجي، وقد ظهرت مثل هذه الحركة بالفعل في كثير من مناطق العالم الأرثوذكسي. ومن مظاهر هذه النهضة العودة إلى الترتيل الجماعي، وإبقاء الباب الملوكي مفتوحاً خلال كل القداس، والحد من علو الأيقونسطاس، إلى ما هنالك من إصلاحات أخرى. لكن التغييرات المرجوة في الكنيسة الأرثوذكسية أقل شأناً مما هي عليه في الكنيسة الغربية، حيث أن مفهوم العبادة الجماعية الذي يعتبر بالنسبة للغرب الهدف الرئيسي الذي يسعى الإصلاح الليتورجي بلوغه، ظل على الدوام حقيقة معاشة في الكنيسة الأرثوذكسية.

ويوجد في معظم الخدم الأرثوذكسية ميزة خاصة من التروي وعدم الاكتراث لمرور الوقت. يساعد في إيجاد هذه الميزة الترداد المستمر للطلبات. وسواء في شكلها الطويل أم القصير، تُعاد الطلبات مراراً أثناء كل خدمة في الطقس البيزنطي. في هذه الطلبات يدعو الشماس، أو الكاهن نفسه، إذا لم يكن هناك شماس، يدعو الجماعة للصلاة من أجل مختلف حاجات الكنيسة والعالم، وبعد كل طلبة تجيب الجوقة أو الجماعة بـ(يا رب ارحم) أو (استجب يا رب). وتعمد جماعة المصلّين إلى الانحناء ورسم إشارة الصليب بعد كل واحدة من هذه الطلبات. وإشارة الصليب هذه أكثر شيوعاً في العالم الأرثوذكسي مما هي عند المؤمنين الغربيين، كما أنها تُستعمل بقدر أوسع من الحرية، إذ يرسم الأرثوذكسيون إشارة الصليب في أوقات مختلفة، وبصورة عفوية أثناء الخدمة، كل واحد عندما يشاء، بالإضافة إلى أوقات معيّنة تلتقي فيها الجماعة كلها في رسم إشارة الصليب.

لقد وصفنا الخدم الأرثوذكسية بأنها لا تكترث لمرور الوقت، وأنها تعطي شعوراً من التروي وعدم التسرع. هذا الشعور جعل معظم الغربيين يعتبرون أن الخدم البيزنطية لا تنتهي، وأنها على كل طويلة جداً. والحقيقة أن الخدم الأرثوذكسية أطول من الخدم الغربية التي توازيها، ولكن ليس على نحو مبالغ فيه إذ إنه من الممكن بكل سهولة إقامة القداس الإلهي البيزنطي وإلقاء عظة قصيرة في غضون ساعة واحدة تقريباً. وقد قرر بطريرك القسطنطينية السنة الـ1943 بأن لا تستغرق قداديس الآحاد في كل الرعايا التابعة لسلطته أكثر من ساعة ونصف. أما الخدم داخل الأديرة، فهي أطول بالطبع، وقد تستغرق في الأعياد الكبرى في جبل آثوس ما بين الاثنتي عشرة والخمس عشرة ساعة متواصلة. لكنّ ذلك في الظروف الاستثنائية الخاصة.

كتاب: الكنيسة الأرثوذكسية: إيمان وعقيدة
الفصل الرابع: العبادة الأرثوذكسية أو السماء على الأرض
تأليف: الأسقف كاليستوس (تيموثي) وير

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع