Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


مقدمة

في الثاني من شهر أيار تقيم الكنيسة المقدسة ذكرى نقل رفات القديس أثناسيوس الكبير وتهتف له بهذه العبارات:

"لقد صرت عموداً للرأي المستقيم موطداً الكنيسة المقدسة بالعقائد الإلهية، يا رئيس الكهنة أثناسيوس، لأنك لما كرزت بمساواة الابن للآب في الجوهر، خذلت آريوس أيها الأب البار. فابتهل إلى المسيح الإله أن يمنحنا الرحمة العظمى".

"لما غرست عقائد الرأي، نزعت أشواك العبادة الوخيمة، وأنميت بذار الإيمان بغيث الروح، فلذلك نمدحك أيها البار أثناسيوس".

بهاتين الطروباريتين تعطينا الكنيسة فكرة واضحة موجزة عن حياة هذا البار في جوهرها، لأنها تسهر بتقليدها الحي على تنشئة أجيالها على القداسة فتجعل قديسيها منتصبين دوماً أمامنا نستوعب من مثالهم ونلتمس قدوتهم الصالحة، لتصبح الحياة ضمنها تياراً واحداً مستمراً متحركاً يجري (كسواقي النعمة)، فيصل الماضي بالحاضر كسلسلة أحداث متلاحمة متماسكة تحث على التوبة وتشجع على الإيمان القويم!

يلفت انتباهنا هذا القديس الذي بذل خمساً وأربعين سنة في خدمة "الكلمة" (اللوغوس)، والدفاع عن ألوهيته. إنه يثير اهتمامنا بنوع خاص لأن الكنيسة اجتازت بفضل بطولته وصلابته، مرحلة عسرة كادت تهدم كيانها وتزعزع أسسها ! نظرة خاطفة إلى حياته قد تعبِّر أكثر من كتاباته وأكثر من أي تعليق عن شخصية هذا الرجل الجبّار.

كنيسة الإسكندرية في أواخر القرن الثالث

ولد أثناسيوس، غالباً، في الإسكندرية حوالي سنة 295 أو ربما بعد ذلك بقليل في عائلة مسيحية ورعة. ويقول القديس غريغوريوس النازينزي: "لقد شبّ منذ البدء في الممارسات الدينية وسيرة التقوى" (العظة 21، 6). والإسكندرية، في نهاية القرن الثالث، عاصمة تعج بالحركة والنشاط تتشعب فيها حضارات مختلفة وتنشأ فيها التيارات الفكرية المتنوعة إنها مرفأ مزدهر تختلط فيه شعوب من بلدان متعددة ومركز للعلم والثقافة ذو مجتمع راق يحب الإطلاع والمناقشة والمجادلة. ترعرعت فيها المسيحية بطريقة عجيبة وانتشرت انتشاراً باهراً، لمعت فيها أسماء نيّرة: افلوطين الفيلسوف، اقليموس الإسكندري، أوريجانس البليغ، فكانت مهد الفلسفة والأبحاث المنطقية وازدهار الفكر الإنساني من كل النواحي.

أمّا كنيسة الإسكندرية فهي أيضاً متفوّقة، لها مدرستها وأساتذتها. رئيس أساقفتها يدير شؤون مصر بكاملها حتى حدود ليبيا الحالية ويرأس حوالي مئة أسقف ويُلقّب (ببابا إفريقيا). وهي كنيسة حيّة تعلّم وتكرز، تعمّد وتحتفل بالأعياد السيّدية، تنعم بالطمأنينة بعد أن تلاشت الاضطهادات حيناً وتترعرع بأمن واستقرار. دام هذا النعيم حتى سنة 303 حين أتى بغتة الإمبراطور ديوكليسيانوس، وهذا آخر مضطهد عرفه التاريخ (1)، بمرسوم منع فيه التجمعات المسيحية وأمر بهدم الكنائس وإتلاف الكتب الدينية! فعادت الدماء تُسفك من جديد في مختلف أنحاء الإمبراطورية، وانتشر الذعر، وامتلأت القلوب خوفاً وزجّ الكون رهباً! قد يذكر أثناسيوس وهو في العاشرة من عمره، شيئاً من هذه البشاعة (لأنه مخضرم بين الكنيسة المعذبة والكنيسة المنتصرة) فتركت في قلبه تعاسة ويأساً ولكنها أكسبته صلابة الشهيد وجأشه، وكوّنت شخصيته إلى حد الشراسة أحياناً! يخبرنا أفسابيوس القيصري المؤرخ كيف أن السلطة أمرت بأن تقام الخدم في كافة المعابد الوثنية وعلى المواطنين جميعهم أن يَنْحَنوا أمام المذابح ويقدِّموا البخور فيها. وكل من يأبى ذلك يُقاصَصْ قصاصاً مرّاً: (... تقلع العين بالخنجر ويحرق جذرها ثم يدفع بالمسكين أمام المذبح الوثني ويُناوَل المبخرة لكي يسجد أمام الآلهة وحينئذ يحسب من عداد الذين أنكروا مسيحيتهم!)...

دامت هذه الاضطهادات عشر سنوات تتأزم تارة وتتلاشى تارة أخرى حتى وفاة ديوكليسيانوس. ما كان مصير الذين أنكروا دينهم تحت الضغط ؟ هذا السؤال سبّب مشكلة في الكنائس وخاصة في كنيسة الإسكندرية. تكوّنت في هذه الأثناء جماعة من المسيحيين يحسبون أنفسهم (أنقياء) أي الذين صمدوا أمام الاضطهادات ولم يجحدوا، ترأسهم الأسقف ملاسيوس وخاصموا رئيس الأساقفة بطرس إذ وجدوا أن موقفه متسامح مع الذين ضعفوا! فانشق ملاسيوس وأتباعه عن الكنيسة. وما لبث أن استشهد بطرس ذلك الأسقف القديس وخلفه الباب ألكسندروس الذي تأثر لوضع الكنيسة الأليم وأراد أن يعيد الأمن إليها مسترجعاً أعضاء الكنيسة المنشقين.

بزوغ أثناسيوس

أُفسح المجال أمام ألكسندروس لهذا العمل إذ كان كل شيء على ما يرام من الناحية السياسية. فبعد وفاة الإمبراطور الطاغية سجّل أحد خلفائه، قسطنطين الأول، وكان محبذاً للمسيحيين، انتصارات هامة جعلته الحاكم الأوحد على القسم الغربي من الإمبراطورية، فاتفق سنة 312 مع مشاركه في الحكم، إمبراطور الشرق، على إنهاء الاضطهادات وإعطاء حرية ممارسة الأديان للجميع. حسب القديس غريغوريوس اللاهوتي لم يمض أثناسيوس وقتاً طويلاً في دراسة العلوم الدنيوية واكتساب ثقافة عامة. لكنه كان له بدون شك معرفة كافية بالفلسفة القديمة خاصة بالأفلاطونية الجديدة. وكان قد اهتمّ خاصة أثناء سني تحصيله العلمي بدراسة الكتاب المقدس الذي كان يعرف كل أسراره. وربما قد تتلمذ على أيدي بعض أساتذة مدرسة الإسكندرية الشهيرة. وفي حوالي سنة 313 كان أثناسيوس ينهي دروسه اللاهوتية فلفت انتباه أسقفه ألكسندروس لحدة ذكائه وسعة إمكاناته، فاهتم الأسقف بمتابعة دروس أثناسيوس ورسمه شماساً في سنة 319 وجعل منه أمين سره. وبادر معه إلى ترتيب أمور الكنيسة التي تضعضعت بسبب هذه الكوارث كلها. لكن هذه الجهود لم تُبذل بأمان لأن شيئاً آخر كان يحول دونها: أحد كهنة الإسكندرية المسمّى آريوس الذي يدّعي الفلسفة والتقشف كان يُعكّر صفاء الجو بنشره آراء بعيدة كل البعد عن الاستقامة! يستند على أتباع ملاسيوس ليكتسب قوة، ويعبِّر بكلمات فصيحة ويبدي براهين كتابية ليثبت أن الابن، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس ليس بإله وإنما هو أول المخلوقات وأرفعها مرتبة، أي ليس مساوياً للآب في الجوهر! حتى لو دعوناه إلهاً، يقول آريوس، إنه ليس بإله في الحقيقة بل الاسم فقط! لم يكن موجوداً منذ البدء إذ أن له بداية ولا يتنعم بجوهر الآب ولا بطبيعته! آراء أوريجنيسية مزيّفة؟ أفلوطينية محرّفة؟ على كلٍ هرطقة أكيدة! اضطرب ألكسندروس بهذه الأنباء، فاستدعى آريوس واستجوبه ليتحقق مما سمعه فاضطرب أكثر وأكثر وعقد مجمعاً ضمّ كل أساقفة مصر، وحكم على آريوس سنة 320. لكن آريوس لم يبال بهذا الحكم بل فرّ هارباً إلى قيصرية فلسطين ليزرع فيها بذور الشك والأذى. استقبله أسقفها أفسابيوس بكل ترحاب، وإن لم يشاركه تماماً رأيه، لأن عداوة قديمة أو بالحري منافسة كانت تفرِّق بين الكرسيين الإسكندري والقيصري. ثم انتقل من هناك إلى نيقوميدية في آسيا الصغرى حيث وجد أرضاً خصبة لزرع هرطقته لأن أسقفها المدعو أيضاً أَفسابيوس والذي كان له مكانة مهمة ونفوذ ظاهر في البلاد، شاركه الرأي بدون تردد، بل تبنّى الفكرة من أساسها وأصبح الاثنان منذ ذلك الحين عدوّين لدودين لألكسندروس! أخذت حينئذ البلبلة تنتشر في الكنيسة والأساقفة في كل الأنحاء يتحيّرون ويترددون لا يدرون أي موقف يتخذون... إلى أن حصلت أحداث سياسية أوقفت آريوس عند حدّه!

مجمع نيقية

في سنة 324 انتصر قسطنطين على ليسينيوس إمبراطور الشرق بعد أن اهتدى إلى المسيحية وأصبح هو المتسلط الوحيد على الإمبراطورية الرومانية كلها. أول مهمة أراد أن يقوم بها هي أن ينشر السلام والأمن في إمبراطوريته الشاسعة وخاصة في الإسكندرية حيث الآريوسيون يشاغبون ويزرعون الفوضى. فقرّر أن يعقد مجمعاً مسكونياً في نيقية يرئسه هو بنفسه (كأسقف من الخارج). فاجتمع كل أساقفة (المسكونة)، أي حوالي 225 أسقفاً، في 25 تموز سنة 325. أول مشكلة طرحت في هذا المجمع كانت مشكلة آريوس وخلافه مع ألكسندروس. فانتصب آريوس أمام الجميع وشرح نظريته. وما أن انتهى حتى دعمه سبعة عشر أسقفاً فقط أمّا الأكثرية الساحقة فكانت من جهة ألكسندروس أسقف الإسكندرية. فُحكم على آريوس وانتصر الرأي المستقيم الذي كان يمثّله مركلّس الأنقيري وأثناسيوس وطبعاً تحت إشراف الإمبراطور نفسه! ولكي يتبدد الشك إلى الأبد نُص دستور الإيمان الذي نتلوه كل أحد في القداس من أوله إلى العبارة (وبالروح القدس) (2). ويلي هذا الدستور في مقررات المجمع الملاحظة التالية: (كل من يقر بأنه كان وقت لم يوجد فيه الكلمة، وأن الابن خُلق من العدم أو من أي مادة أخرى، وأنه مخلوق، متغيّر أو متبدل، فالكنيسة تبسله ابسالاً!).

ولنتمعن الآن في أهمية أثناسيوس أثناء المجمع. لم يكن آنذاك سوى شماس بسيط يرافق أسقفه. لم يكن له بالتالي أن يتدخل في النزاع، لكنه كان هو بالحقيقة بطل نيقية، إذ كانت القضية حياتية بالنسبة إليه لأنه يعلم تمام المعرفة أن تعليم آريوس بالنتيجة يريد إمّا تحطيم الابن الذي ترتكز عليه المسيحية أو الوصول إلى تعدد الآلهة في الإقرار بأن الكلمة نصف إله! لذلك كان يعمل كالنحلة بالقرب من أسقفه يهيئ له القرارات ويساهم في نصها، ويعمل بحماس ونشاط لإقناع الأساقفة حتى أنه لفت انتباه الجميع الذين وجدوا أن موقفه كان جازماً وجسوراً. منذ ذلك الحين أصبح هو (رجل نقية)، ولم تكن حياته فيما بعد إلا للدفاع عن هذا الدستور والسهر على أن لا يتزعزع منه حرف، إذ ما إن انتهى المجمع حتى بدأت الدسائس تعمل لتطعن بمقرراته وبدأ زملاء آريوس يسعون ليقرّبوه من قسطنطين. ولم يمض وقت طويل حتى نال رضاه وأخذ يهيئ نفسه للرجوع إلى الإسكندرية بعد أن وقّع على دستور مشبوه يقترب من دستور نيقية.

أثناسيوس أسقف

توفي ألكسندروس رئيس أساقفة الإسكندرية وكان من الطبيعي أن يخلفه أثناسيوس لأنه برهن عن ذكاء ودهاء وشخصية بارزة وكان له كثير من المعجبين. ويقول مجمع الإسكندرية المنعقد في سنة 339: (إن كل الشعب، كل المنتمين للكنيسة الجامعة اجتمعوا ونادوا بالإجماع وبصوت واحد بأثناسيوس أسقفاً عليهم وأصرّوا على هذا الرأي واستمروا في الصلاة من أجل ذلك للمسيح علانية مدة أيام وليالي عديدة). وفي 8 تموز 328 رسم أثناسيوس أسقفاً على الإسكندرية على يد العديد من الأساقفة وكان عمره لا يتجاوز الثانية والثلاثين. ولكن هذه الرسامة أثارت بلبلة ومشاكل متعددة. ومن هنا يتبيّن لنا أن التاريخ يعيد نفسه وأن الشخصيات القوية أمثال أثناسيوس التي لا ترضخ إلا للحق والمسيح، تثير الرعب في النفوس الضعيفة لأن استقامتهم تكشف عن هزالتها! ولكن الروح القدس يعمل دوماً في الكنيسة ليرعاها وينتصر على القوات الشريرة. لذلك رغم الآريوسيين ومناصرتهم انتُخب أثناسيوس أسقفاً على الإسكندرية. فملأ الفرح المدينة بأسرها وقرعت أجراس الكنائس لأنه كان ينعم بتأييد شعبي عظيم في المدينة. فزار الأسقف الجديد كل أنحاء أبرشيته، بما في ذلك الصحراء مما جعله يلتقي باخوميوس (3) الذي كان يحترمه كثيراً ويسمّيه (أب الإيمان الأرثوذكسي).

ولكن الأحوال تأزمت وتطورت وبدأت المعارك تدور بين الأخصام خصوصاً عندما رفض أثناسيوس بحزم أن يدخل آريوس مدينته ثانية وكتب بجرأة رسالة إلى قسطنطين يشرح له سبب رفضه. فابتدأت الشكاوى تُرسل للإمبراطور ضد الأسقف البار يستميلونه ويوشون بأثناسيوس متهمين إياه بكل أنواع التهم لكي يبعدوه بالقوة عن أبرشيته. فعُقد مجمع في صور سنة 335 كان فيه كل أعداء أثناسيوس على موعد ليقهروه. لكن أثناسيوس لم يبق مكتوف اليدين. فبعد أن دافع عن نفسه بشدة أمام المجمع وبينما كان الأساقفة مجتمعين لتقرير مصيره فرّ بطريقة سرية إلى القسطنطينية، ويقال أنه فاجأ قسطنطين في الطريق وطلب مواجهته! فاستدعى الإمبراطور أساقفة صور. وما أن بحث معهم بالأمر حتى وشوا بأثناسيوس مدّعين أنه يريد منع شحن القمح من الإسكندرية إلى القسطنطينية، مستشهدين بشتى الأكاذيب. فنُفي أثناسيوس إلى مدينة تريف في الغرب وكانت هذه أول مرحلة من سلسلة حوادث مؤلمة في حياة هذا القديس. ظاهرياً كان النصر قد تحقق لآريوس لكنه سرعان ما توفي تاركاً أتباعه الهراطقة الذين لم يكفّوا عن محاربة بطلنا هذا !

بقي أثناسيوس دون خلف وبقي كرسي الإسكندرية شاغراً يتيماً إلى وفاة قسطنطين سنة 337. قُسّمت الإمبراطورية من جديد بين أولاده واستلم كونستانثوس القسم الغربي وقوسطنضيوس القسم الشرقي. لكن كان يميل هذا الأخير إلى الآريوسيين. سمح الإمبراطوران الجديدان أن يعود أثناسيوس إلى أبرشيته. فعاد بعد غياب سنتين، واستلم الأبرشية بمحبة وازداد نشاطاً في تنظيم أحوالها. وعلم ما للنسك من أهمية في تخمير العجين فطلب معونة آباء الصحراء.

وأمّا أخصام أثناسيوس الذين يتزعمهم أفسابيوس أسقف نيقوميدية، العدو اللدود، فلم يرتاحوا لهذا التطور وقرروا أنه يجب إبعاد هذا الإنسان المزعج عن أبرشيته بأية وسيلة كانت! فكتبوا إلى البابا يوليوس يذكرونه بمقررات مجمع صور. ولكن، قبل أن يرسل البابا جواباً على رسالتهم هذه، اجتمعوا في إنطاكية سنة 339 وعزلوا أثناسيوس معيّنين مكانه أسقفاً غريغوريوس الكبادوكي. وقد دخل الأسقف الجديد إلى الإسكندرية بمعاونة فرقة من الجيش واقتحم الكنائس اقتحاماً وسط معارضة عنيفة من قبل الشعب. فرأى أثناسيوس أنه من الحكمة أن يبتعد عن مصر، فذهب إلى رومية حيث عقد الباب يوليوس مجمعاً ضم مئة أسقف برّأ أثناسيوس من كل التهم الموجهة إليه من أخصامه. ثم جمع مجمعاً آخر في سرديقية سنة 343 أعاد لأثناسيوس حقوقه الشرعية. لكن قرارات هذا المجمع لم تُنفذ إلا بالقوة أي بتدخل الأباطرة، إذ طلب الباب من قوسطنضيوس حاكم العرب، بأن يتدخل مع أخيه ليعاد أثناسيوس إلى أبرشيته. فبقي هذا الأخير في رومية يتعرف على الغرب وينشر التعليم فيه إلى وفاة غريغوريوس سنة 346 حين استطاع أن يدخل بانتصار إلى الإسكندرية.

خصب روحي يليه نفي ثالث

كانت الفترة ما بين سنة 346 و 356 فترة خصب روحي بالنسبة لأثناسيوس وأبرشيته، لجأ أثناءها للكتابة. وقد وصف أثناسيوس نفسه النهضة الروحية العارمة التي عمّت الإسكندرية في تلك الفترة والتي تتلخص بتكاثر عدد الرهبان والراهبات، وإقبال متزايد للعائلات على حياة التقشف والصلاة، وإحداث منظمات للخدمة الاجتماعية، وإقامة اجتماعات روحية في البيوت وانتشار روح السلام والوئام في كل الرعية والإكثار من المواعظ والنشرات الرعائية الدورية (4). فألف أهم أبحاثه: (ضد الآريوسيين) (مقررات نيقية) الخ.. وكثيراً ما يختار من بين الرهبان مساعدين فيرسمهم أساقفة ويكلّفهم بمسؤوليات متنوعة. ولكن ما إن توفي حاميه سنة 350 والبابا يوليوس حتى تنفس أعداء أثناسيوس الصعداء. بموت أخيه أصبح كونستانثوس الآريوسي وحده المتسلط على الإمبراطورية بكاملها وكان يريد إنهاء هذا الأسقف الذي يزداد قوة ونشاطاً وينشر بشغف إيمان نيقية! فاتفق مع البابا الجديد ليباريوس على عقد مجمع يدرس هذه الأمور. فاجتمع الأساقفة في مدينة أرل (سنة 353) ثم في مدينة ميلان (سنة 355) وطلب الإمبراطور في هذا المجمع الأخير من الحاضرين وتحت الضغط أن يوقِّعوا على حكم ضد أثناسيوس. وعندما شعر بترددهم طلب منهم بأن يختاروا بين النفي أو التوقيع. ويروي أثناسيوس أن كونستانثوس قال: (ما أريده أنا هذا هو القانون!). فوقّع أكثرهم ونفي كل من رفض، أمّا البابا الذي أبى أن يوقّع فأبعد إلى حدود بلغاريا!).

وهكذا بينما كان الجميع يخضعون تحت حكم هذا الإمبراطور الشرس كان أثناسيوس يمثّل الرأي المستقيم الذي يأبى أن يرضخ لأي إنسان لا يستمد سلطانه من الله. حُكم على أثناسيوس بالنفي وأنتُخب مكانه أسقف مشاغب يُدعى جاورجيوس. وكان القرار قد اتخذ ولم يبقَ سوى التطبيق وكان ذلك في أوائل سنة 356. يخبرنا أثناسيوس كيف حصل ذلك:

(... كان ليل. الشعب كله ساهر في الكنيسة.. ظهر بغتة سيريانوس القائد مع 500 جندي وأحاطوا بالكنيسة لكي لا يستطيع أحد أن يهرب. أمّا أنا فلم أشأ أن أترك شعبي وسط هذه الضوضاء فجلست على المنبر وطلبت من الشماس أن يقرأ المزمور (رحمة الرب إلى الأبد). ثم طلبت من الشعب أن يترك الكنيسة. ففي الحال دخل الجند إلى الكنيسة وأحاطوها من كل النواحي ليلقوا القبض عليّ! فطلب الكهنة مني بإلحاح أن أهرب. فرفضت أن أترك المكان قبل أن يكون كل واحد من الحاضرين بأمان. فهجم جماعة من الرهبان واختطفوني بقوة إلى خارج الكنيسة. وإني أشهد بالحقيقة أنه رغم فرق الجيش هربت دون أن يراني أحد مقتاداً من الروح!).

وهكذا للمرة الثالثة اضطر أثناسيوس أن يبتعد عن أبرشيته. فلجأ هذه المرة إلى الصحراء بعيداً عن العالم والإدارة الكنسية المستقرة في أمجادها العالمية التي تخاف أن تجابه السلطات وتضع حداً لتدخلها! ذهب إلى الصحراء لمواجهة الابن، الكلمة المتجسد، الأقنوم الثاني للثالوث الذي ضحّى بحياته كلها من أجله! طاب له العيش مع النساك الذين احتقروا المجد الدنيوي والغنى ليلتقوا بإلههم الحي في الوحدة والصلاة لكنه لم ينقطع عن أبرشيته، بل بقي على اتصال دائم بها يدير أمورها من بعيد ويرعاها بإخلاص حتى لُقّب (بالبطريرك المخفي عبر القفر).

أثناء غيابه هذا أخذ الإمبراطور كونتسانثوس يشنّ حملة اضطهادات واسعة على كل من بقي على إيمان نيقية، وأقيمت مجامع ضمّت كل الهراطقة الذين حاولوا أن يحرّفوا دستور الإيمان ويشوّهونه. فكان مجمع في مدينة ريميني (Rimini) في الغرب وآخر في سلوقيا في الشرق سنة 359. وارتفع حينئذ صوت هيلاريون البار الذي لُقب بأثناسيوس الغرب يقول: (ما بالكم تسمعون أن المسيح ابن الله الوحيد ليس بإله حقيقي وتسكتون! السكوت يعني الموافقة على هذا التجديف!). لكن لم يُسمع صوته وخُفي أثره في منفى بعيد كما نُفي كثير من الأساقفة المعارضين!

أمّا الروح القدس الساهر على كنيسته، فلم يسمح بهذا الفرط من الاستبداد، فاستعمل الأحداث السياسية لكي يهدئ الأمور. ففي هذا الوقت عينه نادت كتائب الجيوش المنتصرة في غالية بيوليانوس كقيصر جديد ومشت تحت لوائه لمحاربة كونستانثوس واغتصاب الحكم منه. لكن سرعان ما توفي الأخير سنة 361 سامحاً للمنتصر بدخول القسطنطينية.

نهاية حياة أثناسيوس

يوليانوس الجاحد! هكذا لقّبه التاريخ. أمّا المؤرخون فدعوه يوليانوس الفيلسوف وربما يصلح له هذا الاسم لأنه كان رجل علم وفلسفة علاوة على ميزاته الحربية. برهن يوليانوس عن تسامح فيما يختص الأديان ولم يشأ أن يتدخل بأمور الكنيسة. لكنه أراد أن يعيد تراث الوثنية فأنشأ من جديد المعابد والهياكل دون أن يسيء إلى باقي الأديان. ما أن تولى الحكم حتى سمح للمنفيين بالرجوع إلى بلادهم. فعاد أثناسيوس إلى الإسكندرية سنة 361. وما أن علم الشعب بذلك حتى هجم على الأسقف جاورجيوس ولولا الشرطة لقتله فوراً! وعاد الفرح إلى قلوب الجميع واستقبلوا أسقفهم بحفاوة! وهكذا تابع أثناسيوس عمله الرعائي وكأنه لم يترك أبرشيته: يكر ويعظ ويعمّد بلا انقطاع! وقد دعي إلى مجمع كبير في السنة 362 اشتهر بتحدياته العقائدية المهمة.

لكن ما إن سمع يوليانوس بنشاط الأسقف حتى غضب، خاصة حينما علم أن أثناسيوس بجسارته المعتادة أخذ يعمّد سيّدات وجيهات من المجتمع الراقي. فأمره أن يترك المدينة للحال وإلا يقاصص بقساوة! وهكذا كان في أواخر سنة 362.

فهرب إلى الصحراء مجدداً.. في هذه الفترة تعرّف على أنطونيوس الكبير وارتبط به بصداقة حميمة. وكان أنطونيوس المتوحّد الذي كان ينمو في التقوى والكمال متمثلاً بإيليا النبي، مستعداً لمقابلة وجه الله الحيّ في حاضر مستمر وسط البادية القاحلة. وقد بقي أنطونيوس طيلة حياته الصديق الأمين المخلص لأثناسيوس يسنده بصلواته ومحبته. ثم قُتل يوليانوس فعاد إلى المدينة سنة 364 عندما استلم ليوقيانوس الحكم.. ثم قُتل ليوقيانوس واستلم فلانسيوس الإمبراطور الآريوسي الحكم على الشرق... فهرب أثناسيوس سنة 365 ثانية... ثم لأسباب مبهمة أُعيد لأبرشيته... فذهب الشعب للمرة الأخيرة بموكب عظيم مؤثر ليصطحبه من مكان انعزاله سنة 366 وسلّمه أبرشيته الشاغرة.

وهكذا قضى أثناسيوس بقية حياته في هدوء واستقرار يرعى أبرشيته ويدير أمورها بمحبة وإخلاص. أجل لقد فقدَ مع العمر شيئاً من الحماسة والعنفوان اللذين كان يتصف بهما شبابه ليخلّص الكنيسة حيث كان يفور من غضبه عندما ينتصر الهراطقة وحيث كان يتجاوز الحدود أحياناً. كان المسيح في نظره بخطر فمن يستطيع أن يسكت؟ هل نلومه إذا وحَّد نفسه أحياناً بالأرثوذكسية معتبراً أعداءه الشخصيين أعداءها وأصدقاءه أصدقاءها؟ ألم يمثّل في الواقع الرأي المستقيم مدة نصف قرن تقريباً حاملاً على عاتقه الكنيسة بأسرها؟ ألم يصمد هو وحده أمام قوات العالم التي تحالفت جميعها لإسقاطه فحمل راية الحق رغم المشقات؟ ألم يتحمل بصبر وثبات النفي خمس مرات لفرط محبته للمسيح ؟ ...

هكذا انتهت حياة هذا المناضل، بطرية هادئة سالمة: يهتم برعيته، يتابع اتصالاته مع سائر الكنائس، يؤلف الكتب ويمارس النشاطات المختلفة. توفي في 3 أيار 373 وكان قد رسم قبل وفاته خلفه الأسقف بطرس. كان أثناسيوس أول أسقف يكرم إكراماً شعبياً بدون أن يستشهد! ذهب بفرح لمناجاة كلمة الله الذي بذل حياته لخدمته بإخلاص ومحبة. كان قد قضى عشرين سنة في المنفى من ضمن سني أسقفيته الستة والأربعين. توفي أثناسيوس قبل أن يتحقق له النصر النهائي ولكن النصر كان قريباً، إذ فرض الإمبراطور ثيودوسيوس إيمان نيقية في الإمبراطورية كلها سنة 380. هكذا توارى من الإسكندرية هذا الرجل الذي اعتبره معاصروه كإنسان ميثولوجي محاط بهالة، كفرعون القرن الرابع... أمّا المسيحيون فوجدوا فيه (ركن الكنيسة) الذي بواسطته دافع الله عن ثباتها وحافظ على الإيمان القويم فيها.

تعليمه

إن مؤلفات أثناسيوس لا تتحلى بالبهاء الذي تتصف به آثار آباء القرن الرابع، من حيث جمال اللغة والأسلوب الرفيع. إلا أنه كان لها الصدى المؤثر في قلوب المسيحيين في كل عصر ومصر. وقد كتب أحد كهنة القرن السادس لتلميذه: (إن وجدت مقطعاً من كتابات أثناسيوس وليس لديك ورق فاكتبه على ثيابك).

نذكر من أهم مؤلفاته كتاب (حياة أنطونيوس الكبير) الذي اعتبر كنموذج لتأليف سير القديسين، وبحثه في (تجسد الكلمة) الذي يعتبر من أبرز المؤلفات العقائدية في عصره، ومقاله (ضد الآريوسيين) الذي يكافح به هذه البدعة ويبرز بوضوح وحدة الآب والابن من حيث الجوهر الخ...

أمّا اللاهوت الذي نستخلصه من كتاباته فهو سهل واضح إذ أن مؤلفها مقتنع ويريد أن يقنع. لا يفتش عن جمال أسلوب ولا عن فن كتابة، يردد ويردد ثم يعود إلى فكرته الأساسية ليبرزها.

فكرة أثناسيوس الأساسية التي أراد أن يبرهن عنها في كل مؤلفاته هي التالية: (تجسد الإله لكي يتألّه الإنسان). بالنسبة له، التجسّد هو أساس المسيحية: أحب الله الإنسان ولم يرد أن يتركه في سقطته، أراد أن يعطيه حياة أبدية لذلك كانت توبة ابن آدم وحدها لا تكفي... المصالحة تقتضي ذبيحة كاملة... تقتضي تنازلاً كلياً... التحاماً وثيقاً بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية. هذا ما حققه الله بواسطة كلمته! فكيف يدّعي آريوس أن الكلمة ليس إلهاً؟ إن هذا الهرطوقي لم يعرض مشكلة (اللوغوس) حباً بالمعرفة وبغية الوصول إلى الحقيقة، كل ما يهمه في الأمر هو مصلحته الشخصية التي دفعته إلى تفضيل الظلمة على النور... لو فتش الكتب حقيقة لوجد الأدلة الكافية التي تثبت ألوهية المسيح وفهم معنى هذه العبارة: (والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا). (الكلمة) الذي هو إله، تجسّد وانتصب جسراً بين الخليقة والخالق. أمّا الانطلاقة الأساسية فهي من الله الآب الذي شاء أن يقوم بهذا العمل المعجز. إنه عمل يفوق منطق الفلسفة لأن المسيحية تحقيق للإله (غير المنزه عن المادة) الإله الذي قدّس المادة! الله ازدرى الحواجز التي تفصله عن الخليقة الساقطة واتخذ له جسداً في أحشاء العذراء ولم يدخل في جسد إنسان قديس كما يدعى الآريوسيون... اتخذ جسداً بدون أن ينفصل عن ألوهيته. محبته لنا هي التي جعلته يولد ويظهر بجسد إنساني. لكن هذا التجسّد لم يغيّر من جوهره الإلهي ولم يسئ إلى جلاله: )... بتجسده لم يتغيّر، يقول أثناسيوس، بل بقي على جوهره): محبته لنا هي التي دفعته إلى تقديم نفسه ذبيحة للآب. موت المسيح ضروري لكي نتخلص نحن من لعنة الخطيئة التي شوّهت فينا صورة الله الأصلية. وبنتيجة اتحاد جسده بجسدنا، وموته وانتصاره نموت نحن أيضاً عن الخطيئة وننتصر. وكما أنه بسبب علاقتنا بآدم الأول ورثنا الموت، كذلك بعلاقتنا مع الإنسان النازل من السماء انتصرنا على الموت وورثنا الحياة!

فالخلاص، بالنسبة لأثناسيوس خَلق ثان، ولادة جديدة تجعلنا أبناء الله: (بتجسّده جعلنا أبناء الآب وألّه الإنسان عندما صار هو نفسه إنساناً!). هذه هي النتيجة المحتومة التي يصل إليها. إن المسيح جعلنا أبناء الله وألّهنا إذ أخذ على عاتقه هذا الجسد المائت ليسمو بطبيعة الإنسان الخاطئة إلى الله الآب ويشركه في الطبيعة الإلهية الخالدة.

خلال كل مؤلفات أثناسيوس نشعر بهذا الإيمان العميق الثابت، والتأكيد الهادئ الذي يعطيه ثقة بنفسه وبكل ما يقوله. إنه يريد أن يبرهن عن صحة قوله لمناوئيه، فيقول: (من خاصة الدين الإقناع لا الفرض). فيجمع الإثباتات والأدلة الواضحة المدققة ليبزّ أعداءه ويظهر حقيقة ما يعرضه.

أمّا أسلوبه فبسيط، منسق، منطقي، منظم، فيه شيء من البلاغة وإن ابتعد عن الزخرفة. إنه رجل العقيدة، يشرح الكتاب المقدس ويتخذ منه الأدلة التي تساعده على إيضاح فكرته. لا يتمادى في التأمل اللاهوتي، إنه رجل عمل يتحلّى باتزان عقلي عميق، وكل معاني المسيحية الأصلية متملكة في أعماقه! ولئن وجدنا عنده أحياناً شيئاً من الاحتقار للهراطقة فذلك يعود إلى اهتمامه بالعقائد لا بالأشخاص فهو يحارب كل إنسان لا يعترف بحقيقة المسيح! فكل من لا يؤمن أن المسيح هو إله متجسد حقق خلاصنا ليدخلنا إلى الحياة الأبدية، يثير غضبه ويستدعي المهاجمة! إن كان المسيح ليس بإله حق يستمد ألوهيته من الله فكيف يستطيع أن يؤلِّه ويخلِّص جنس البشرية؟ فمن لا يشعر في صميمه بحقيقة الكلمة ويقبلها كقضية ثابتة علّمتنا إياها الكنيسة بواسطة تقليدها وحياتها جاعلة إياها حاضرة في أسرارها المقدسة، بأعجوبة مستمرة، هذا الإنسان لا يستطيع أثناسيوس أن يحسبه إلا هرطوقياً شاذاً عن حياة الشركة في الكنيسة.

فالنتيجة المنطقية من تعليم أثناسيوس هي أن المسيحية تهدف إلى التقشف الذي يطهر النفس ويسمو بها إلى الحياة في إطار الثالوث الأقدس. فإذا اتحدنا بالمسيح وصلنا إلى نقاوة القلب و إذا ما تقشفنا وصلنا إلى معرفة الله و دخلنا في محبته. الثالوث حقيقة واقعية حاضرة يحسّه أثناسيوس كحقيقة حيّة لا كأفكار لاهوتية. الثالوث يحرك كيانه ويضرم داخله. وهو من أوائل الآباء الذين توسّعوا في الدفاع، إضافة عن ألوهية الابن، عن ألوهية الروح القدس.

لذلك يشجع أثناسيوس حياة النسك والرهبنة وفي كتابه (عن العذرية)، يعلّم أن العذرية تهدف إلى تقديس النفس والسمو بها، إلى الالتقاء مع الله: فالتنسك هو طريق قداسة، طريق تقدم روحي. إن كتاباته ليست بأطروحة لاهوتية و إنما هي تعبير عن ارتفاع النفس إلى الخالق. فأثناسيوس هو إذن الأسقف المتقشف الذي يسهر على أبنائه ويعلّمهم حقيقة الدين بوضوح ومحبة.

إن الآباء الذين سبقوا أثناسيوس كانوا إما شهداء وإما فلاسفة. فالشهداء بالدم كتبوا وللعشق الإلهي تاقوا، وأمّا الفلاسفة فاستندوا إلى العقل والمنطق ليعرضوا الإيمان. أمّا أثناسيوس فلا ينتمي إلى مدرسة فلسفية. وطنه الروحي هو الكنيسة. شخصيته تكوّنت في مكاتب الإدارة الأسقفية. حرّر أثناسيوس اللاهوت من أفلاطون وفلسفته وبناه على تجسد المسيح. إنه ذلك الإنسان الذي أعطى للتجسد أهميته في عصر ابتدأت فيه الهرطقات تتسلل إلى الكنيسة بطريقة شيطانية لترمي الفساد فيها.   

أجل، إنه لوجه غريب هذا الرجل الذي برز في بداية القرن الرابع! إنه رجل الكفاح الدائم والمقاومة المستمرة. متصلّب الرأي، حذق، نشيط، قد يكون سلساً في الأمور الثانوية، لكنه في الأمور الأساسية والقضايا الجوهرية حازم لا يتزعزع. مثابرته لا تقف عند نجاح جزئي وهمته لا تخمد عند فشل نهائي! تطور الكنيسة فيما بعد ارتكز على نشاط هذا الرجل الوحيد، على الصراع العنيف الذي طبع حياته وعلى الانتصار الذي تحقق له بعد وفاته. إن بقيت الكنيسة سائرة على مقررات مجمع نيقية فالفضل يعود لهذا القديس الذي علم ما للتجسد وألوهية الكلمة من أهمية في المسيحية وظفرها. قدّم حياته ذبيحة لكي تتأصل هذه الفكرة في أذهان المسيحيين عبر الأجيال... إنه رجل البأس والشجاعة الذي اتخذ موقف الجبابرة في حين كانت الكنيسة بحاجة إلى الأبطال.

عرف أثناسيوس مرارة الاضطهاد وعرف أيضاً مجد الكنيسة في أيام السلم وحماية الدولة. لكن الأمجاد لم تسكره فبقي بصيراً مدركاً حتى النهاية. حرّر الكنيسة من نير الأباطرة وشق الطريق التي ينبغي أن تسير الكنيسة عليها. لولاه لوقعت الكنيسة الناشئة بين أيدي الآريوسيين ولولا صموده أمام السلطات الزمنية لتحطمت الكنيسة تحطيماً! إنه بطل نيقية! إنه رمز للقوة والمثابرة والشهامة.

بقلم ايما غرّيب خوري

 

 


(1) أي التاريخ الروماني (الناشر)

(2) وقد أكمل الدستور في المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية، لذلك يُدعى عادة بالدستور (النيقاوي القسطنطيني). راجع الفصل الأول من كتاب (مدخل إلى العقيدة المسيحية) لكوستي بندلي ومجموعة من المؤلفين، و (مجموعة الشرع الكنسي)، في منشورات النور

(3) باخوميوس أب الرهبنة (الجماعية) (Cénobitique) وقد ورد في سيرة الأنبا باخوميوس: (لما وصل (أثناسيوس) إلى دوفانيس خرج أبونا باخوميوس مع جماعة الإخوة في حفل كبير وجمع غفير واستقبله استقبالاً حسناً بالصلوات الكثيرة والتسابيح والشموع...)

(4) يتكلم أثناسيوس في (تاريخ الآريوسيين) قائلاً: (كم من عذارى نذرن أنفسهن للمسيح بعد أن كن يطلبن الزواج... وكم من شباب تغايروا بالغيرة الحسنة.. فخرجوا من العالم للحياة الرهبانية.. وكم من آباء أقنعوا أولادهم وكم من أولاد أقنعوا آباءهم بمزيد من النسك المسيحي.. وكم من زوجات أقنعن أزواجهن وأزواج أقنعوا زوجاتهم وتفرغوا للدخول في عهد الصلاة.. وكم من أرامل وكم من يتامى كانوا جياعاً، عراة وبحماس الشعب أشبعوا واكتسوا.. وكانت غيرة الشعب ومنافسته على الفضيلة شديدة إلى حد يكاد يظن أن كل عائلة وكل بيت قد صار كنيسة.. والسلام كان يرفرف على الكنائس) (تاريخ الآريوسيين 25، 27...)

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع