Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


الفصل الثاني: المزيد عن شخصية أثناسيوس

علاقته الشخصية بالمسيح

كان قلب أثناسيوس يجيش بمحبة شديدة للمسيح وكان يعتبر مثل بولس الرسول أن محبة المسيح هي علامة ومفتاح الإيمان الصحيح، وأنه بدون هذا الحب لا يمكن أن نبلغ الإيمان الحق. لذلك كتب في نهاية رسالته للرهبان: (إن كان أحد لا يحب ربنا يسوع المسيح، كما يقول الرسول (1كو22:16)، فليكن أناثيما)، وفي نهاية رسالته إلى أدلفيوس: (سلم على جميع الذين يحبون ربنا يسوع المسيح). وكان يشير عادة إلى الآريوسيين (بأعداء المسيح). وكان أثناسيوس يوجّه دوماً نظره إلى المسيح يسعى أن يتمثل به في كل أعماله: (لم يكتف المخلِّص بأن يعلِّم الفضيلة بل قد مارسها هو أيضاً بنفسه حتى إذا ما سمعناه ونظرنا إليه وجدنا فيه المثال الحي العملي لما يجب أن نفعله. فنحن نسمعه يقول: (تعلّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب) (متى29:11). فلا يمكن أن نجد تعليماً عن الفضيلة أكمل من الذي قدمه المخلِّص بشخصه في حياته الخاصة. فنحن نجد فيه المثال الأعلى في الاحتمال ومحبة البشر والصلاح والقوة والرحمة والبر. فالذي يتأمل حياة الرب البشرية لا يعوزه شيء من الفضيلة. وقد أدرك بولس ذلك جيداً إذ قال: (كونوا متمثلين بي كما أني أنا أيضاً بالمسيح) (1كو1:11). إن مشرِّعي الأمم لا يعرفون إلا أن يضعوا التشريعات فقط. وأمّا الرب الذي هو سيد الكون كله، فبسبب عنايته بخليقته لم يكتف بأن يضع لها النواميس بل قدَّم نفسه أيضاً مثالاً لها حتى يتعلم منه طالبو الفضيلة كيف ينبغي أن يسلكوا) (الرسالة إلى مرسلينوس عن المزامير13).

تمسكه بمجاري النعمة

آ- الإفخارستيا

يتبيّن من أقواله العديدة عن الإفخارستيا وسر الشكر أنه كان يعتبر المناولة ركناً أساسياً في حياته الشخصية وحياة المؤمنين وكان يدعو باستمرار أبناءه الروحيين إلى الاقتراب من السر الإلهي، هذا (العشاء العظيم الذي يفوق العالم) (رسالة فصحية 40) لكي تكون لهم الحياة.

ب- الكتاب المقدس

لقد تربّى أثناسيوس منذ نعمة أظفاره على الهذيذ في الكتاب المقدس بعهديه وظلت هذه القراءة رغبته المفضلة كل أيام حياته، كما يقول بنفسه لصديقه مرسلينوس: (عرفت من حامل الرسالة أنك تصرف وقتك في قراءة الكتاب المقدس كله ولا سيما سفر المزامير. وإني أمتدحك لأني أنا أيضاً مثلك أجد لذَّتي العظمى في قراءة المزامير بل والكتاب كله أيضاً) (الرسالة إلى مرسلينوس 1).

لذلك كان يدعو رعيته باستمرار لقراءة الكتاب المقدس، قائلاً: (إن عبيد الرب الصالحين والأمناء الذين صاروا (متعلمين في ملكوت السموات... يخرجون من كنوزهم كل جديد وقديم) (متى52:13)، الذين يلهجون بكلام الله (حين يجلسون في البيت وحين يمشون في الطريق وحين ينامون وحين يقومون) (تث7:6) يصيرون ثابتين في الإيمان، فرحين في الرجاء، حارين في الروح... فبالتأمل في الوصية يثبتون أمام ما يقع عليهم من الضيق ويُرضون الله ويقولون بثقة (ضيق وشدة أدركاني ولكن وصاياك هي درسي) (مز43:119)... إذاً فتأمل الوصية ضروري يا أحبائي مع اللهج المستمر بالفضيلة (لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح) (2تي 17:3). فبهذه الأمور نربح موعد الحياة الأبدية كما كتب بولس إلى تيموثاوس داعياً التأمل رياضة روحية قائلاً: (روِّض نفسك على التقوى لأن الرياضة الجسدية نافعة لقليل وأما التقوى فنافعة لكل شيء إذ لها موعد الحياة الحاضرة والعتيدة) (1تي 7:4 و8) (الرسالة إلى مرسلينوس 33).

تمسّكه الشديد بالتقليد الشريف

نشأ أثناسيوس في الكنيسة محافظاً على تقاليدها مفتخراً أنه يفهم الأسفار المقدسة (فهماً كنسياً) أي فهماً يتوافق مع التقليد الشريف، أي تقليد الكنيسة الأولى المسلم إليها من الرب نفسه. لذلك كان يهاجم الهراطقة لأنهم لم يحافظوا على تعاليم الرسل والآباء الأقدمين، كما يقول في بعض رسائله الفصحية وكتاباته الأخرى:

- (إن جميع الذين اخترعوا الهرطقات الخبيثة، وإن كانوا يستشهدون بالأسفار المقدسة إلا أنهم لا يتمسكون بالآراء (التفاسير) التي سلمها القديسون بل يعتبرونها مجرد تقاليد للناس، ولذلك يضلون إذ لا يعرفونها بالحق ولا يدركون قوتها، ولهذا السبب يمدح بولس أهل كورنثوس لأن آراءهم كانت موافقة لآرائه (1كو2:11)) (رسالة فصحية6:2).

- (إن الرسول يمدح أهل كورنثوس قائلاً: (فأمدحكم أيها الإخوة لأنكم تذكرونني في كل شيء وتحفظون التقاليد كما سلَّمتها إليكم) (1كو2:11). وأمّا هؤلاء (الآريوسيون) الذين يحتقرون آراء الذين سبقوهم يليق بهم حقاً أن يقولوا بلا حياء عكس ذلك لرعاياهم أي (إننا نمدحكم لأنكم لا تذكرون الآباء ونزيدكم مدحاً حينما تحتقرون تقاليدهم) (عن المجامع 14).

- (هذا هو جنون وشطط هؤلاء الناس – بحسب ما وصفناه – وأمّا إيماننا نحن فمستقيم ونابع من تعليم الرسل وتقليد الآباء ومشهود له من العهدين الجديد والقديم كليهما) (رسالة6:60).

اتصاله المستمر بالأوساط الرهبانية

كما رأينا في القسم الأول من هذا الكتاب المتعلق بحياة القديس أثناسيوس، تعرّف أثناسيوس على كبار مؤسسي الرهبنة أي القديس أنطونيوس الكبير والقديس باخوميوس وظل طيلة حياته مستمراً على الاتصال بالأوساط الرهبانية في صحراء مصر إن كان بواسطة الجولات الرعائية أو المراسلة. وقد لقي من هذه الأوساط المساعدة والعون في جهاده ضد الآريوسيين وجميع محاربيه. هذه الثقة وهذا الاتصال أثّرا بدون شك على روحانيته خاصة في المجالات التالية:

آ- تقواه وتقشف حياته

قبيل انتخابه للكرسي الإسكندري أجمع الشعب كله (أنه مسيحي تقي وواحد من النساك) (الدفاع ضد الآريوسيين 6). وكان يتميّز أثناسيوس بالفعل بالتقوى والمثابرة على الصلاة، إذ نسمعه يقول في عدد من كتاباته أنه بصورة عادية يترأس خدمة السحر طيلة الليل استعداداً لإقامة القداس الإلهي في اليوم التالي (5). وكذلك نستنتج من إحدى رسائله إلى سيرابيون أنه كان يصلّي قبل الكتابة والتأليف طالباً الإلهام الإلهي: (وبينما كنت أفكر بهذه الأمور بدا لي أن المعنى المتخفي في هذه الكلمات ذو عمق كبير، فبدأت أولاً بالصلاة الكثيرة إلى الرب... ثم عدت أتأملّ... لعلّي ألتمس منه معنى هذه الكلمات). (6)

ب- لا حقيقة بدون تقوى

يقول في إحدى رسائله الفصحية: (إن العقيدة والتقوى مرتبطين كمثل أختين: فالذي يؤمن بالله يصير تقياً وكذلك الإنسان التقي يكون له إيمان. فالذي يصنع الإثم يضل أيضاً بلا شك من جهة الإيمان والذي يترك التقوى يفقد أيضاً الإيمان القويم) (7). وبهذا التعليم يرتبط أثناسيوس بهذا الخط الذهبي الذي ابتدأ منذ أول بزوغ الكنيسة واستمر عبر العصور: إنه بدون قداسة وحياة روحية ومحبة لا معرفة للحقيقة ولا فهم لما أعلنه الله للقديسين. (لنحب بعضنا بعضاً لكي بعزم واحد نعترف مقرّين بآب وابن وروح قدس...) كما نقول في كل قداس إلهي. وكما قال العديد من الآباء: (اللاهوتي هو من يصلّي) والقديس غريغوريوس النازينزي: (من المهم أن نتكلم عن الله، لكن الأهم أن نتطهر من أجل الله)، هكذا يقول أيضاً أثناسيوس: (إن نقاوة النفس تؤهلها لتتأمل الله في داخلها). (8)

ج- لا عقيدة مجرّدة عن التصوّف والحياة الروحية الواقعية

وقد أكد كبار اللاهوتيين براعة أثناسيوس في إظهار الجانب الروحي لكل عقيدة وفي وصل هذه العقيدة بالحياة اليومية (لإحياء النفوس وإنعاشها ودفعها نحو الخير). (إنه كرّس حياته من أجل... الحياة المسيحية المعاشة بكل عمقها. فأثناسيوس قبل أن يصير اللاهوتي البارع... وقبل أن يكون الأسقف الذائع الصيت... كان إنساناً يريد أن يحيا الحياة الإلهية التي أحضرها الكلمة المتجسد إلى عالم البشر وذلك بالسلوك في الطريق النسكي...) (9). بذلك هو ممثل رائع للاّهوت الشرقي الذي لا يرتكز على العقل وحده بل يفتش أيضاً عن براهينه في اختبارات القديسين العلمية، كما يقول في (تجسد الكلمة) (48- 1 و2): (على أن هذه البراهين التي قدمناها لا تستند إلى مجرد حجج كلامية ولكن هناك اختبارات عملية تشهد لصحتها. فليذهب من أراد ويعاين دليل العفة في عذارى المسيح والشبان الذين يمارسون حياة العفة المقدسة).

إدراكه الواضح لحدود العقل البشري في معرفة الإلهيات

يقول في رسالته الأولى إلى سيرابيون:

(من يريد أن يتفحص الأمور أكثر من اللازم فليسمع القائل: (لا تكن حكيماً بزيادة لئلا تجّرب نفسك) (الجامعة 16:7). فإن ما سلّم بالإيمان لا ينبغي أن يفحص بالحكمة البشرية، بل أن يقبل بخبر الإيمان) (17:1). وأيضاً: (إن شرح الإلهيات لا يمكن أن يكون بالبراهين الكلامية بل بالإيمان وبأفكار التقوى الورعة) (20:1).

وفي رسالته إلى الأنطاكيين يحذرهم على ميلهم المفرط للكلام والسفسطة قائلاً: (لا تتفارقوا بشأن كلمات لا فائدة لها ولا تتخاصموا بخصوص العبارات المشار إليها، بل اتفقوا في مشاعر التقوى... واعتبروا فوق كل شيء قيمة ذلك السلام الذي في حدود صحة الإيمان. لعل الله يترأف علينا ويوحّد ما قد انقسم فلا نكون سوى رعية واحدة لراع واحد الذي هو ربنا يسوع المسيح نفسه...). (10)

إدراكه أن علاقتنا بالمسيح هي علاقة كيانية

في هذا الإدراك يكمن محور تعليم أثناسيوس: لأنه يوجد اتصال كياني عميق بين المسيح المتجسد والجنس البشري فعملية الفداء تخص كل إنسان كيانياً. تكثر هنا الاستشهادات من كتابات القديس أثناسيوس إذ يعود في كل منها إلى هذه النقطة الأساسية. فلنسمع بعضها: (لما اغتسل الرب في الأردن كإنسان، كنّا نحن الذين فيه وبواسطته نغتسل، وحينما اقتبل الروح كنّا بواسطته مقتبلين هذا الروح) (11). (فالذي يقدّس كل شيء يقول للآب: من أجلهم أقدِّس ذاتي (يو19:17) ليس بمعنى أن (الكلمة) يمكن أن يزداد في القداسة بل بمعنى أنه هو نفسه يقدسنا نحن جميعاً في ذاته) (12). (كما أننا بموته قد متنا جميعاً في المسيح، هكذا في المسيح عينه نرتفع نحن أيضاً ونقوم من الموت ونصعد إلى السموات) (13). فكل أحداث حياة الرب تصبح إذاً أحداثاً تخصّنا في الصميم. لذلك يحتمل الرب زلاتنا ويرفعها عنّا ويغسلنا منها على الصليب ويتغلب باسمنا على الموت والشرير. (لو أدرك أعداء المسيح (الآريوسيون) ذلك وتمسكوا بهذه (النظرة الكنائسية) كأنها مرساة للإيمان لما ضلّوا أبداً من جهة الإيمان) (14). المسيح فينا ونحن فيه، الإنجيل ليس مجموعة وصايا وتعاليم بل حامل لشخص المسيح. والحياة المسيحية ليست في اتباع عدد من المناقب بل (بلبس المسيح) كما ننشد في الكنيسة: (أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح لبستم)، لأنه (لو كان المسيح مجرد معلّم يعلمنا من الخارج لكانت الخطيئة لا تزال تتسلط على الجسد كما كانت من قبل. لكن الرسول يعارض مثل هذه الأفكار قائلاً: (نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع) (أف 10:2). فإن كنّا في المسيح قد خُلقنا فليس إذاً هو في ذاته المخلوق بل نحن المخلوقون فيه) (15)، و"قد تألهنا بالكلمة لأننا صرنا منضمين إليه بواسطة جسده وبذلك ورثنا الحياة الأبدية" (16).

وهذا يوصلنا إلى مفهوم (التأله) عند أثناسيوس، هذا المفهوم الذي ظهر من قبله عند القديس إيريناوس وعمّ من بعده كل الفكر الآبائي. (فالكلمة صار جسداً لكي يجعل الإنسان قادراً أن يتقبل اللاهوت) {ضد الآريوسيين 59:2} لكي يصبح الإنسان إلهاً بالنعمة من خلال اتحاده بالله. هذا المفهوم (للتأله) (Theosis) يشكل محور تفكير القديس أثناسيوس اللاهوتي وأصبح من بعده أحد ركائز الفكر اللاهوتي في الكنيسة الشرقية (17).

حرصه على وحدة الكنيسة

كان يشعر أثناسيوس منذ شبابه شعوراً شديداً بحقيقة الكنيسة كجسد للمسيح وبضرورة الحفاظ على وحدتها ومحاربة كل من يتجرأ على إدخال روح الشقاق إليها. ينطلق أثناسيوس في مفهومه هذا من سر الشكر الذي هو مصدر وحدة الكنيسة ومحورها. (فإننا نحن جميعاً إذ نتناول من (الرب) الواحد نصير جسداً واحداً إذ يكون لنا في نفوسنا الرب الواحد) (18). أمّا ما يثبت هذه الوحدة فهو الروح القدس: (إننا بالروح نصير في الله وبالتالي نصير متحدين بعضنا مع بعض في الله) (19). وقد ملأه هذا اليقين بوحدة أبناء شعب الله الأساسية بغيرة لا توصف للدفاع عنها، مما يفسّر الكثير من تصرفاته في خضم المعارك التي ما زال طيلة حياته يخوضها دفاعاً عن الإيمان. ويقول بهذا الصدد الأب العالم لويس بوايّه في وصفه لشخصية أثناسيوس في كتابه عنه المذكور سابقاً: (إن أثناسيوس في كل كتاباته الجدلية والدفاعية يُظهر سخطه بشدة على خصومه، لكنه في ثورته عليهم يخلو تماماً من مشاعر البغضة أو الحقد. إنه يندفع بشهامة ليظهر استياءه الشديد، غير أنه في ذلك أيضاً لا يتخلى تماماً عن وداعته الطبيعية، بل سرعان ما تعود وتكون هي السائدة. إنه يفضح آريوس ويوسابيوس وكونستانثوس ويصفهم بما لا يشرفهم، غير أننا لا نراه قط يطأهم بأقدامه، فنحن لا نجد في كتاباته أثراً لعداوة شخصية تسوِّد صفحاتها).

والسبب في ذلك يرجع إلى أن أثناسيوس لم يكن يقاوم عدواً شخصياً بل أعداء الإيمان وكان على استعداد في أي وقت يرجعون إلى الحق أن يقبلهم بسعة صدر. وقد أظهر هذا التسامح في كل علاقاته بسعة صدر. وقد أظهر هذا التسامح في كل علاقاته مع الهراطقة التائبين وسعى دوماً – شرط عدم المساومة على صحة الإيمان – أن يقرِّب القلوب كما ظهر في كلامه إلى الأنطاكيين الذي ذكرناه سابقاً. كل جهاده الكنسي، يقول الأب متى المسكين، على مدى هذه السنين الطويلة، كان يؤول إلى غاية واحدة: (أن يجمع في وحدانية الإيمان كل الذين صاروا أعضاء في جسد المسيح)، (لعلّ الله يترأف علينا ويوحّد ما قد انقسم، فلا يكون بعد سوى رعية واحدة لراع واحد هو ربنا يسوع المسيح نفسه) (20).

اقتباس ريمون رزق
لقد اقتبس الأستاذ ريمون رزق هذا الفصل من الكتاب بإيجاز وتصرّف عن الفصل المتعلق
"بشخصية القديس أثناسيوس الروحية واللاهوتية"
للأب متى المسكين، في كتابه القيّم (القديس أثناسيوس الرسولي)، 1981

 

الفصل الثالث: منهجه اللاهوتي

منهجه اللاهوتي

آ- المنهج العام

* مؤلفاته تحمل صبغة الدفاع عن الإيمان (فيما عدا الكتابان اللذان ألَّفهما قبل اندلاع النزاع الآريوسي – وكان ذلك في مطلع حياته، وهما (ضد الوثنيين) و (تجسد الكلمة).

* يتميّز أسلوب أثناسيوس

عن باسيليوس وغريغوريوس ويوسابيوس: بأصالة تعابيره غير المنمقة،

عن ترتليانوس: بسلاسة أسلوبه وسهولته،

عن ايرونيموس: لكونه واقعياً، خالياً من المبالغة،

عن هيلاريون: لكونه تلقائياً غير متكلف.

عن أغسطينوس ويوحنا ذهبي الفم: لكونه بسيطاً غير مشحوناً بالاستطرادات والمعاني الفرعية الكثيرة.

* كان أثناسيوس يكتب ليشرح الحق، والحق فقط، تاركاً الحق يؤثر بنفسه على السامع والقارئ. لذا كان يعمد إلى التكرار، عن وعي.

* اللغة اليونانية التي كتب بها أثناسيوس:

إن أثناسيوس صعيدي قبطي صميم، إلا أنه يُعتبر أعظم من عبَّر باللغة اليونانية عن فكر عصره وعن مضمون لاهوت القرن الرابع، علماً أنه توجد في كتابات أثناسيوس ألفاظ لاتينية كثيرة مكتوبة بحروف يونانية، مما يكشف عن دراية أثناسيوس وميله الطبيعي إلى اللاتينية.

ب- الاتجاهات المدرسية للاهوت أثناسيوس

* ورث أثناسيوس لاهوت مدرسة الإسكندرية ومنهجها في البحث والشرح والتحليل.

* لم يأخذ مبادئ فلاسفة المدرسة اللاهوتية على علاّتها. ففي مواضع كثيرة ينتقد ويقاوم بشدة أفكار أوريجانس.

* وبالرغم من أنه استقى أبحاثه أولاً من علماء مدرسة الإسكندرية السابقين، لكنه بحاسة رسولية لا تخطئ كان يقارن بين هذه الاجتهادات الفلسفية وبين الأصول الآبائية الأخرى المسلّمة من الرسل، ويعطي تعليماً يتناسب مع روح الإنجيل والتقليد.

* أتت مؤلفات القديس أثناسيوس الأولى خالية من أية لمسة أوريجانية من قريب أو بعيد. أمّا كتاباته اللاحقة وتعبيراته ودقائق شرحه للإيمان الأرثوذكسي، فأتت ملتزمة بمقررات مجمع نيقية. وقد كان لاهوت مجمع نيقية يجمع بين دقة التحليل الغربي مع أصالة التقليد اللاهوتي الشرقي، القائم على المعارضة الصريحة والشديدة للاتجاه الأوريجاني بوجه عام.

* لا يصعب على أي دارس صبور أو لاهوتي مفتوح البصيرة أن يستخرج من مجموع كتابات أثناسيوس منهجاً كاملاً لاهوتياً.

* (محبة المسيح فوق أي شيء آخر) هي مفتاح فهم حياة أثناسيوس وكتاباته، ومنهجه اللاهوتي يتمركز حول شخص المسيح دائماً. السمة التي ميَّزت لاهوت أثناسيوس هي أنه صاحب (لاهوت الخلاص). فلم يكن أثناسيوس يترك شيئاً قط يعلو فوق الحقيقة الأساسية وهي (الفداء) جاعلاً من هذه الحقيقة حياة شخصية قائمة دائماً (في شخص الفادي). وبذلك حوَّل أثناسيوس نظرة الفلاسفة من (لوغوس) الفلسفة إلى (لوغوس) إنجيل يوحنا، ومن (إله الفلاسفة) إلى (الله المستعلن في يسوع المسيح)، لكي يصالح به العالم لنفسه.

كتابات القديس أثناسيوس

{ هذه اللائحة مأخوذة من كتاب الأب متى المسكين، (القديس أثناسيوس الرسولي)، 1981، ص677 إلى 680 }

هذه لائحة شاملة لكتاباته مرتبة زمنياً، والرقم يشير إلى تاريخ كتابتها:

(1) سنة 318 كتابان: ضد الوثنيين (Contra Gentes). تجسد الكلمة (De Incarnatione Verbi Dei).

(2) سنة 321- 322 منشور عزل آريوس (Deposito Arii).

(3) سنة 328- 373 الرسائل الفصحية {الموجود منها 35 رسالة}.

(4) سنة 328- 335 شرح الإيمان (Expositio Fidei).

(5) سنة 335 على الآية (كل شيء دفع إليَّ من أبي) (لو22:10، متى27:11) (In Illud Omnia).

(6) سنة 339 خطاب دوري لأساقفة المسكونة (Encyclica ad Episcopos Ecclesiae Catholicae).

(7) سنة 343 رسالتان من مجمع سرديقا (حالياً صوفيا عاصمة بلغاريا في البلقان).

(8) سنة 351 احتجاج ضد الآريوسيين (Apologia Contra Arianos).

(9) سنة 352 دفاع عن مجمع نيقية (De Decretis Concilii Nicaeni).

ومذيَّل برسالة أوسابيوس القيصري لرعيته أرسلها سنة 325.

(10) سنة 352 شرح رأي الباب ديونيسيوس الكبير بطريرك الإسكندرية (De Sententia Dionysii).

(11) سنة 350- 353 رسالة إلى أنبا آمون من آباء نتريا (Ad Amun).

(12) سنة 354 رسالة إلى داركونتيوس أسقف هرموبوليس بارفا (دمنهور حالياً) (Ad Dracontium).

(13) سنة 356- 362 حياة القديس أنطونيوس (Vita Antonii).

(14) سنة 356 رسالة إلى أساقفة مصر وليبيا (Epistola ad Episcop Aegypti et Lybyae).

(15) سنة 356- 357 الدفاع المقدم للإمبراطور كونستانثوس (Apologia ad constantium).

(16) سنة 357 دفاع عن هروبه (Apologia de Fuga).

(17) سنة 358 رسالتان إلى الرهبان (Ad monachos).

(18) سنة 358 تاريخ الآريوسية (Historia Arianorum ad Monachos).

(19) سنة 358 أربع مقالات ضد الآريوسيين (Orationes ad Arianos IV).

{المقالة الرابعة منسوبة إليه وهي غالباً ليست من تأليفه (الناشر)}.

(20) سنة 359 رسالتان إلى لوسيفر أسقف كالاريس في سردينيا والذي نفي إلى صعيد مصر (Ad Luciforum).

(21) سنة 359 أربع رسائل إلى سيرابيون طمويه (تمي الأمديد حالياً) في دلتا مصر (Ad Serapionem Orationes IV).

(22) سنة 359- 360 على مجمع أريميني ومجمع سلوكية (De Synodis Arimini et Seleuciae Celebratis).

(23) سنة 362 خطاب مجمعي إلى كنيسة أنطاكية (Tomus ad Antiochenos).

(24) سنة 362 رسالة إلى روفينيانوس (Ad Rufinianum).

(25) سنة 363- 364 رسالة إلى الإمبراطور جوفيان (Ad Juvianum).

(26) سنة 364 رسالتان قصيرتان إلى الأب أورسيسيوس رئيس دير طبانسين في صعيد مصر (Ad Orsisium).

(27) سنة 369 خطاب مجمعي إلى أساقفة أفريقيا من أساقفة مصر وليبيا ومعهم أثناسيوس (Ad Afros Epistola Synodica).

(28) سنة 369 أيضاً رسالتان الأولى إلى أبكتاتوس أسقف كورنثوس (Ad Adelphium) والثانية إلى مكسيموس فيلسوف كلبي اسكندراني (Ad Maximus).

(29) سنة 363- 372 رسالة إلى ديودورس أسقف صور (Ad Diodorus).

(30) سنة 372 رسالة إلى يوحنا وأنطيوخس (الذي صار أسقفاً فيما بعد على بتولمايس) (Ad Joann . Et Antiochen). سنة 372 أيضاً: رسالة إلى بالليديوس كاهن مقيم في قيصرية فلسطين (Ad Palladius).

(31) سنة 372 كتابان ضد أتباع أبولّيناريوس (Contra Apollinarium).

أما باقي كتاباته التي لم يتوصل العلماء بعد إلى تحديد زمن كتاباتها فيمكن تقسيمها إلى مجموعات هكذا:

أولاً- عقائدية وتعليمية:

(32) في الثالوث والروح القدس (De Trinitate et Spiritu Sancto).

وهو معروف في ترجمته اللاتينية فقط. ولكن واضح أنها مأخوذة عن أصل يوناني، ويرجح البعض كتاباته عام 365 {كما يرجح البعض الآخر أنها ليست من تأليف أثناسيوس (الناشر)}.

(33) التجسد وضد الآريوسيين (De Incarnatione et Contra Arianos).

في حقيقته هو إثبات ألوهية المسيح من الكتاب المقدس أساساً، ثم الاستطراد إلى الروح القدس. ولم يُتفق على صحة نسبته إلى أثناسيوس.

(34) العظة الكبرى عن الإيمان (The Sermo Maior de Fide).

وعنه يقول الأسقف نيومان، العالم الآبائي الإنجليزي في القرن الماضي، أنه تجميع من أعمال أثناسيوس ولذلك لم يعترف العلماء بنسبته الأصلية لأثناسيوس.

(35) مقتطفات ضد بولس الساموساطي (بطريرك إنطاكية في القرن الثالث الذي حكمت المجامع بتجريده وعزله لهرطقته) وقد اتفق على صحة نسبتها إلى أثناسيوس.

وباقي المقتطفات التي ضد مكدونيوس (المسمى عدو الروح القدس) ونوفاتيان وقد صعب على العلماء تقرير صحة نسبتها إليه.

(36) تفسير الرموز (Interpretatio Symboli) وقد ثبت أنه تعديل لقانون المعمّدين الذي وضعه إبيفانيوس أسقف قبرص المصري سنة 372 ولذلك يحتمل أن أصله من الإسكندرية لذلك يرجّح العلماء أن واضعه هو أنبا بطرس الثاني أو ثيئوفيلس من بطاركة الإسكندرية سنة 380.

(37) تجسد كلمة الله (De Incarnatione Verbi Dei) المنسوب إليه خطأً، وهو كتاب وضعه تلاميذة أبوليناريوس اللاذقاني صاحب الهرطقة المنسوبة إليه، وقد استخدمه القديس كيرلس الكبير في عبارته المشهورة (طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد). معتقداً أن هذا التعبير هو لاثناسيوس، ولكنه لم يستخدمه كما أراد الأبوليناريين بل حوّل السم إلى دواء. فشرح هذه الجملة شرحاً أرثوذكسياً تجلى في رسالة المصالحة بينه وبين يوحنا الأنطاكي.

ثانياً- تفسيرية:

(38) إلى مارسللينوس على تفسير المزامير (Psalmorun Ad Marcellinum de Interpretione)، وهو مقال تقوي عميق عن استعمال المزامير في الصلاة، ويؤكد شيوع استعمالها لأنها تجمع في إيجاز روح أسفار الكتاب المقدس كله مع تطبيقها للاحتياجات الروحية لكل نفس تحت مختلف الظروف. ويقول أن ترتيل المزامير ليس بقصد تأثيرها الموسيقي بل ليتمكن المصلي من التأمل الهادئ في معانيها.

(39) شروحات على المزامير (Expositiones in Psalmos) مع مقدمة يشير فيها إلى ترتيب المزامير العبرية وتقسيمها إلى 5 كتب، ويُرجع عدم تنظيمها منطقياً إلى الاعتقاد أنه خلال سبي الشعب اليهودي جَمَعَ أحد الأنبياء بقدر استطاعته الأسفار المقدسة التي فقدت ترتيبها بسبب إهمال اليهود. أمّا الأجزاء التي فيها اللعنات فهي تنطبق على أعدائنا الروحيين.

وفي هذه الشروحات يتقدم كل مزمور تمهيد يبيّن موضوعه العام. وكذلك يرجع أثناسيوس عَرَضَاً إلى الترجمات اليونانية الأخرى مثل ترجمة أكويلا وثيودوشن وسيماخوس.

(40) أجزاء متناثرة على إنجيل متى (Fragmenta in Evang . Mathaiei)، وفيها ملاحظة هامة عن الإفخارستيا (على متى 6:7). ويبدو أن هذه المتفرقات مأخوذة من مواعظ وتفاسير لأثناسيوس ومجمعة في أقوال مستقلة.

(41) متفرقات على إنجيل لوقا (Fragmenta in Lucam). وفي نهايتها يشرح أثناسيوس حدود المعونة التي تقدمها الصلاة على المنتقلين.

ثالثاً- النسكيات:

(42) في البتولية (De Virgintate) ويؤكد البعض صحة نسبته إليه والبعض الآخر ينفي ذلك.

رابعاً- كتابات ضائعة:

وهي ما جاء ذكرها في كتاباته، أو ذكرها المؤرخون القريبون من عصره مثل المؤرخ سقراط. مثال ذلك خطاب حرره لتعزية العذارى اللواتي أساء معاملتهن جاورجيوس الوالي الآريوسي، وجاء عنه في تاريخ الكنيسة لثيودوريتوس، ويقتبس منه أن الأريوسيين لم يسمحوا للعذارى بالدفن في سلام بل (كانوا جالسين حول المقابر كالأبالسة ليمنعوهن).

وأهم أعماله الضائعة رسائله الفصحية الناقصة ومراسلاته مع القديس باسيليوس الكبير.

وكان الاهتمام شديداً في القرن السادس بجمع كتاباته بأية وسيلة، حتى أن قزمان أحد رؤساء الأديرة كان ينصح الإنسان بأن ينسخ في الحال أي شيء يصادفه من أعمال أثناسيوس، وإذا لم يتيسر له ما يكتب عليه فليكن ذلك على ملابسه. وهذا يعلل كثرة الأعمال الجزئية التي للأنبا أثناسيوس والتي تدخل ضمن سلسلة (مقتطفات آباء الكنيسة) في الغرب المسماة السلاسل الذهبية (Catena Aurea). وكذلك تسبب هذا في وجود كثير من الكتابات المدسوسة عليه، أهمها ما يسمى بقانون إيمان أثناسيوس الذي ما زال مصدره قيد البحث.

للآب متى المسكين
{هذا النص هو ملخص الفصل الرابع من كتاب "القديس أثناسيوس الرسولي"
للأب متى المسكين، كما ورد في الصفحتين 414 و 415 من الكتاب}

 

الفصل الرابع: من أقوال بعض الآباء في القديس أثناسيوس

* من عظة للقديس غريغوريوس النازينزي (21)

حينما أمدح أثناسيوس فأنا أمدح الفضيلة !

فالكلام عن أثناسيوس ومديح الفضيلة هما عملان مترادفان !

فأثناسيوس حاز الفضيلة بل اقتناها بل احتواها، ولا نحزن فالذين عاشوا بوفاق الله مهما ارتحلوا عنا فهم لا يزالون يعيشون في الله !

من أجل هذا يُسمى الله إله ابراهيم واسحق ويعقوب لأنه ليس إله أموات بل إله أحياء.

ومرة أخرى أقول إني عندما أمدح أثناسيوس فأنا أمدح الله، الواهب الفضيلة للبشر...

... ومع أن الجميع هم صنعة يديه، فقليلون هم رجال الله، الذين بينهم المشترعون والكهنة والأنبياء والإنجيليون والرسل، والرعاة، والمعلّمون، وكل زمرة الروحيين والذين بينهم جميعاً من جئنا اليوم نمدحه !...

مع هؤلاء حُسب أثناسيوس مناظراً، فإزاء بعضهم يُحسب ممتازاً وتجاه الآخرين – أقول متجرئاً – يُحسب متفوقاً.

وبعض من هؤلاء أخذهم أثناسيوس نماذج لتفتُحه الذهني، وآخرون معياراً لنشاطه والبعض مثالاً لاتضاعه، وآخرون في الغيرة المتقدة أو لمواجهة المخاطر أو للارتقاء إلى مستوى الأدب الجم، جامعاً من هذا وذاك كل أشكال الجمال الخلقي، وأخذهم جميعاً معاً في نفسه، فخرج لنا من هذا كله نموذجاً متكاملاً في الفضيلة، متفوقاً على كل أقرانه في الامتياز الفكري....

هذا الذي من أجل منفعتنا صار مثالاً لكل الآتين بعده !

ولكي نتكلم عن أثناسيوس ونعطيه حقه تماماً من الكرامة سيكون عملاً أكثر مما يحتمله الموقف الآن في حديثي معكم، لأن هذا يكون عملاً تاريخياً أكثر منه مديحاً كنسياً للذكرى، ولكنني أشتهي بالفعل أن يكون موضوع اهتمامي مستقبلاً كتابة تاريخ له، لمسرة ومنفعة الآتين بعدنا، كما كتب هو تاريخ أنطونيوس ذلك الرجل الإلهي الذي فيه رسم قوانين الرهبنة على مستوى الرواية كقصة.

فأثناسيوس شب منذ حداثته على ممارسة الحياة الدينية وسيرة التقوى، بعد دراسة مختصرة للأدب والفلسفة، الأمور التي لا ينبغي أن يكون جاهلاً بها أو غير متمهر فيها، وهو سينقدها مستقبلاً !!

أمّا بخصوص نفسه الوثّابة التوَّاقة للعلى، فأبت أن تبقى منحصرة في الأباطيل، بل ظل يهذ في كافة الأسفار للعهد القديم والعهد الجديد بعمق لم يبلغه أحد نظيره، فشب غزير التأمل والتفكير رصين السلوك وجمع هذا بذاك كما برباط ذهبي، قلما استطاع أحد أن يجمع بينهما، مستخدماً السلوك في الحياة كمدخل للتأمل، والتأمل جعله ختماً على الحياة كلها، لأن مخافة الله بدء الحكمة، أي أن الخوف هو قماط الحكمة الأول، ولكن متى قطعت الحكمة أقمطة الخوف الأولى فإنها تنبثق إلى أعلى في جو المحبة، فتجعلنا الحكمة أحباء لله وأبناء عوض عبيد.

 

وهكذا شبّ أثناسيوس متمرناً، كما ينبغي لكل من أراد الآن أن يرئس على شعب ويأخذ لنفسه مهمة قيادة جسد المسيح (الكنيسة) بمقتضى مشيئة الله وعلمه السابق الذي هو قائم في الأساس قبل كل أعمال الله العظمى !!

لقد سكب الله عليه هذه الخدمة الجليلة فجعلته واحداً من القريبين إلى الله، فاستأهل الخدمة المقدسة وكرامتها، وبعد أن أكمل درجات التدبير بكل إخلاص (شماس وكاهن بدرجاتهما) استؤمن على الرئاسة العليا للشعب أو بالحري مسؤولية العالم كله !!

ولست أعلم هل أخذ الكهنوت مكافأة للفضيلة التي حاز عليها، أو أخذ الكهنوت ليكون نبعاً وحياة للكنيسة ؟

فالكنيسة صارت كإسماعيل على صدر أمه، فأغمي على اسماعيل من العطش وأمّا الكنيسة فإلى الحق ! أو صارت كإيليا عندما احتاج إلى خرير نهر خابور عندما جفّت الأرض من الجدب فارتوى، لكي تبقى بذرة للصلاح حية في إسرائيل وحتى لا نبقى أيضاً مثل سادوم ونشابه عمورة.

لذلك فنحن حينما انطرحنا أرضاً، ارتفع أثناسيوس كقرن خلاص لنا وكحجر زاوية أبقى الله عليه ليربطنا معاً وبنفسه، أظهره الله في حينه الحسن، أو قل (أثناسيوس) هو النار التي أرسلها ليطهِّر به الشر الذي بيننا، أو هو (أثناسيوس) المذراة التي جاء بها الله لينقي أصحاب العقيدة الهشة المزعزعة من أصحاب العقيدة الراسخة الثابتة !!

أو (أثناسيوس) هو السيف الذي قطع جذور الشر من أصولها !!

لذلك وجده المسيح الكلمة طريقاً له،

والروح القدس وجد فيه من سيتنفس لحسابه !!

وهكذا ولهذا كله بصوت جميع الشعب وليس على طريقة الشر والغش التي ابتدعوها بعدئذ (الهراطقة)، ولا بسفك الدماء والقهر، ولكن بأسلوب رسولي روحاني قادوه إلى الكرسي الرسولي الذي للقديس مرقس ليخلفه في التقوى وليست أقل منه في الإدارة والخدمة !!.

* من عظة للقديس غريغوريوس النازينزي في القسطنطينية في عيد موت أثناسيوس سنة 380 (22)

(كان أثناسيوس في أعماله متسامياً وفي عقله وتفكيره متواضعاً، لا يضَارَع في الفضيلة، ومنفتحاً لكل مقارع ومحاجج، لطيفاً، متحرراً من روح الغضب، مترفقاً، حلواً في الحديث، وحلواً أكثر في التدبير، ملائكي الطلعة، وملائكياً أكثر في الفعل، هادئاً عند التعنيف والمراجعة، مقنعاً في المديح، هذا وذاك دون أن يكون مُسفاً في المزيد من الكيل، سواء للذي يعنِّفه، فهو يعنِّفه كأب، أو الذي يمدحه فهو يمدحه كرئيس ذي وقار، وكان في ترفّقه غير مأخوذ بعواطفه، وفي تعنيفه غير مساق بمرارة القسوة. فكان في هذا ذا وقار وفي ذاك حكيماً متبصراً بالعواقب !!

وفي الاثنين حقاً على مستوى التعقل !

وكان تدبيره كافياً لتمرين أولاده الروحيين بأقل حاجة إلى الكلمات !!

وكانت كلماته تغني كثيراً عن العصا !!

وكان استخدامه للعصا يغني عن السكين (الحرم) والله وحده الذي أنا واقف أمامه أتكلم لحسابه قادر أن يعطيني ما يستحق أن يُقال في حق نفس مثل أثناسيوس التي وُهبت قدراً كبيراً من النبالة وقدراً أقوى من سلطان الكلمة... هذا هو أثناسيوس. عندما كان في وسطنا، كان عمود الكنيسة.

لقد كان كونستانثوس يرى أن قمع كل مسيحيي الأرض شيء سهل !!

ولكن أمام قمع أثناسيوس أو قمع تعاليمه لما وجد الأمر جِدَّ خطير !!

وقنع الإمبراطور في نفسه أخيراً أنه لا فائدة من تدبير خطط لانتصاره علينا جميعاً طالما هذا – أي أثناسيوس – له هذه القدرة على المقاومة والمعارضة !!).

* أقوال أخرى للقديس غريغوريوس النازينزي (اللاهوتي) في القديس أثناسيوس

- (إنه وقف ضد كونستانثوس كملك يحارب ملكاً).

- كان في مجمع نيقية (أعظم المرافقين للأساقفة).

(مواعظ 21)

* أقوال للقديس باسيليوس الكبير في القديس أثناسيوس

- (قد تعلّم أن يحارب حروب الرب منذ صباه) (رسالته 82).

- (له الاحترام الكلي والمديح بغير حدود، إنه صاحب الوعي العميق والمبادرة العملية والرقة الإنجيلية، رأس الكنيسة، الرجل صاحب النفس الكبيرة الرسولية، الأب الروحي).

* القديس هيلاريون أسقف بواتيه

(إني لو خُيرت بين الموت ومخاصمة أثناسيوس لفضّلت الأول على الثانية) (6، 3).

* القديس يوحنا الدمشقي

(هو حجر الزاوية في كنيسة الله).

 

 


(5) الدفاع لدى قسطنطين25 وتاريخ الآريوسيين إلى الرهبان81.

(6) {إلى سيرابيون 4: 14.

(7) رسالة فصحية9:11

(8) ضد الوثنيين 4:2.

(9) راجع:

L.Bouyer، L'Incarnation et I'Eglise، p.25- 26

(10) الطومس إلى أنطاكية 8.

(11) ضد الآريوسيين 47:1

(12) ضد الآريوسيين 41:1

(13) ضد الآريوسيين 41:1

(14) ضد الآريوسيين 58:3

(15) ضد الآريوسيين 56:2

(16) ضد الآريوسيين 34:3

(17) راجع بما يختص بهذا الموضوع كتاب: (الكنيسة الأرثوذكسية: إيمان وعقيدة) لتيموثي وير، سلسلة (تعرف إلى كنيستك) رقم 11، منشورات النور

(18) ضد الآريوسيين 22:3.

(19) ضد الآريوسيين 25:3

(20) الطومس إلى أنطاكية 8

(21) من ترجمة الأب متى المسكين، في كتابه المذكور، ص 308- 310

(22) من ترجمة الأب متى المسكين، في كتابه المذكور، ص310- 311

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع