Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


* الحياة في المسيح

- (فإن الحياة الحقة هي .. الحياة التي يحياها الإنسان في المسيح). (رسالة فصحية 3:7)

- (لقد وعد الرب قائلاً: (أنا هو خبز الحياة. من يُقبل إليَّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلن يعطش أبداً) (يو 35:6) فإننا نحن أيضاً نستحق هذه الأمور إن كنا في كل حين نلتصق بمخلِّصنا.. وإن كنا ندوم بقربه ولا نبتعد منه أبداً قائلين له: (إلى من نذهب فإن عندك كلام الحياة الأبدية) (يو 68:6).. وهكذا إذ تقتات نفوسنا منه ههنا نشترك مع الملائكة في تلك المائدة السماوية الروحانية ولن نكون قارعين مرفوضين مثل الخمس عذارى الجاهلات بل بالحري ندخل مع الرب مثل الحكيمات اللواتي أحببن العريس، لأننا حينما نُظهر إماتة يسوع في أجسادنا فحينئذ ننال منه الحياة والملكوت !) (رسالة فصحية 10:9) {ترجمة الأب متى المسكين}.

- (فلننكر ذواتنا كلياً ونقدّم نفوسنا للرب كما فعل القديسون، فلا نعيش بعد لنفوسنا بل للرب الذي مات من أجلنا.. فإننا نتشبه بالقديسين حينما نعترف بذاك الذي مات من أجلن، فلا نعود نعيش لنفوسنا بل المسيح هو الذي يحيا فينا) (رسالة فصحية 3:5 و4) {ترجمة الأب متى المسكين}.

 * في سر الشكر

- (مأكل فائق سماوي.. طعام روحاني.. يناله كل واحد روحياً فيصير في الجميع حافظاً لقيامة الحياة الأبدية) (إلى سيرابيون 19:4) {ترجمة الأب متى المسكين}.

- (نحن نتأله باشتراكنا ليس في مجرد جسد إنسان بل بتناولنا من جسد الكلمة نفسه) (رسالة إلى مكسيموس 2:61) {ترجمة الأب متى المسكين}.

- (إننا نحن جميعاً إذ نتناول من الرب الواحد بعينه نصير جسداً واحداً إذ يكون لنا في أنفسنا الرب الواحد) (ضد الآريوسيين 22:3) {ترجمة الأب متى المسكين}.

- الإفخارستيا طعام سماوي.. لذلك علينا أن نستعد لكي نقترب من الحمل الإلهي) (رسالة فصحية 5:5) {ترجمة الأب متى المسكين}.

- (إننا نغتذي من (طعام الحياة) فبينما نعطش إليه على الدوام تتلذذ نفوسنا في كل حين إذ ترتوي من دمه الكريم كما من ينبوع) (رسالة فصحية 1:5) {ترجمة الأب متى المسكين}.

- (الذي يشترك في (الخبز الإلهي) يشتاق ويجوع دائماً إليه.. فجيّد للقديسين والذين يحبون الحياة في المسيح أن يُنهضوا نفوسهم بالاشتياق إلى هذا الطعام) (رسالة فصحية 6:7) {ترجمة الأب متى المسكين}.

- (إن المسيح فصحنا قد ذُبح لأجلنا) إذاً فليأكل منه كل واحد منا وليشترك بفرح واشتياق في هذا المأكل، فإن الرب يعطي نفسه بالتساوي للجميع ويصير في كل واحد (ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية) (رسالة فصحية14:11) {ترجمة الأب متى المسكين}.

- (يا إخوتي إن هذا الخبز لا يكون ههنا فقط طعاماً للأبرار، فليس القديسون على الأرض فقط يتذوقون هذا الخبز وهذا الدم بل إننا سنتناولهما أيضاً في السماء حيث يكون الرب نفسه هو طعام الأرواح العليا والملائكة، فهو الفرح الحقيقي لجميع الأرواح السماوية.. فمنذ الآن قد أعطانا الرب (خبز الملائكة) (مز 25:78).

وقد وعد الذين يصبرون معه في تجاربه قائلاً: (أنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتاً لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي..) (لو 29:22 و30). فيا لها من وليمة عظيمة يا إخوتي، وما أعظم توافق الذين يأكلون من المائدة السماوية وما أعظم تهليلهم ! لأنم يتلذذون ليس بالطعام البائد الذي يندفع إلى الخارج بل بالطعام الذي يعطي الحياة الأبدية. فمن يُحسب أهلاً لهذا المحفل ؟ ومن يسعد بأن يُدعى ويُحسب أهلاً لهذا العيد الإلهي ؟ بالحق (طوبى لمن يأكل خبزاً في ملكوت الله) (لو 15:14)) (رسالة فصحية 8:9) {ترجمة الأب متى المسكين}.

 * في معرفة المسيح والإيمان به

(أعتقد أنه يليق التحدث معك عن المسيح، يا من تحبه. وأنا واثق أنك تعتبر أن معرفة المسيح والإيمان به هما أثمن من كل شيء آخر) (ضد الآريوسيين، 1).

 * في الكتاب المقدس

- (إني أعتقد أن الأسفار المقدسة الملهمة كفيلة بحد ذاتها أن تُعلن الحق) (ضد الوثنيين، 1).

- (إن الأسفار المقدسة تكفينا عوضاً عن أي شيء آخر. لذلك أنصح الراغبين في مزيد من المعرفة.. أن يقرأوا كلمة الله) (الرسالة إلى أساقفة مصر، 4).

- (إن تعليم الحق يكون أدق ما يمكن حينما نستمده من الكتاب المقدس وليس من مصادر أخرى) (الدفاع عن قانون الإيمان النيقاوي 32).

- (اعكف على قراءة المزامير بحكمة وسيرشدك الروح إلى فهم معانيها وحينئذ تتمثل بحياة القديسين الذين كتبوا هذا السفر بإرشاد الله) (رسالة إلى مرسلينوس 33).

 * نصائح إلى الأساقفة

- (أهيب بكم أن تكونوا أمثلة للإخوة في كل مكان، أنتم الذين وضع تحت أيديكم اعتراف قد تحدد بواسطة نيقية.. علّموهم أننا الآن في معركة إزاء الحق في صراعه ضد الباطل، وأن مكايد العدو وحيله كثيرة متعددة. لكن برهان الشهداء لا يكون برفض التبخير للأصنام وحسب، أو برفض أية محاولة لإنكار الإيمان، إنما بشهادة ضمير صالح متوهج.. فإبراهيم لم ينل الإكليل لأنه تألم بالموت بل لأنه كان أميناً لله.. وعلينا أن نعتبر هذه الحقيقة: المعركة قائمة والاختبار أمامن، فإمّا أن نحفظ الإيمان أو ننكره. كما أنه علينا أن نحفظ ما تسلّمناه بجد وإخلاص في كل حياتن، أن يكون الاعتراف الذي رسم في نيقية أساساً لتعليمن، مبتعدين عن كل ما هو مستحدث، ومعلّمين الشعب أن لا يلتفت إلى الأرواح المضلّة) (الرسالة إلى أساقفة مصر، 21).

 * لا تسمحوا أن تُداس الكنيسة

- (إن أعضاء الكنيسة كلها ممزقة الآن بعضها عن بعض، وها نحن مرسلوها إليكم في أشخاص الكهنة والأساقفة المرسلين.. حاملين إليكم صورة الإهانات والإساءات التي حلّت بهم. عساكم تتحركون بالغيرة.. معتبرين أن هذه الإساءات إنما حدثت لكم.. عسى لو قدّم كل واحد منكم معونة كمن يشعر في نفسه بسعير الألم، لئلا تتلّوث الكنيسة في إيمانها وتُنتهك قوانينها. الآن الجميع في خطر إذا لم يتدارك الله الأمر بواسطتكم ويصلح بأيديكم ما فسد !.. أتوسل إليكم لا تستهينوا بهذه الحوادث، ولا تسمحوا أن تُداس كنيسة الإسكندرية العظيمة تحت أرجل الهراطقة !..) (الرسالة الدورية إلى الأساقفة 1، 7).

 * نحن مسيحيون نسبة إلى المسيح

(إن أتباع هذه الهرطقة (الآريوسيين) مجانين حقاً لأنهم حوّلوا اسم رب المجد إلى صورة ابن بشر فانية، وكبرهان أخير لجهلهم يستبدلون اسم (مسيحيين) باسم (آريوسيين)... أمّا عندنا فلم يتخذ قط الشعب اسمه من الأسقف، بل نتخذه من الله الذي نعبد. لا بدّ أن الرسل كانوا معلّمينا وخدام إنجيل السيد. لكننا لا نُسمّى بأسمائهم. نحن مسيحيون بالمسيح. هو الذي أعطانا لقبنا.. نحن أبناء المسيح وبهذه الصفة ندّعي أننا مسيحيون حسب تقليد الكنيسة المستمر..) (ضد الآريوسيين 1، 4).

 * في التقليد الشريف

(لنتأمل إذاً في تقليد الكنيسة الجامعة منذ البدء وتعاليمها وإيمانها التي أعطاها الرب وكرز بها الرسل وحفظها الآباء، على هذه تأسست الكنيسة، ومن يسقط من هذه لا يعتبر بل ولا يكون مسيحياً) (إلى سيرابيون 28:1) {ترجمة الأب متى المسكين}.

 * في البتولية

(لقد أعطانا ابن الله سيدنا ومخلّصنا يسوع المسيح الذي تجسّد من أجلن، غلب الموت وحرّر الجنس البشري من العبودية.. أن تكون لنا البتولية على الأرض صورة لقداسة الملائكة، لذلك تسمّي الكنيسة الجامعة اللواتي يتمتعن بتلك الفضيلة بخطيبات المسيح، وينظر الوثنيون إليهن كإلى هياكل للكلمة، لأن مثل هذه المؤسسة {أي مؤسسة البتولية، الرهبنة} موجودة فقط عند المسيحيين، وتشهد أننا نكرّم الله بالحقيقة في أوساطنا.. طعن بيلاطس في الماضي إحدى خواصر المخلص بحربة، أمّا (الآريوسيون).. فيمزّقون الخاصرتين لأن العذارى هن حقاً أعضاء المخلص) (الدفاع لدى الإمبراطور، 33).

 * في ضرورة حياة القداسة

(على أن تفتيش الكتب ومعرفتها الحقيقية يتطلبان حياة فاضلة، ونفساً طاهرة، والفضيلة التي بالمسيح. حتى إذا ما استرشد بها العقل وأنار بها طريقه استطاع أن يصل إلى ما يصبو إليه ويدركه حسبما تستطيع الطبيعة البشرية أن تتعلمه عن كلمة الله.

لأنه بدون الذهن النقي ومماثلة سيرة القديسين لا يستطيع الإنسان أن يدرك أقوال القديسين.

إذ كما أنه على من أراد أن يبصر نور الشمس أن يمسح عينيه ويجليهما مطهراً نفسه على مثال ما يبتغيه، حتى إذا ما استنارت العين استطاعت أن تبصر نور الشمس. أو كما أنه على من أراد أن يرى مدينة أو قرية أن يأتي إليها لكي يراه، هكذا أيضاً يجب على من يريد أن يدرك فكر الذين يتكلمون عن الله أن يبدأ بغسل وتنظيف نفسه، بتغيير مجرى حياته ويقترب إلى القديسين أنفسهم بالإقتداء بأعمالهم، حتى إذا ما اشترك معهم في السلوك في الحياة المشتركة استطاع أن يفهم هو أيضاً ما أعلنه الله لهم، ومن ثم – إذ يكون قد ارتبط ارتباطاً وثيقاً – ينجو من خطر الخطأة ونارهم في يوم الدينونة، وينال ما أعدّ للقديسين في ملكوت السموات، (ما لم ترعين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان) (1 كور 9:2) ما أعدّ للذين يعيشون حياة فاضلة، ويحبون الله والآب في المسيح يسوع ربن، الذي به ومعه يليق للآب نفسه مع الابن نفسه في الروح القدس الكرامة والقوة والمجد إلى أبد الآبدين، آمين) (الفصل السابع والخمسون (في التجسد)) {ترجمة القس مرقس داود، دار التأليف والنشر للكنيسة الأسقفية بالقاهرة، 1960}.

 * في الخلق

(لأنه معلوم أن الكائنات لم تُخلق من تلقاء ذاته، فإن خلقتها تستلزم وجود فكر سابق. كما أنها لم تخلق من مادة سبق وجوده، لأن الله ليس ضعيفاً. ولكن الله خلق الكون من العدم، ومن غير سبق وجوده مطلق، بكلمته، كما يقول (أولاً) على لسان موسى (في البدء خلق الله السموات والأرض) (تك 1:1) و (ثانياً) في الكتاب الجليل النفع الذي يسمع (الراعي {لمؤلفه (هرماس) أحد مؤلفي الأجيال المسيحية الأولى، راجع (الآباء الرسوليون)، منشورات النور}: (وقبل كل شيء آمن بأن الله واحد، الذي خلق وأتقن كل الكائنات، وأوجدها من العدم).

وإلى هذا يشير أيضاً بولس إذ يقول: (بالإيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله، حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر) (عب 4:11).

لأن الله صالح أو بالحري لا بد أن يكون هو مصدر الصلاح، والصالح لا يمكن أن يبخل بأي شيء، لذلك فإنه، إذ لا يضن بنعمة الوجود على أي شيء، خلق كل الأشياء من العدم بكلمته – يسوع المسيح ربنا - وفضلاً عن ذلك فإنه إذ أشفق بصفة خاصة على الجنس البشري دون سائر المخلوقات على الأرض، وإذ رأى ضعفه – بطبيعة تكوينه – عن أن يبقى في حال واحدة، منحه نعمة أخرى، فإنه لم يكتف بمجرد خلقته للإنسان كما فعل بباقي المخلوقات غير العاقلة على الأرض، بل خلقه على صورته ومثاله، وأعطاه نصيباً حتى في قوة (كلمته) لكي يستطيع، وله نوع من ظل (الكلمة) وقد خلق عاقل، أن يبقى في السعادة أبداً ويحيا الحياة الحقيقية، حياة القديسين في الفردوس.

ولكن لعلمه أيضاً أن إرادة الإنسان يمكن أن تميل إلى إحدى الجهتين {أي الخير والشر} سبق فدعم النعمة، المعطاة له، بالوصية التي قدمها إليه والمكان الذي أقامه فيه. لأنه أتى به إلى جنّته، وأعطاه وصية حتى إذا حفظ النعمة واستمر صالحاً استطاع أن يحتفظ بحياته في الفردوس بلا حزن ولا ألم ولا همّ، فضلاً عن موعد عدم الفساد في السماء. أمّا إذا تعدّى الوصية وارتدّ وأصبح شريراً فليعلم بأنه يجلب على نفسه الفساد بالموت الذي كان يستحقه بالطبيعة، وأنه لا يستحق الحياة في الفردوس بعد، بل يُطرد منه من ذلك الوقت لكي يموت ويبقى في الموت والفساد.

وهذا ما يحذرنا منه الكتاب المقدس قائلاً بفم الله: (من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً. وأمّا شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت (تك 16:2 و17). وماذا يعني بقوله: (موتاً تموت ؟). ليس المقصود مجرد الموت بل البقاء إلى الأبد في فساد الموت {ترجمة القس مرقس داود}. (الفصل الثالث من كتابه (في التجسد))

  * في السقوط

(فالله إذاً خلق الإنسان، وقصد أن يبقى في عدم فساد، أمّا البشر فإذا احتقروا أو رفضوا التأمل في الله، واخترعوا ودبّروا الشر لأنفسهم فقد استحقوا حكم الموت الذي سبق إنذارهم به، ومن ذلك الحين لم يبقوا بعد في الصورة التي خلقوا عليها بل فسدوا حسبما أرادوا لأنفسهم (جا 29:7، رو 21:1 و22) وساد عليهم الموت كملك (رو 14:5) لأن تعدَّيهم الوصية أعادهم إلى حالتهم الطبيعية، حتى أنهم كما نشأوا من العدم كذلك يجب أن لا يتوقعوا إلا الفساد الذي يؤدي إلى العدم مع توالي الزمن.

لأنهم إن كانوا بحضور (الكلمة) وتعطفه قد دُعوا إلى الوجود من الحالة الطبيعية الأولى وهي عدم الوجود، فإنهم بطبيعة الحال متى تجردوا من معرفة الله وعادوا إلى العدم {أو (إلى ما لا وجود له) ولعل أثناسيوس يقصد العدم جسدياً} (لأن كل ما هو شر فهو عدم وكل ما هو خير فهو كائن وموجود) ويجب أن تكون النتيجة بطبيعة الحال الحرمان إلى الأبد من الوجود طالما كانوا يستمدون وجودهم من الله الموجود. وبتعبير آخر يجب أن تكون النتيجة الانحلال، وبالتالي البقاء في حالة الموت والفساد.

لأن الإنسان إذ خُلق من العدم فإنه فانٍ بطبيعته، على أنه، بفضل خلقته على صورة الله الكائن، كان ممكناً أن ينجو من الفساد الطبيعي ويبقى في عدم فساد لو أنه احتفظ بتلك الصورة بإبقاء الله في معرفته، كما تقول الحكمة: (حفظ الشرائع تحقيق عدم البلى) (سفر الحكمة 19:6). ولكنه إذ كان في عدم فساد كان ممكناً أن يعيش كالله منذ ذلك الوقت، وإلى هذا يشير الكتاب المقدس على الأرجح عندما يقول: (أنا قلت إنكم آلهة وبنو العليّ كلكم. لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون) (مز6:82 و7).

لأن الله لم يكتف بأن يخلقنا من العدم، ولكنه أيضاً وهبنا مجان، بنعمة الكلمة، حياة منسجمة مع الله. ولكن البشر إذ رفضوا الأمور الأبدية، وتحوّلوا إلى الأمور الفاسدة بمشورة الشيطان، صاروا سبباً لفساد أنفسهم بالموت، لأنهم – كما ذكرت سابقاً – بالطبيعة فاسدون، ولكنهم تعيّنوا للخلاص من حالتهم الطبيعية – بنعمة اشتراكهم في (الكلمة) – إن استمروا صالحين.

ولأن (الكلمة) سكن فيهم، فحتى فسادهم الطبيعي لم يجسر أن يقترب منهم، كما تقول الحكمة أيضاً (لأن الله خلق الإنسان في عدم البلى {أو (خالداً) حسب ترجمة اليسوعيين} وصنعه على صورة أزليته، لكن بحسد إبليس (دخل الموت إلى العالم) (حكمة 23:2 و24). وعندما تم ذلك بدأ البشر يموتون، وساد عليهم الفساد من ذلك الوقت فصاعد، وصار له سلطان على الجنس البشري أكثر من سلطانه الطبيعي، لأنه أتى نتيجة تهديد الله في حال عصيان الوصية.

لأن البشر لم يقفوا عند حد معيّن حتى في سوء أفعالهم، بل تدرّجوا في الشر حتى تخطوا كل حدود، وأصبحوا يخترعون الشر ويتفننون فيه إلى أن جلبوا على أنفسهم الموت والفساد، وبعد ذلك إذ توغلوا في الرذيلة، ولم يقفوا عند شر واحد، بل راحوا يخترعون كل جديد من الشر، فقد أصبحت طبيعتهم مشبعة بالخطيئة.

فها هي خطيا الزنى والسرقة قد عمّت كل مكان، وامتلأت كل الأرض بخطايا القتل والنهب، وأصبح البشر لا يرعون حرمة للناموس، بل صاروا يرتكبون الجرائم في كل مكان، سواء كأفراد أو كجماعات. فالمدن اشتبكت في الحرب مع المدن، والأمم قامت ضد الأمم، وتمزقت كل الأرض بسبب المنازعات المدنية والحروب، وصار كل إنسان يتنافس مع أترابه في الأعمال القبيحة.

وأصبحوا لا يترفعون حتى عن الجرائم التي ضد الطبيعة، كما يقول عنهم رسول المسيح وشاهده: (لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الذكور أيضاً تاركين استعمال الأنثى الطبيعي اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكوراً بذكور ونائلين في أنفسهم جراء ضلالهم المحق) (رو 26:1 و27). (الفصل الرابع والفصل الخامس من (في التجسد)) {ترجمة القس مرقس داود}.

 * في التجسد

(ومرة أخرى نقول: أي طريق كان ممكناً أن يسلكه الله ؟ أيطلب من البشر التوبة عن تعدياتهم – وهذا قد يُرى لائقاً بالله – لعلهم كما ورثوا الفساد بسبب التعدي ينالون عدم الفساد بسبب التوبة ؟

ولكن التوبة (أولاً) لا تستطيع أن توفي مطلب الله العادل، لأنه إن لم يظل الإنسان في قبضة الموت يكون الله غير صادق. (ثانياً) تعجز عن أن تتغيّر طبيعة الإنسان لأن كل ما تفعله هو أنها تقف حائلاً بينه وبين ارتكاب الخطيئة.

ولو كان الأمر مجرد خطأ بسيط ارتكبه الإنسان ولم يتبعه الفساد فقد تكون التوبة كافية، أمّا الآن وقد علمنا أن الإنسان بمجرد التعدي انجرف في تيار الفساد الذي أصبح طبيعة له، وحُرم من تلك النعمة التي سبق أن أعطيت له وهي مماثله لصورة الله، فما هي الخطوة التالية التي كان يستلزمها الأمر ؟ أو من ذا الذي يستطيع أن يعيد إليه تلك النعمة ويرده إلى حالته الأولى إلا كلمة الله الذي خلق كل شيء من العدم في البدء ؟

لهذا كان أمام كلمة الله مرة أخرى أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد، وفي نفس الوقت أن يوفي مطلب الآب العادل المطالب به الجميع. وحيث أنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، فكان هو وحده الذي يليق بطبيعته أن يجدد خلقة كل شيء، وأن يتحمل الآلام عوضاً عن الجميع، وأن يكون نائباً {أو (شفيعاً) أو (سفيراً) كبعض الترجمات} عن الجميع لدى الآب.

لأجل ذلك نزل إلى عالمنا كلمة الله الخالي من الجسد والعديم الفساد وغير المادي مع أنه لم يكن عنّا ببعيد (1ع27:17). لأنه لم يترك شيئاً من البرايا خلواً منه إذ هو يملأ كل شيء في كل مكان، وفي نفس الوقت هو كائن مع أبيه. ولكنه تنازل وأتى إلينا لكي يعلن شفقته علينا ويفتقدنا.

وإذ رأى جنس الخليقة العاقلة في طريق الهلاك، وأن الموت يسودهم بالفساد، وإذ رأى أيضاً أن التهديد بالموت في حالة التعدي قد مكن الفساد من طبيعتن، وأنه لأمر شنيع أن ينحل الناموس قبل أن يتم، وإذ رأى أيضاً عدم لياقة الأمر الراهن وهو أن خليقته التي خلقتها يداه في طريق الفناء، وإذ رأى فوق هذا شر البشر المستطير وأنهم يتزايدون فيه شيئاً فشيئاً حتى أشرفوا على هوة سحيقة، وإذ رأى أخيراً أن كل البشر كانوا تحت قصاص الموت – لهذا أشفق على جنسن، وترفق بضعفن، ورثى لفسادنا. وإذ لم يحتمل أن يرى الموت تصير له السيادة لئلا تفنى به الخليقة وتذهب صنعة أبيه في البشر هباء، فقد أخذ لنفسه جسداً لا يختلف عن جسدنا.

لأنه لم يفكر في مجرد التجسد أو مجرد الظهور، وإلا فلو أنه أراد مجرد الظهور لاستطاع أن يتمم ظهوره الإلهي بطريقة أخرى أسمى وأفضل. ولكنه أخذ جسداً من جنسن، وليس ذلك وحسب بل من عذراء طاهرة بلا لوم ولم تعرف رجل، جسداً طاهراً وخالياً بالحق من زرع بشر. لأنه وهو القادر على كل شيء وباري كل شيء أعد الجسد في العذارء ليكون له هيكل، وجعله بالذات، واتخذه أداة يعلن ذاته فيها ويحلّ فيها.

وهكذا إذ أخذ من أجسادنا جسداً مماثلاً لطبيعته، وإذ كان الجميع تحت قصاص فساد الموت، فقد بذل جسده للموت عوضاً عن الجميع وقدمه للآب. كل هذا فعله شفقة منه علينا وذلك: (أولاً) لكي يبطل الناموس الذي كان يقضي بهلاك البشر، إذ مات الكل فيه، لأن سلطانه قد أكمل في جسد الرب ولا يعود ينشب أظفاره في البشر الذين ناب عنهم. (وثانياً) لكي يعيد البشر إلى عدم الفساد بعد أن عادوا إلى الفساد، ويحييهم من الموت بجسده وبنعمة القيامة وينقذهم من الموت {الترجمة الأصح (ويبيد الموت عنهم)} كإنقاذ القش {أو (القصب) كبعض الترجمات} من النار.

وإذ رأى (الكلمة) أن ناموس فساد البشرية لا يمكن إبطاله إلا بالموت كشرط لازم، وأنه مستحيل أن يتحمل (الكلمة) الموت لأنه غير مائت ولأنه ابن الآب، لهذا أخذ لنفسه جسد، قابلاً للموت، حتى باتحاده (بالكلمة) الذي هو فوق الكل جديراً أن يموت نيابة عن الكل، وحتى يبقى في عدم فساد بسبب الكلمة الذي أتى ليحل فيه، وحتى يتحرر الجميع من الفساد بنعمة القيامة من الأموات. وإذ قدم للموت ذلك الجسد، الذي أخذه لنفسه، كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة، فقد رفع حكم الموت فوراً عن جميع من ناب عنهم إذ قدم عوضاً عنهم جسداً مماثلاً لأجسادهم.

ولأن كلمة الله متعال فوق الكل، فقد لاق به بطبيعة الحال أن يوفي الدَين بموته وذلك بتقديم هيكله وآنيته البشرية لأجل حياة الجميع {أو (فداء عن الجميع)}. وإذ اتحد ابن الله عديم الفساد بالجميع بطبيعة مماثلة، فقد ألبس الجميع عدم الفساد، بطبيعة الحال، بوعد القيامة من الأموات. لأنه لم يعد ممكناً أن ينشب فساد الموت الفعلي أظفاره في البشر، وذلك بسبب (الكلمة) الذي جاء وحلَّ بينهم بجسده الواحد.

وكما أنه دخل ملك عظيم مدينة عظيمة، واتخذ إقامته في أحد بيوتها فإن هذه المدينة تتشح بالمجد والشرف، ولا يعود عدو أو لص ينزل إليها لإخضاعه، بل على العكس تعتبر مستحقة لكل عناية لأن الملك اتخذ مقره في بيت واحد من بيوته، كذلك كانت الحال مع ملك الكل.

فإنه إذ أتى إلى عالمنا واتخذ إقامته في جسد واحد من بين أترابه، فقد بطلت كل مؤامرة العدو ضد الجنس البشري منذ ذلك الحين، وزال عنهم فساد الموت الذي كان سائداً عليهم من قبل. لأنه لو لم يكن الرب، مخلص الجميع، ابن الله، قد جاء إلينا وحلَّ بيننا ليوفي غاية الموت {أو (ليضع حداً للموت)} لكان الجنس البشري قد هلك (الفصل السابع، الثامن والتاسع من (في التجسد)) {ترجمة القس مرقس داود}.

 * في ألوهة الابن

{من فصل في كلمة هومو وسيوس ، لهنري برسيغال، مذكور في مجموعة الشرع الكنسي، ص44، منشورات النور}

كاد الآباء في مجمع نيقية يعملون برأي بعض الأساقفة فلا يستعملون في تحديداتهم إلا العبارات الكتابية. ولكنهم بعد محاولات عديدة وجدوا أن العبارات هذه يمكن أن تفسر بما يضيع معناها. وقد وصف أثناسيوس بكثير من الحذق ما قرأه من أفكار البعض إذ كان يراهم يشيرون برؤوسهم ويغمزون بعيونهم كلما اقترح الأرثوذكسيون عبارات كانوا يرون أن لهم فيها مخرجاً من قيود معناها. وبعد محاولات عديدة من هذا النوع تبيّن لهم أنه لا غنى لهم عن إيجاد عبارات أوضح وأدق دلالة وخالية من كل غموض فيثبتها المجمع إذا كان القصد الوصول إلى وحدة حقيقية في الإيمان. وهكذا وضع المجمع كلمة (هومو وسيوس) باليونانية. وقد أوضح القديس أثناسيوس ما عنى بها المجمع كما يأتي:

(إن الابن ليس هو كالآب فحسب، ولكنه، وهو صورته، هو نفس الشيء الذي هو الآب، أمّا كونه من الآب ومشابهة الابن للآب وعدم إمكان تحوّله فهي غير ما لنا. إنها فينا أشياء نحصل عليها وننالها بإتمامنا الأوامر الإلهية. ثم إن الآباء أرادوا أن يدلوا بهذا على أن جيل الابن يختلف عن جيلن، عن طبيعتنا البشرية. وأن الابن هو كالآب وليس ذلك فحسب بل هو غير منفصل عن جوهر الآب. وأنه هو والآب واحد والجوهر هو ذاته كما قال الابن نفسه أن الكلمة هو دائماً في الآب، والآب هو دائماً في الكلمة. (آمنوا إني أنا في الآب وإن الآب فيَّ) (يو11:14) كما أن الشمس وبهاءها هما غير منفصلين أحدهما عن الآخر).

 * في التغيير الذي أتمه الصليب في علاقة الموت بالإنسان

فإن كان كل تلاميذ المسيح يحتقرون الموت، ويتحدّونه، ولا يعودون بعد يخشونه، بل بعلامة الصليب وبالإيمان بالمسيح يدوسونه كميت، كان هذا برهاناً غير يسير بل بالحري بيّنة واضحة على أن الموت قد أُبيد، وأن الصليب تغلّب عليه، وأنه لم يعد له سلطان بل مات موتاً حقيقياً.

فقديماً – قبل الظهور الإلهي للمخلص – كان الموت مرعباً حتى للقديسين {أنظر مز4:55، 47:89}، وكان الكل ينوحون على الأموات كأنهم هلكوا. أمّا الآن، وقد أقام المخلص جسده، فلم يعد الموت مرعباً بعد، لأن كل الذين يؤمنون بالمسيح يدوسونه كأنه لا شيء، ويفضلون أن يموتوا عن أن ينكروا إيمانهم بالمسيح. لأنهم يعلمون يقيناً أنهم عندما يموتون لا يهلكون بل يبدأون الحياة فعلاً ويصبحون عديمي الفساد بفضل القيامة.

أمّا ذلك الشيطان الذي بخبثه فرح بالموت قديم، فإنه الآن إذا انحلَّت أوجاعه قد بقي هو الوحيد الميت موتاً حقيقياً. والدليل على ذلك أنه قبل أن يؤمن البشر بالمسيح يرون الموت مفزعاً ومرعباً ويجبنون أمامه. لكنهم عندما ينتقلون إلى إيمان المسيح وتعاليمه فإنهم يحتقرون الموت احتقاراً عظيماً لدرجة أنهم يسارعون إليه ويصيرون شهوداً للقيامة التي انتصر بها المخلص عليه. وبينما تراهم لا يزالون في عنفوان الشباب إذا بهم يسارعون إلى الموت، لا الرجال فقط بل النساء أيض، ويمرّنون أنفسهم بأنظمة جسدية للجهاد ضده. ووصل الضعف بالشيطان حتى أن النساء أنفسهن اللواتي قد خدعهن قديماً يهزأن به الآن كميِّت ومنحل القوى.

وكما أنه عندما يُغلب الظالم أمام ملك حقيقي، وتوثق يداه ورجلاه يصبح هزأة لدى كل من يمرّ به ويُحتقر ويزدرى به ولا يعود أحد يخشى غضبه أو وحشيته بسبب الملك الذي ظفر به، كذلك الموت أيضاً إذ قهره المخلص وشهَّر به على الصليب وأوثق يديه ورجليه، فإن كل الذين هم في المسيح يدوسونه إذ يمرّون به، ويهزأون به شاهدين للمسيح، ويسخرون منه مرددين ما قيل عنه في القديم: (أين غلبتك يا موت، أين شوكتك يا هاوية) (1كو55:15، هو14:13) (الفصل السابع والعشرون من (في التجسد)) {ترجمة القس مرقس داود، دار التأليف والنشر للكنيسة الأسقفية بالقاهرة، 1960}.

 من رسائله القانونية الثلاث التي ذكرت  في القانون الأول للمجمعين المسكونيين الأول والسابع وفي القانون الثاني للمجمع المسكوني السادس (مجمع ترولو)

 خلاصة رسالته إلى الراهب عمون

إن الإمناء الليلي إذا حدث عن غير قصد لا يعد خطيئة إذ ما هي الخطيئة أو النجاسة في أي إفراز يحدث بحسب نواميس الطبيعة نفسها ؟ أليس من الجهل أن نحسب بروز الصملاخ من الأذن خطيئة ؟ ومثله البصاق يتفل من الفم والمخاط يعزل من الأنف ويمكننا أن نضيف إلى ذلك عدة أشياء يتضح منها أن البراز أمر حتمي في حياة الحيوان. وإذا كنا نعتقد أن الإنسان هو كما تعلّمنا من الكتاب المقدس صنع يد الله فكيف يمكن الافتراض بأن الضرورة تقضي عليه بالإقدام على عمل شيء نجس ؟ وما دمنا أبناء الله، كما يعلّمنا سفر أعمال الرسل، فليس فينا شيء غير نقي (1ع28:17- 29). وهكذا فالزواج غير نجس (بل هو طاهر) ولو كانت البتولية (وهي فضيلة ملائكية لا يمكن أن يسمو عليها شيء) تفضل على الزواج.

 خلاصة رسالته التاسعة والثلاثين

بما أن المبتدعين يستشهدون بكتابات غير قانونية وبدأ ذلك حتى في العصر الذي كتب فيه القديس لوقا بشارته لذلك رأيت أنه يحسن أن أعدد الأسفار التي استلمناها حسب التقليد الشريف إنها الكتب القانونية التي نؤمن أنها كتبت بوحي إلهي. ففي العهد القديم اثنان وعشرون سفراً وهي التكوين والخروج واللاويين والعدد وتثنية الاشتراع ثم يشوع والقضاة وراعوث والملوك الأربعة في سفرين، وأخبار الأيام الأول والثاني في سفر واحد، ثم عزرا الأول والثاني (أي عزرا ونحميا) ثم المزامير والأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد فأيوب وكتب الأنبياء الاثني عشر وتعد سفراً واحداً، ثم نبوءات أشعياء وإرمياء مع رسالة باروخ والمراثي وحزقيال ودانيال.

وهذه هي أسفار العهد الجديد (وهنا يعددها خاتماً إياها بسفر الرؤيا ليوحنا).

هذه هي ينابيع الخلاص ومن يعطش يستطيع أن يرتوي بما فيها من بلاغة، وفي هذه الأسفار وحدها بشارة الخلاص وعقيدة حسن العبادة، فلا يتطاولن أحد فيضيف إليها أو يطرح منها شيئاً.

ولزيادة التدقيق أقول إنه توجد أيضاً بضعة كتب لم تذكر في نطاق هذا القانون، وقد أوصى الآباء بأن يطالعها المنضمون حديثاً إلى الكنيسة والراغبون في أن يتدربوا في حسن العبادة وهي حكمة سليمان وحكمة سيراخ وأسفار أستير ويهوديت وطوبيا وتعليم الرسل والراعي. أمّا كتب المبتدعين غير القانونية فلا تجوز قراءة شيء منها.

 خلاصة رسالته إلى أورفيانوس، وهي رسالته الـ 45

إن المجمع الذي عقد في بلاد اليونان وشمل الذين في اسبانية وفرنسة قد حدد أن الذين سقطوا أو الذين كانوا زعماء الضلال (الآريوسي) يعفى عنهم إذا تابوا ولكن لا يسمح لهم أن يتقدموا إلى الرتب الإكليريكية. أمّا الذين لم يجحدوا ديانة حسن العبادة ولكنهم انفصلوا قهراً واضطراراً فرأى المجمع أن يصفح عنهم وأن يبقوا في رتبهم الإكليريكية، ولا سيما وأنهم قدّموا في دفاعهم عن أنفسهم عذراً مقبولاً وأعطوا تأمينات بأنهم لن يتحوّلوا بعد عن الإيمان القويم. أمّا الشعب الذي خُدع أو أُرغم على الانفصال فليصفح عنه إذا تاب ولفظ اللعنة جهاراً على افذوكسيوس وأوزيوس زعيمي الآريوسيين الذين يقولون بأن المسيح مخلوق ويجب أن يبسلوا أيضاً ذلك الإيمان الباطل بعد أن يعلنوا اعترافهم بإيمان الآباء في مجمع نيقية.

 من تعاليم أنطونيوس الكبير بقلم أثناسيوس

{ترجمة الأب ميشال نجم، سيرة أنطونيوس الكبير، منشورات معهد القديس يوحنا الدمشقي، البلمند}.

- (إن هذه الأرض تبدو صغيرة بمقارنتها مع السماء، لذا لو اتفق أن كنا أسياد الأرض وعزمنا على نكران هذه السيادة فهذا لا يتساوى مع أي شيء في ملكوت السماوات. هذا النكران هو كمن يزدري درهماً نحاسياً حتى يربح مئة درهم ذهبي. فإذا كانت الأرض كلها لا تساوي شيئاً بالنسبة إلى السماء، فالذي يترك بعض الحقول لا يكون قد ترك شيئاً. إذا ما تركتم بيتاً أو ذهباً كثيراً فلا تفتخروا ولا تحزنوا. وإذا لم ننكر كل شيء من أجل الفضيلة، فإننا سنتركها حتماً عند الموت والأرجح إلى أناس لا نريدهم كما يذكر كاتب سفر الجامعة (أنظر الجامعة 8:4). إذاً لماذا لا ننكر كل هذه الأمور من أجل الفضيلة والملكوت ؟ لا نظهرن رغبة بالحصول على النعم المادية. إذ ما الفائدة من الحصول على أمور لن نستطيع أن نأخذها معنا ؟ فلماذا لا نجتهد في الحصول على الأمور التي سنأخذها معنا وهي التعقل والبر والعفة والرجولة والحصافة والمحبة والرحمة والإيمان بالمسيح والوداعة ومحبة الغرباء ؟ إذا ما نجحنا في اكتسابها فإنها ستسبقنا إلى الحياة الثانية حيث ستهيئ لنا ترحيباً في أرض الودعاء) (17).

- (لكي لا نقع في التهامل من الحسن أن نتذكر قول الرسول (إنني أموت كل يوم). إذا ما عشنا كل يوم بحس الموت فإننا لن نخطئ. عند نهوضنا من النوم في كل صباح فلنفكر بأننا لن نعيش حتى المساء وعند انطلاقنا إلى النوم فلنفكر بأننا لن ننهض، لأن حياتنا مجهولة. وإذا سيطرت هذه المشاعر علينا وعشنا على هذا المنوال لن نقع في الخطيئة ولن تعترينا رغبة شريرة. إذ بانتظارنا اليومي للموت لن نكنز كنوزاً على الأرض مسامحين الجميع بكل ما أساؤوا إلينا) (19).

- (إن الفضيلة تكتسب عندما تتوق النفس من طبيعتها إلى الروحيات. هذا التوق يتم عندما تبقى النفس كما خلقت جميلة ومستقيمة. لذلك قال يشوع بن نون إلى الشعب عندما أعطاه الرب الوعود (قوّموا قلوبكم في طريق الرب إله إسرائيل) (يشوع23:24) ويوحنا قال (اصنعوا طرقكم مستقيمة) (متى 3:3).

النفس مستقيمة بطبيعتها، أمّا انحرافها فيعود إلى الفساد الحاصل في طبيعتها، وهذا ما يسمّى بشر النفس. ليس الأمر عسيراً، لأننا إذا بقينا كما خلقنا الرب فسنكون في الفضيلة أمّا إذا فكرنا في الشر فسيحكم علينا كأشرار. إن اكتساب الفضيلة سيكون صعباً عندما نبحث عنه خارج أنفسنا. فلندع ذواتنا عند الرب وكأننا قد تسلمنا الوديعة من الرب نفسه حتى تعرف النفس من خلقها وحتى تكون كما خلقها) (20).

_ (إذا ما رأى الشيطان أن المسيحيين عامة والرهبان خاصة يتقدمون روحياً يسعى في تجربتهم ناصباً لهم عثاراً في الطريق، أي أفكاراً شريرة. فلا تخافوا من هجماتهم، لأنهم يهزمون بالصلوات والأصوام. لكنهم لا يتوقفون عن الهجوم بل يقتربون من جديد بغش وخبث. فعندما لا يستطيعون إثارة شهوة دنسة في الفكر يلجأون إلى أسلوب آخر مثيرين في الفكر تخيلات دنسة... لا نرتعب من هذه التخيلات، لأنها ليست بشيء وتختفي بسرعة، عندما يحمي المرء نفسه بالإيمان وبإشارة الصليب) (23).

- (يجب.. أن نخاف الله وحده وأن نحتقر الشياطين بلا خوف... لأن السلاح الكبير ضد الشياطين هو ثبات الحياة والإيمان بالله. فهي تخاف صوم النساك وسهرهم وصلواتهم ووداعتهم وسكينتهم وعدم محبتهم للفضة وكرههم للمجد الباطل، واتضاعهم ومحبتهم للفقراء وإحساناتهم وعدم غضبهم وقبل كل شيء إيمانهم بالمسيح) (30).

- (لا نفتخر بأننا نطرد الشياطين ولا نتبجح بأننا نشفي المرضى، ولا نعجب بمن يملك سلطان طرد الشياطين ولا نحتقر من لا يملك هذا السلطان. لكن ليعرف كل منا نسك الآخر كي يقتدي به وينافسه أو كي يصلحه. لأن فعل العجائب ليس منّا بل من المخلص. فالرب قد قال لتلاميذه (لكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالحري أن أسماءكم قد كتبت في السماوات) (لوقا20:10). لأن كتابة أسمائنا في السماوات إشارة إلى فضيلة حياتنا، بيد أن طرد الشياطين موهبة معطاة من لدن الرب.. وكما قلت آنفاً ينبغي أن نصلّي على الدوام كي نكتسب موهبة تمييز الأرواح، كي – كما كُتب – (لا نصدق كل روح) (1يوحنا 1:4) (38).

 * في الروح القدس

- (به تكمل معرفتنا بالله ويتم طقس الانضمام إلى الكنيسة (المعمودية والميرون)) (إلى سيرابيون 6:1).

- (وحينما نختم بالروح القدس نصير شركاء الطبيعة الإلهية.. وهكذا تصبح الخليقة الجديدة شريكة الكلمة في الروح القدس) (إلى سيرابيون 23:1).

- (إن الكتاب المقدس يستعمل مفاهيم الصورة والشعاع والنور والينبوع والنهر.. لكي يسهّل علينا التعبير عن هذه الحقائق الفائقة ولكي نؤمن أنه لا يوجد إلا تقديس واحد للنفس وهو الذي يأتي من الآب بالابن في الروح القدس) (إلى سيرابيون 20:1).

- (حينما يكون الروح فينا يكون الكلمة – الذي يمنح الروح هو أيضاً فينا، وفي الكلمة يكون الآب نفسه) (إلى سيرابيون 30:1).

- (تجسد الله لكي يصبح الإنسان حاملاً للروح).

- (بدون الروح نبقى غرباء عن الله وبعيدين عنه) (ضد الآريوسيين 3).

 * في الثالوث القدوس

- (وإن كانت توجد في الثالوث هذه المساواة وهذا الاتحاد فمن الذي يستطيع أن يفصل الابن عن الآب ؟ أو يفصل الروح القدس عن الابن ؟ أو عن الآب نفسه...) (الرسالة إلى سيرابيون 20:1).

- (إن هناك ثالوثاً مقدساً وكاملاً ومعترفاً به أنه الله الآب والابن والروح القدس، لا يتكوّن من واحد يخلق وآخر يبدع بل الكل يخلقون. وهو متساوٍ، وفي الطبيعة غير قابل للتجزئة، ونشاطه واحد: الآب يعمل كل شيء بالكلمة في الروح القدس، وهكذا تُحفظ الوحدة في الثالوث المقدس، وهكذا يُنادى بإله واحد في الكنيسة (الذي على الكل وبالكل وفي الكل). (فعلى) الكل كآب، (وبالكل) أي بالكلمة و (في الكل) أي في الروح القدس، هو ثالوث ليس فقط بالاسم وبالكلام بل بالحق والفعل، لأنه كما أن الآب واحد وإله على الكل هكذا أيضاً كلمته واحد وإله على الكل، والروح القدس ليس بدون وجود فعلي بل هو كائن وله وجود فعلي) (إلى سيرابيون 28:1).

- (نحن نمتد بالوحدة غير المنقسمة إلى الثالوث ثم نركّز على الثالوث غير المفترق لنبلغ الوحدة).

 * في التألّه

- (فإذا كان الله قد أرسل ابنه مولداً من امرأة، فهذه الحقيقة لا تخجلنا، بل على النقيض تعطينا مجداً ونعمة عظمى لأنه صار إنساناً حتى يستطيع أن يؤلهنا في ذاته، ووُلد من عذراء حتى يأخذ على نفسه خطأ جنسنا حتى نصير نحن من الآن فصاعداً جنساً مختاراً و (شركاء في الطبيعة الإلهية) كما يقول المغبوط بطرس (2بطر9:1) (الرسالة إلى اديلفيوس 4).

- (إن الآب بواسطة الابن يؤلّه ويضيء الجميع...) (في المجامع 51).

- (ولكن ليس بحسب الطبيعة نكون أبناء الله، بل بسبب الابن الوحيد الذي يكون فينا، وكذلك أيضاً الآب لا يكون أباً بحسب الطبيعة، بل لأنه أب للكلمة الذي يكون فينا، الذي به نصرخ يا أبا الآب. وهكذا الآب لا يدعو أبناء له إلاّ الذين يرى فيهم ابنه الوحيد) (ضد الآريوسيين2:59).

- (لقد لبس جسداً مخلوقاً مكملاً، حتى فيه نصير قادرين أن نتجدد ونتألّه) (ضد الآريوسيين 47:2).

- (إن ابن الله صار إنساناً لكي يصير بنو البشر أبناء الله) (ضد الآريوسيين 39:1).

جمعها ريمون رزق

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع