Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


القديس إينوكنديوس رسول ألاسكانشأته (*)

وُلد القديس (الطاهر) في السادس والعشرين من شهر آب سنة 1797 في قرية أنجا من أعمال سيبيريا في مقاطعة إركوتسك. كان ابناً (لقندلفت) كنيسة النبي الياس وأعطي له عند ولادته شفيعاً، يوحنا الرحوم، بطريرك القسطنطينية. كان والده يُدعى افسابيوس وأمه تقلا. أمّا عمّه فكان شماساً إنجيلياً وميكانيكياً يعمل في صنع وتصليح الساعات.

تعلّم القديس القراءة والكتابة كي يخدم الكنيسة بما أنه كان وريث عائلة تخدم الكنيسة، وذلك حسب العادات المتبعة. بدأ يتعلَّم في المنزل ويقرأ المزامير وهو في عمر الخامسة.

مات والده في شهر آب سنة 1803 عن عمر يناهز الأربعين سنة، تاركاً وراءه امرأته الحامل، يوحنا وأختاه. عمّه الشماس أخذ يوحنا على عاتقه، فعاش معه وتابع تحصيله العلمي بالإضافة على الأعمال اليدويّة. وكان يقرأ (الرسالة) في القداس الإلهي وهو في عمر الثامنة.

في عمر التاسعة والنصف ترك قريته قاصداً (أركوتسك) التي كانت مركزاً صناعياً وتجارياً في المنطقة، حيث دخل المدرسة الاكليريكية. كما انتقل في الوقت ذاته عمّه إلى تلك المدينة، حيث سيم كاهناً وتابع الاهتمام بيوحنا. أخذ دروساً في قراءة وكتابة وتعلّم اللغة السلافونية التي كانت لغة الكنيسة في الترتيل والعقيدة. أما في تعلّم اللغة اللاتينية فكان يوحنا تلميذاً مجتهداً بدرجة (جيد جداً)، و (متفوِّق) و (ممتاز).

في عام 1814 عُيِّن الأرشمندريت بولس نكراسوف مديراً للمدرسة مدخلاً عليها الكثير من التحسينات... كذلك غيرَّ أسماء تلاميذه فصار اسم يوحنا، (بوبوف) (أي مثل خوري) يوحنا فيينامينوف.

وكان يوحنا شاباً نشيطاً، قوي البنية وذا صحة جيّدة، يدرس جيداً، يخدم في الكنيسة ويهتم بحرفته في صنع وتصليح الساعات ويقرأ كثيراً.

في عام 1817 وفي التاسع والعشرين من شهر نيسان تزوَّج يوحنا من ابنة كاهن محليّ تُدعى كاترينا.

وفي الثالث عشر من شهر أيار رُسم شماساً وعُيِّن خادماً في كنيسة البشارة في (إركوتسك)، بينما استمر في تحصيل علومه. تخرّج عام 1818 متفوِّقاً في قواعد اللغة الروسية والموسيقى والتاريخ والجغرافيا والشعر اللاتيني والروسي وكذلك في علم الكلام والفلسفة واللاهوت إضافة إلى اللغة الألمانية واليونانية. على أثر ذلك طُلب منه تعليم الموسيقى في مدرسة الرعيّة. رُسم كاهناً في الثامن عشر من شهر أيار عام 1821 وكان كاهناً نشيطاً جداً، أوجد مدارس أحد لتعليم الأطفال الدين المسيحي كل نهار أحد قبل القداس، واكتسب احترام وحب أبناء رعيته في وقت قصير جداً.

أيضاً كان يصنع الساعات والآلات الموسيقية الصغيرة.

القديس إينوكنديوس رسول ألاسكاسفره إلى أمريكا

عام 1823 طلب المجمع المقدس من مطران (إركوتسك) أن يؤمِّن كاهناً لخدمة الجالية الروسية في جزيرة أونالاسكا في أمريكا. لأن إركوتسك كانت مركزاً للعمل التبشيري كما كانت مسؤولة عن تنصير القبائل المحلِّية وتعريفها وتبشيرها بالدين المسيحي. حاول المطران أن يقنع أحد كهنة رعيته الذهاب إلى أمريكا، لكن الكل رفض التوجّه إلى ذلك المكان البعيد.

في تلك الأثناء قدم إلى إركوتسك تاجر يُدعى (يوحنا كيريوكوف)، وكان قد عاش مدة أربعين سنة مع (الشعب الأليوثي). وطلب أن يكون ابناً روحياً للأب يوحنا. لذلك صار للأب يوحنا الحظ في أن يستمع إلى غرائب القصص عن تلك البلاد البعيدة وعادات شعبها. وسعى التاجر إلى إقناع الأب يوحنا بالذهاب إلى تلك البلاد، مرّات متعددة بدون جدوى... وروى الأب يوحنا قائلاً: (التقيت بالتاجر مرّة في المطرانية وكان آتياً ليودّع المطران قبل سفره، وكنت هناك صدفة، بل كانت تلك هي المرّة الأولى التي أدخل فيها غرفة المطران... وعاد التاجر كيريوكوف فكرَّر قائلاً عن تعلّق أهل تلك البلاد البعيدة – الألوثيين بالصلاة – وبسماع الكلمة المقدسة، كلمة الرب... فجأة تحركت نفسي، وكأنّي أسمع هذا الكلام المكرّر على سماعي مئات المرّات، للمرّة الأولى. فنظرت إليه وقلت: ليكن اسم الرب مباركاً. وشعرت بلهفة عظيمة لرؤية ذاك الشعب... وحتى اليوم أتذكر لهفتي في انتظار رجوع المطران حتى أخبره بعزمي الذهاب إلى الألوثيين... وكم كانت دهشته كبيرة حين أخبرته وقال لي باستغراب سنرى).

بعد فترة قبل المطران طلب الأب يوحنا وسمح له بالذهاب. فركض عائداً إلى بيته وحمل ابنه الطفل مقبِّلاً وقائلاً: (أتعرف أي أرض ستطأ قدماك ؟) لم يكن أفراد عائلته متحمسين للذهاب إلى تلك البلاد البعيدة... ولم يستمع الأب يوحنا إلى اعتراضاتهم إذ كان قراره نهائياً وكان على يقين بأن (السيّد يقود الإنسان بأمان في الطريق الذي يسلكه وأن أي خادم من خدامه في الكنيسة ليس إلاّ أداة في يده...). وفي الربيع حمل يوحنا الأواني الكنسية وألبسته الكهنوتية والكتب الطقسية إلى ظهر باخرة تستعد للإقلاع إلى أمريكا وسافر مع أمه وامرأته وابنه إلى تلك البلاد البعيدة....

كذلك اصطحب معه أخاه المرتِّل البالغ من العمر تسع عشرة سنة كما سلّمه المطران (انثيمانسيين)، واحد لكنيسة أونالاسكا والثاني (خاص) بالأب يوحنا لاستعماله أثناء سفره مما يسمح له إقامة القداس الإلهي في أي مكان لا توجد فيه كنيسة.

بعد إتمام التحضيرات الكثيرة ابتدأت الرحلة الطويلة في السابع من شهر أيار عام 1823.

القسم الأول من الرحلة كان قصيراً إذ ذهب الجمع بالعربة إلى قرية (أنجا) حيث صلّوا في كنيسة النبي الياس طالبين أن يكون سفرهم سهلاً سليماً وأن يسكب الله عليهم نعمه ويكلِّل حياتهم الجديدة بالبركات.

من (أنجا) انتقلوا إلى مدينة ياكوتسك التي تبعد ألفين وأربعماية كلم. بعربات زلاّجة على النهر الأكبر في سيبيريا، (لينا) وكان السفر مريحاً، لكنهم اضطروا عند وصولهم إلى ياكوتسك أن يقطعوا الغابات الشاسعة والخطرة جداً على ظهور الأحصنة، كما مرّوا بالمستنقعات وبالجبال المكسوّة بالثلوج فقطعوا ما يقارب الألف ومئة كلم. حتى وصلوا إلى شاطئ البحر في (اوكهوتسك)، على المحيط الهادي. وكانت اكهوتسك مدينة كبيرة ومريحة وعدد سكانها يقارب الألف وخمسمائة نسمة.

في اليوم الثلاثين من شهر آب عام 1823 أبحرت السفينة باتجاه الجزر الكوريلية وفي عشرين من شهر تشرين الأول من العام نفسه وصل الأب يوحنا وصحبه إلى (سيتكا) عاصمة المستعمرة الروسية هناك.

القديس إينوكنديوس رسول ألاسكاسكناه في سيتك

بما أن رداءة الطقس لم تسمح للأب يوحنا وصحبه بمتابعة السفر لذلك بقوا في سيتكا، وبدأ الأب يوحنا بتعليم الأطفال الكتاب المقدس بعد موافقة المدير العام للشركة الروسية الأمريكية والذي كان يرعى الجالية هناك... وكان يعطي للصبية ساعتين يوم الأربعاء وللفتيات ساعتين نهار الجمعة في مدرستهم. كذلك دعا الأب يوحنا كل الذين يريدون الحضور إلى الكنيسة ساعة قبل إقامة القداس الإلهي لقراءة الإنجيل عليهم باللغة السلافونية وتفسيره باللغة الروسيّة وكان يستنتج المواقف الأخلاقية من الإنجيل في وعظه ومن ثم يفتح المجال لطرح الأسئلة والإجابة عليها.

بهذا العمل يكون الأب يوحنا أول من أسّس (مدراس الأحد) في أنحاء العالم... وفي تلك الأثناء طلب الأب يوحنا تعلّم اللغة الأليوسية فأمّن له المدير العام معلِّماً باشر بتعليمه تلك اللغة.

بعد أشهر رُزقت زوجته بطفلة سمّاها (كاترينا)، وبقوا هناك فترة قبل تمكنهم من السفر شغلها الأب يوحنا عدا التعليم والتعلّم بقراءة الكتب الموجودة في مكتبة الشركة العامة، فلسفية كانت أم لاهوتية، كما طلب من القيّمين عليها إرسال بعض الكتب الصادرة حديثاً إليه في يونالاسكا.

ويحسن هنا تدوين ما كتبه الأب يوحنا إلى المدير العام قبل مغادرته (سيتكا) إلى (يونالاسكا) حول رفضه هدايا السكان المحلّيين من الفرو:

(إنني أرفض قبول هدايا الأليوسيين من مال وفرو أو أي شيء آخر، لأن هدايا كهذه... يمكن أن تضعف في أعين السكان المحلّيين قوّة وقداسة الرسالة التي أنقلها، كما أظن أن تعليماً بسيطاً وصادقاً للإنجيل من قبل خادم الرب والكنيسة يكون له أثر أكبر في نفوس وقلوب المهتدين حديثاً إلى المسيحيّة الإنجيلية الحيّة المعاشة) ...

وفي الأول من شهر أيلول استقل الأب يوحنا وعائلته باخرة صغيرة وترك (سيتكا) متّجهاً إلى مركز عمله الجديد المحدد له في (يونالاسكا).

وصوله إلى الآلاسكا وبدء الخدمة

وصل الأب يوحنا وعائلته إلى (ايلييوليوك) وكانت أكبر مستعمرة في الجزيرة في أواخر أيلول. وأقام الأب يوحنا أول قداس له هناك باكراً. ودوّن في مفكرته: (لأول مرّة منذ ميلاد المسيح، أو بالأحرى منذ خلق العالم يُقام القداس الإلهي هنا !).

أول خطة وضعها الأب يوحنا لبدء عمله الرعائي كانت تحتوي على الأولويات التالية:

- زيارة كل أبناء الرعية.

- بناء مركز للاجتماع وسماع كلمة الرب فيه.

- متابعة تحصيله اللغة المحليّة لكي يتمكن من الوعظ.

وقد استحصل الأب يوحنا من السلطات المحلّية على لائحة بأسماء كل سكان القرى المحيطة مع معلومات مفصّلة عنهم ومن منهم اقتبل المعمودية ومن لم يقتبلها بعد. وكانت بعض تلك القرى بعيدة عن ايلييوليوك ولم يكن بالإمكان الوصول إليها قبل انتهاء فصل الشتاء.

بدأ الأب يوحنا بالعمل في العاصمة حيث كان كل السكان قد اعتمدوا على يد علمانيين. بالتالي كان لا بد له من مسحهم بالميرون. كذلك كان عليه إعادة تزويج كل الأزواج في الكنيسة لأنهم كانوا قد تزوّجوا زواجاّ مدنياً لعدم وجود الكاهن. كما كان يستمع إلى اعترافات كل الأشخاص قبل المناولة. وقد أمضى الأب يوحنا كل أشهر الشتاء بتهيئة شعبه اقتبال هذه الأسرار.

وكانت عادته ألاّ يقبل أي إنسان إلى سرٍّ كنسي قبل الشرح له بتدقيق ماهية السرّ والتأكد من أنه فهمه جيداً... وكان هذا العمل ضرورياً في بلاد حيث سكانها على قسط وافر من الجهل... وكان الأب يوحنا يكلِّمهم عن الله ويعرِّفهم به بعبارات بسيطة وسهلة. ويحدِّثهم عن الخطيئة وعن ضرورة التوبة والاعتراف والصلاة كوسائل أساسية للمصالحة مع الله... وكانت هذه بشارته اليومية للذين يتحلّقون حوله في الكنيسة الصغيرة.

وسريعاً ما جابهته المشكلات الثلاثة التالية:

- عدم وجود مدرسة في المدينة... لذلك قرَّر بناء واحدة كي يستطيع تدريس الأولاد التعليم الديني.

- الكنيسة الصغيرة كانت بحالة يُرثى لها وكانت بحاجة إلى ترميم وتدعيم وتوسيع.

- الاستعانة بأحد الرجال الروس (يوحنا بانكوف) لتعليمه اللغة المحلِّية.

خصائص الشعب الأليوثي

كان شعب الجزر الأليوثية يتميَّز بالصفات التالية:

- الكسل وعدم الاكتراث كلِّية بالمستقبل.

- الجبن.

- الصبر إلى درجة اللاشعور وكتب الأب يوحنا: (أي وضع مهما تعقَّد وصعب لا يدفع الأليوثي إلى التذمّر).

- الكرم والضيافة.

- كذلك فقد اكتشف الأب يوحنا، أن الأليوثي إذا تحمَّس فإنه بإمكانه الوصول إلى الدقة والمهارة في أصعب الحِرَف.

- عدم وجود الغش والسرقة واكذب عند ذلك الشعب والتي هي خطايا العالم المتدِّن.

- أمّا ديانتهم فكانت قديمة وتشبه (الشامانية) وكانت آنذاك شائعة في كل سيبيريا وفي كمتشاكا... إذ كانوا يعتقدون بوجود خالق لكل الأشياء المنظورة وغير المنظورة. لكنهم لم يقدِّموا له أية عبادة. أمّا عبادتهم وتكريمهم فكانوا يقدِّمونها لكل قوة مرئية تفوق قواهم مثل الشمس والقمر والنجوم... ولم يكن عندهم أية هياكل لعبادة الأوثان لكنهم كانوا يقدّمون الفرو (للأشياء) التي كانوا يعبدونها، في مغاور بعيدة على حفافي الجبال. وكان (الشامان) أو الكاهن يحتل مركز الصدارة في حياتهم وفي مجتمعهم.

أمّا أخلاقيات الشعب الأليوسي فكانت تتمحور حول الأمور التالية:

- الاهتمام بالأهل في شيخوختهم.

- الاستفادة من نصائح الشيوخ.

- مساعدة الأقرباء في الصيد والحرب.

- مساعدة الفقراء وحسن الضيافة.

- الإقلال من الكلام.

- تعليم الأطفال اللطف ومحبة القيَم وضرورة الوصول إلى المجد في هذه الحياة.

- كان يحرّم عليهم ضرب أو شتم أيٍ كان إلاَّ في حالة الحرب.

- تحريم السرقة، الكذب، الإنجاب خارج الزواج علماً أنه كان يُسمح لهم مبدئياً بتعدّد الزوجات والعيش مع الجواري بدون زواج. لكن هذه العادات لم تكن تمارس كثيراً في أيام الأب يوحنا لأسباب اقتصادية.

القديس إينوكنديوس رسول ألاسكاالزيارة الرعائية الأولى

بعد أن عيّد الفصح لأول مرّة في الجزيرة في التاسع والعشرين من آذار سنة 1825، بدأ الأب يوحنا بالتحضير لزيارة القسم الغربي من رعيّته، فباشر رحلته يوم الثالث عشر من نيسان في "كياك" (1)، وإذ لم يكن قد وصل بعد إلى الناحية الشمالية من الجزيرة، حتى شبّت عاصفة ثلجية كبيرة، فاضطر للعودة إلى الشاطئ حيث قضى وصحبه ثلاثة أيام بانتظار سكون العاصفة.

هذه الحادثة سمحت للأب يوحنا بمعرفة وتقدير صبر الشعب الأليوثي. وفي اليوم الرابع أبحر وصحبه، لكنهم عادوا بعد الإبحار ما يقارب الأربعين كيلومتراً إلى الشاطئ. واستمر الوضع هكذا بين سعي ورجوع حتى عيل صبر الأب يوحنا وقرّر متابعة السفر سيراً على الأقدام لزيادة قرية (ماكوشين). وقد استمر سيرهم يوماً كاملاً عبر جبال وعرة مغطاة بالثلوج. بعد وصوله مكث الأب هناك أربعة أيام (مميرناً) الأطفال معرِّفاً ومناولاً الجميع ومزوّجاً في الكنيسة كل من كان قد تزوّج مدنياً لعدم وجود الكاهن... ثم رجع وصحبه مشياً إلى الشاطئ حيث تركوا مراكبهم. فأبحروا وبعد يوم كامل وصلوا إلى القرية الثانية (كاشيفا) حيث مكثوا ثلاثة أيام أمضاها الأب يوحنا بإقامة القداديس الإلهية وبالوعظ... وكان يقيم القداس الإلهي في خيمة كبيرة ينصبها له صحبه أينما حلَّ، وكانوا يحملونها معهم مع الأواني الكنسية الأخرى الضرورية. واستمرت جولته حتى عاد في التاسع عشر من شهر أيار فوصل قريته ومنزله عشية العنصرة. فذهب توَّاً إلى الكنيسة وترأس (سهرانية) طويلة وخدم القداس الإلهي وصلاة السجدة التي تتلو القداس في الغروب.

كتب على أثر ذلك إلى مطرانه قائلاً: (بغبطة روحية يشرِّفني إخبار سيادتكم أن كلامي (الذي ليس لي بل هو كلام الذي أرسلني) قُبِل بفرح واحترام وحماسة في كل مكان. ولقد شدَّ هذا الاستقبال من عزيمتي وقرّرتُ القيام بزيارة للقسم الشرقي من رعيَّتي في السنة القادمة).

النشاط العمراني

في الثاني من شهر أيلول بدأ العمل في بناء الكنيسة الجديدة، وقد باشره الأب يوحنا بذاته وسهر شخصياً على كل تفاصيله.

في تلك الأثناء كتب الأب يوحنا إلى مطرانه: (إن مدخول هذه الكنيسة كبير جداً... لذلك أرجو سيادتكم أن تسمحوا لي استعمال جزءاً من هذا المال والذي هو ملك الكنيسة، لمساعدة المدرسة المحلِّية، أو بعض الفقراء أو المرضى من الأليوثيين)... وصلت تلك الرسالة إلى المطران في الثالث عشر من شهر أيلول عام 1826 وقد أعطى المطران التعليمات التالية: (إن مال الكنيسة هو ملك الفقراء. لذلك فالله سوف يبارك هذا المشروع... ونحن نسمح للكاهن باستعمال الفائض من مدخول الكنيسة لمساعدة المدرسة والفقراء الأليوثيين).

لم تصل هذه الموافقة إلى الأب يوحنا إلاّ في شهر حزيران سنة 1828. عندها باشر الأب يوحنا باستعمال الأموال، وبعد تحسين المدرسة وإعطاء الفقراء المحتاجين، شيّد أيضاً مستشفى صغيراً يحتوي على ستة أسرّة وميتم يتّسع لاثني عشرة فتاة يتيمة.

في مطلع السنة التالية أي في عام 1826، عندما أحسّ الأب يوحنا أنه أتقن اللغة الأليوثية، بدأ بترجمة كتاب التعليم وأرسله إلى معلمه يوحنا بانكوف لمراجعته وتنقيحه وأنهاه قبيل الفصح... أمّا العمل في الكنيسة الجديدة فظل مستمراً تحت إشراف الأب يوحنا نفسه وقد أُنهي البناء في حزيران من السنة نفسها وكُرِّست الكنيسة في الثامن والعشرين من شهر حزيران عام 1826.

الزيارة الرعائية الثانية

بعد تكريس الكنيسة بدأ الأب يوحنا التحضير لزيارة القسم الشرقي من رعيّته. ففي يوم السابع عشر من نيسان عام 1827 ترك الأب يوحنا يونالاسكا مع مترجمه وعدد من الدلاّل الأليوثيين، على متن باخرة. ولقد وصلوا بعد إحدى عشر يوماً إلى جزيرة (أونفا) وكانت أبعد نقطة في رعيّته. وحسب عادته أخذ يطوف القرى، ويقرأ على سكانها ترجمته لكتاب التعليم الديني ويقوم بمهامه الكهنوتية الأخرى. كثر الإعجاب بالكتاب حتى طلب كل فرد اقتناء نسخة منه. ووقَّع الجميع نسخة رسالة إلى المطران طالبين فيها السماح بطبع الكتاب وتوزيعه.

بعد إنهاء أعماله في تلك الجزيرة توَّجه الأب يوحنا وصحبه إلى شبه جزيرة الآلاسكا. وبما أن الرجال كانوا يصطادون في البحار، بدأ عمله التبشيري مع النساء والشيوخ والأطفال والمرضى واعظاً الجميع ومهيِّئاً إياهم لاقتبال الأسرار المقدّسة. وإذ كان الناس يشكرونه على تعبه معهم وفي الخدمة كان يذكّرهم (أنه يجب عليكم شكر الله الذي سمح لي أن آتي إليكم وأن أقيم في هذه الأرض البعيدة ناقلاً إليكم نور الإنجيل المقدس. وأطلب منكم أن تتضرّعوا إلى الله من أجلي حتى أستطيع أن أزوركم مرّة أخرى).

وفي طريق العودة إلى (أونفا) واجه الأب يوحنا وصحبه أخطاراً شديدة قرّبتهم من الموت عدة مرّات. هناك زار القرى التي لم يكن قد زارها بعد، ثم أبحر مع صحبه راجعاً إلى يونالاسكا، فوصلها في 12 حزيران بعد غياب تسعة وأربعين يوماً، زائراً المنطقة الشرقية من رعيّته.

رسالة إلى المطران

بعد أيام من عودته كتب الأب يوحنا إلى المطران رسالة جديدة: (خلال السنوات الثلاث التي قضيتها هنا، اعتبرت أن مهمتي الأساسية تكمن في نقل كلمة الله للرعيّة المؤتمنة إليَّ، وقد سعيت أن أقوم بهذا الواجب على أحسن وجه ممكن...

لكن وبما أن الشعب الأليوثي يعيش جماعات صغيرة بعيدة عن بعضها البعض، اعتبرت أن عمل الترجمة هو أيضاً من واجبي. لذلك ترجمت بعون الله كتاب التعليم الديني الضخم إلى اللغة الأليوثية ـ الوكس ـ ... وهو شرف لي أن أقدّم هذه الترجمة لكم. كما أطلب بكل تواضع من سيادتكم أن تسمحوا لي بإرسالها والنص الروسي إلى الطبع كي أتمكن عند انتهائها من استعمالها في المدرسة المحليّة وللتوزيع بين الشعب الأليوثي.

كان همّي الوحيد وأنا أقوم بهذا العمل، مساعدة الشعب قراءة وفهم التعليم الديني بلغته الأم والتعرّف على سرّ تدبير الخلاص في حياته وعمله هو في هذا المجال.

لا أدّعي أن هذه الترجمة خالية من الأغلاط البسيطة. إذ هو العمل الأول في لغة لا قواعد لغوية مكتوبة لها بعد. لكنه يمكن لي التأكيد أنني سعيت ألاّ يكون فيها أي تعليم معاكس للإيمان الأرثوذكسي المستقيم والشريعة المسيحيّة....

رغم هذا، لا يمكنني اعتبار عملي هذا كاملاً، لذلك أتقدَّم من سيادتكم راجياً أن تدخلوا عليه التصحيحات اللاّزمة).

زيارة رعائية إلى جزر بريبيلوف

بعد عشرة أيام وفي أول تموز، غادر الأب يوحنا مجدَّداً منزله للقيام بزيارة رعائية إلى جزر بريبيلوف التي لم يكن قد زارها بعد. قضى في تلك الجزيرة شهراً كاملاً واعظاً كعادته ومقيماً الخدم والأسرار الكنسيّة المتنوعة.

عاد الأب يوحنا إلى (يونالاسكا) في أول آب ليقيم قداساً تذكارياً لأول قداس أقامه في تلك البلاد البعيدة. وبقي فيها طول فصل الشتاء مع عائلته ورعيّته لتعذر السفر في تلك الأيام، إذ كان فصل الصقيع على الأبواب.

قصة الشامان

في أوائل نيسان عام 1828 غادر الأب يوحنا مجدّداً جزيرته واتّجه إلى جزيرة (اكون) التي لم يكن قد زارها بعد. وعند وصوله وصحبه إلى الشاطئ كان جميع السكان بانتظاره بالتهليل. ففوجئ وإذ سأل ما المناسبة قيل له، ذاك لاستقباله. وإذ استغرب معرفتهم بقدومه قالوا له: (إنه الشامان. هو الذي قال لنا: انتظروا... سيأتيكم كاهن اليوم. هو الآن في الطريق إليكم وسوف يعلّمكم الصلاة إلى الله... كذلك وصفك لنا تماماً كما تبدو الآن أمامنا).

استغرب الأب يوحنا هذا الكلام وطلب أن يلقى الشامان. فذهب بعضهم لإعلام الشامان برغبة الأب يوحنا. حين وصولهم إليه قال لهم الشامان: (أنا أعلم أن الأب يوحنا يريد أن يراني. هآنذا آتي إليه). وقبل مقابلته روى (بانكوف) مساعد الأب يوحنا، له عن عدة حوادث شفاء غريبة حدثت بواسطة الشامان المدعو (سمير نيكوف)، وكذلك التنبؤات.

أثناء حديثه مع سمير نيكوف، (الشامان) لاحظ الأب يوحنا أن لديه معرفة واسعة للإنجيل ولصلوات الكنيسة، مما أثار استغربه، لأن المبشرِّين الذين سبقوه إلى تلك البلاد البعيدة لم يكونوا يتقنون لغة أهل البلاد الأم، لذلك اكتفوا بتعميد الناس دون تبشيرهم بالدين المسيحي. وبقي الناس لا يعرفون لمن يصلّون أو كيف يصلّون.

فسأله الأب يوحنا: كيف كان لسمير نيكوف (الشامان) تلك المعرفة ؟ فأجابه:

من رجلين بيض يعيشان في الجبال المجاورة ويزورانه باستمرار. ثم قال للأب يوحنا: (إنهما أخبراني أنك سوف تذهب في المستقبل القريب لزيارة عائلتك وراء البحار ثم تبحر مجدّداً لزيارة رجل عظيم)... ولما سأله الأب يوحنا عن مظهر الرجلين، أعطاه وصفاً يطابق رسم رئيس الملائكة جبرائيل في الأيقونة. ثم أخبر سميرنيكوف الأب يوحنا قصة نقلها بحرفيّتها إلى أسقفه هكذا: (بعد أن عمّده الأرشمندريت مكاريوس ظهر له أولاً روح واحد، ثم اثنين ولم يستطع أحد غيره رؤيتهما... وقالا له أنهما مرسلان من الله لإرشاده وتعليمه وحراسته. وقد بقيا معه مدة ثلاثين سنة يظهران له ظهراً أو في أواخر النهار لكن ليس في الليل. وقد علَّماه اللاهوت المسيحي بكامله وكافة أسرار الإيمان. وعندما كان يمرض أو يجوع كانا يسعفانه ويساعدان آخرين تلبية لطلبه... وكانا يقولان له قبل تلبية أي طلب علينا أن نسأل إذا كان موافقاً لمشيئة الله. وفي بعض الأحيان كانا يخبرانه عن أشياء حدثت في أماكن أخرى أو استحدث في المستقبل... وكانا يؤكدّان دوماً أن ما يفعلانه كان بقوة الله القدير وليس بقوتهما الخاصة.

كما علّماه أن يصلِّي الخالق الكل وليس لهما وأن يصلِّي بالروح والحق، بالقلب. وكانا يصلِّيان معه فترات طويلة من الزمن.

وأرشداه ممارسة كل الفضائل المسيحية ونصحاه أن يكون وفيّاً عفيفاً في الزواج وخارجه.

كما ظهرا له عندما كان آتياً ليلقاني وقالا له ألاَّ يخاف. وعندما سألته ما شعوره عند رؤيتهما... هل يكون فرحاً، حزيناً ؟ أجاب: (أشعر بالندامة، أمّا في الحالات الأخرى فلا يشعر بالخوف).

في نهاية الحديث سأله الأب يوحنا إذا كان باستطاعته هو أن يرى الزائرين فأجابه سمير نيكوف (الشامان): (سأسألهما). وبعد عودته من زيارة لجزر قريبة أجابه: (إنهما يوّدان رؤيتك لكن لماذا تريد أن تراها وأنت تُعلِّم التعاليم نفسها ؟ على كل حال. تعال سآخذك إليهما).

وإذ سمع هذا الكلام، تحرك في نفسه شعور كتبه لأسقفه: (امتلأت خوفاً وتواضعاً وفكرت في قلبي: ماذا لو رأيت هذين الملاكين بالفعل وقالا لي ما قاله لي سمير نيكوف (الشامان) العجوز؟. كيف يمكن لي أن أذهب إليهما ؟! وأنا رجل خاطئ ولا أستحق التكلم معهما. ويمكن أن يكون غراري نابعاً من غروري وتكبّري. وإذ صار لي أن أرى ملاكين حقيقيين فهذا سيدفعني إلى الغرور والاّدعاء. بعظيم إيماني وبإعجابي بنفسي... كلا لست مستحقاً والأفضل لي ألاَّ أذهب...).

وفي نهاية تقريره كتب إلى الأسقف:

(كنت مقتنعاً أن الأرواح التي ظهرت لسمير نيكوف (الشامان) – إذا ظهرت له فعلاً – لم تكن أرواحاً شيطانية مع العلم أن الشياطين يمكنها أن تظهر كملائكة بعض الأحيان، لكنها لا تفعل ذلك لهداية الناس بل لهلاكهم... لذلك تجرَّأت قبل الحصول على موافقتكم أن أُجيبه: (إن الأرواح التي تظهر لك ليست شياطيناً... لذلك استمع لتعاليمها وإرشاداتها فيما لا يتناقض مع التعليم الذي سمعته مني في اجتماع الرعيّة... أمّا إذا سألك أحد أبناء الشعب عن المستقبل فلا تجبه بل قل له أن يتّجه نحو الله الذي هو أب للجميع ويساعد الذين يصلّون له بإيمان... لا أمنعك من شفاء الناس... لكن قل للذين تشفيهم أنك تفعل ذلك بقوة الله وليس بقوتك أنتَ... واطلب منهم أن يصلّوا إلى الله باستمرار وأن يقدّموا له الشكر... لا أمنعك تعليم الآخرين لكن توجَّه فقط إلى صغار السن... لا تتنبّأ لأحد – بما فيهم أنا – عن المستقبل... كما طلبت من الشعب الأليوثي أن لا يسألوه عن الغد أو يطلبوا منه التنبّوء وألاّ يدعوه (الشامان) بل أن يصلّوا بتضرّع وبحرارة إلى الله فقط).

شكر المطران الأب يوحنا على تقرير هذا وقال له في رسالته الجوابية التي لم نصل إلاّ بعد ثلاث سنوات أي بعد موت سمير نيكوف: (أشكر الله أيضاً على رأيك السديد وإرشاداتك الحكيمة التي أبديتها لسمير نيكوف ورفاقه الأليوثيين... وأقول لك بكل صراحة وصدق إنك أكثر تطويباً من القديس توما الرسول لأنك لم تسمح لفضولك التغلّب على إيمانك... لكني أرجوك زيادة الملاكين والتكلم معهما إذا كان سمير نيكوف ما يزال حيّاً يرزق. وأطلب منك أن تفعل ذلك كي يتمجّد إيماننا المستقيم... لكن عليك أن نتذكر أن تصلّي باستمرار الصلاة الرّبانية أثناء الاجتماع بهما، ولا تتكلم بهما إلاّ عن مصير أبناء رعيّتك، هؤلاء الأليوثيين المهتدين حديثاً إلى الإيمان... من أجلهم أسأل الملائكة أن يتوسلوا إلى الله لما هو خيرهم).

وصلت رسالة المطران إلى الأب يوحنا بعد ثلاث سنوات أي بعد وفاة سمير نيكوف والذي كان قد عرف ساعة وفاته. فجمع كل أفراد عائلته حوله وأشعل شمعة أمام الأيقونة، ثم صلّى وودّعهم كلهم ورقد على فراشه وأدار وجهه إلى الحائط وأسلم الروح إلى خالقه بسلام.

تدهور صحّة الأب يوحنا

مع التقرير الآنف الذكر أرسل الأب يوحنا رسالة ثانية إلى المطران طالباً مغادرة جزيرة (يونالاسكا): (إن الخدمة التي باشرت بها في التاسع والعشرين من شهر تموز عام 1824 في جزيرة يونالاسكا، قد شارفت على نهايتها بالنسبة لي. فإني لا أستطيع القيام بها بعد منتصف عام 1831. وليس وراء قراري هذا بُعد المسافات بين الجزر أو أي عذر آخر، فإني أقوم بهذه الخدمة بفرح وشكر لله كبيرين، لكن ضعف صحتي التي تسوء في هذا المناخ. فإني أطلب بكل تواضع أن ترسلوا كاهناً آخر يستطيع خدمة الشعب بشكل أفضل. وأطلب الرجوع إلى اركوتسك مع عائلتي بعد وصوله).

أرسل الأب يوحنا هذه الرسالة عام 1828 عارفاً أنه لن يتيسَّر تعيين كاهن بسرعة خلفاً له إلى تلك البلاد البعيدة. وهكذا استمر بتنقلاته وخدمته بنشاط ومحبة كبيرة وأكمل زياراته. فالتقى ببعض الأليوثيين الرُّحَلْ الذين لم يكونوا بعد تنصرّوا. ودوَّن في مذكراته على أثر القداس الإلهي الأول الذي أقامه لهم في إحدى الجزر: (تلبية لدعوتي حضر خمسة من السكان الأصليين الخدمة، وأبدوا انتباهاً كبيراً. بعد ذلك قلت لهم بواسطة المترجم، إننا كنا نقدِّم، بروح الشكر والتواضع، الذبيحة غير الدمويّة إلى الإله الحقيقي، خالق السماء والأرض وكل البشرية. وقد استمعوا لكلامي بانتباه كلّي)... وفي المساء وصل سبعة آخرين. وفي الثاني من شهر تموز، لما تأكد الأب يوحنا أنه لن يأت آخرون قرَّر دعوتهم إلى منزله وهناك قال لهم: (لا يوجد سوى إله واحد، وهو الذي نقدِّم... له العبادة... من هو هذا الإله. ماذا خلق. ماذا يرضيه وماذا يغضبه... والإنسان مخلوق ليس من أجل هذه الحياة الأرضية فقط بل للحياة الأبدية...). وقال لهم ما يجب صنعه كي يحظى على السعادة الأبدية... ثم سألهم عن شعورهم بعد سماعهم لكلماته. فأجابوا أنهم يؤمنون بما قاله لهم.

فسأله أحدهم: (كيف أفكر وأفعل ما لا أريد أن أفكر به أو أفعله)... فأجابه الأب يوحنا: (كل البشر هكذا... لذلك على الإنسان أن يجاهد ليقهر ذاته ويطلب معونة الله في ذلك الجهاد. وتلك النعمة لا تأتي إلاّ بالصلاة وبالصلاة الدائمة والجهاد الدائم.

ثم سألهم الأب يوحنا إن كانوا يودّون الدخول إلى هذا الدين ويؤمنون بالإله الواحد الحقيقي... الكل قبلوا ما عدا واحد. وبعد طلبه منهم التفكير بالأمر ملياً أجابوه بالإيجاب، فنصب خيمة وعمّدهم. ثم ألبسهم ثيابهم القديمة – حتى لا تكون الثياب البيضاء مجلبة للاعتماد بدون إيمان – وعلَّق في عنق كل واحد صليباً رصاصياً صغيراً، رمزاً للحياة الجديدة التي دخلوها.

وقبل مغادرته تلك الجزيرة عمَّد بعض الأولاد وأقام على ظهر الباخرة صلاة شكر لله لأنه أعطاه أن يرى خلال تلك السفرة: (الثمار الأولى لكلام الله الذي زرعته يديه غير المستحقة في تلك الأرض الصعبة جداً ولكن الخصبة جداً).

حياته العائلية وأشغاله البيتية

بعد زيارته جزراً أخرى رجع الأب يوحنا إلى يونالاسكا في الواحد والثلاثين من شهر تموز عام 1829 ليجد أن الله كان قد رزقه أثناء غيابه بابنة ثانية. فقرَّر أن يعمّدها في عيد التجلّي وسمّاها (أولغا) وكانت أولغا الخامسة بين أولاده... أكبرهم إينوكنديوس البالغ من العمر ست سنوات والمنخرط في مدرسة القرية... ثم كاترينا ولها من العمر خمس سنين، ثم جبرائيل وعمره ثلاث سنوات واسكندر سنة واحدة... وكانوا مع أولاد القرية الآخرين يحظون بالكثير من أوقات والدهم الفارغة. إذ كان يذهب بهم إلى الجبال ويرشدهم إلى أسرار الطبيعة ويتلو القصص المختلفة عليهم بعد فراغهم من الدروس التي يتناولونها في المدرسة من تعليم ديني وتاريخ العهد القديم المقدس، وقواعد اللغة الروسية والحساب وتعلّم القراءة والكتابة.

وكان الأب يوحنا يمضي كل لياليه في مراجعة وقراءة كل ما يُرسل إليه من رسائل وطلبات ومقترحات من سيتكا أو اركوتسك. وكان يعمل في المنجرة إبان الورشات المعمارية للكنيسة أو المدرسة أو المشاريع العمرانية الأخرى التي يقوم بها. كذلك كان يصنع الآلات الموسيقية الصغيرة والساعات، كما كان يسعى إلى إشراك أولاده في تعلّم كل تلك الحرف، كما كان الأولاد يصنعون الشموع للكنيسة. وكانوا في غياب أبيهم يتابعون رصد الأحوال الجوية وتسجيلها من حرارة الطقس والرطوبة وحركة الغيوم وأحوال المطر والمد والجزر وسرعة الهواء وتسجيلها على الآلات الراصدة التي كان قد صنعها ووضعها في منزله والتي كان يسجّلها مع طبيعة العواصف المعروفة بأسماء (فورا) و (فاما).

وصدف أن مرّ في صيف 1828 العالم الجغرافي والبحّار (تيودور لوتك) (1797 – 1882) فتعرّف بالأب يوحنا وجمعتهما صداقة متينة فأصبح تيودور فيما بعد (وكيلاً) للأب يوحنا في العاصمة بطرسبرج أي أنه كان يدوِّن وينشر كل تلك المعلومات العلمية والملاحظات الجغرافية.

ترجمة الأناجيل

في شهر أيلول عام 1828 وبعد صعوبات كبيرة واجهها الأب يوحنا وصحبه، زاروا جزيرة (آكون) حيث ابتدأ بمساعدة يوحنا بانكوف ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الأليوثية. وبعد عمل متواصل مدة أسبوعين أنهيا ترجمة إنجيل متى كما ترجما أيضاً مقاطعاً من الأناجيل الأخرى، المتعلقة بآلام السيّد... وتابعا هذا العمل في جزيرتهم (يونالاسكا) في خريف وشتاء 1830. وفي كانون الأول من تلك السنة أنهيا الترجمة كلها وابتدءا قراءتها على بعض الأشخاص بغية أخذ رأيهم وتنقيحها.

مغادرة يونالاسكا

مع مجيء ربيع سنة 1831 باشر الأب يوحنا تهيئة رحيله من يونالاسكا. وكان قد حصل على موافقة المطران. لكنه تريَّث قليلاً حتى ينتهي من حفر أيقونوسطاس كنيسة الصعود والتأكد من انطلاق مدرسة الأيتام التي كان قد افتتحها في شهر آذار، كما ودّ أن يعيّد آخر عيد فصح مع رعيّته... وكان ذلك العيد تاريخياً لأنه وللمرة الأولى قُرأ الإنجيل باللغات السلافونية والروسية وباللغة الفوكس – أليوثية، حسب الترجمة التي كان قد أنهاها.

وإذ هو ستعد للسفر وصله خبر وفاة المطران ميخائيل. فبقي الأب يوحنا في يونالاسكا ريثما يتم انتخاب المطران الجديد. لكن أخاه وعائلته كانوا قد سبقوهما إلى روسيا مصحوبين بابني الأب يوحنا إينوكنديوس وجبرائيل وجدّتهما.

في ذلك الوقت أقنع المدير العام الجديد للشركة الروسية – الأمريكية الأب يوحنا، بالذهاب إلى (سيتكا) وبالخدمة فيها. فكتب إلى أسقفه الجديد طالباً أن يسمح بنقله إلى هناك، لكن الجواب لم يصله إلاّ بعد سنتين قضاهما الأب يوحنا في (يونالاسكا) بصبر وخدمة ونشاط.

فلما وصل خلفه في شهر تموز عام 1834، سلّمه الأب يوحنا كل مسؤولياته وأطلعه على سير العمل. وفي الثاني عشر من شهر آب أقام الأب يوحنا آخر قداس إلهي وبعد غروب عيد رقاد السيدة في الرابع عشر من آب اشتراك بخدمة برمون العيد وألقى عظة وداعية ثم استقل مع عائلته السفينة مباشرة بعد الخدمة ورحلوا بعد المكوث في يونالاسكا، مدّة عشر سنوات وسبعة عشر يوماً... وكان قد وصل إلى تلك البلاد البعيدة في التاسع والعشرين من شهر تموز عام 1824 وغادرها في الخامس عشر من شهر آب عام 1834.

مكوثه وخدمته في سيتكا

إن سكان سيتكا من الروس والـ Creoles كانوا قرابة الألف وثلثماية نسمة، يعيشون ضمن أسوار المدينة المحاطة بقرى يسكنها هنود عُرفوا بوحشيتهم وخشونة عيشهم.

من اليوم الأول لوصوله إلى سيتكا، قرّر الأب يوحنا العمل لتنصير هؤلاء، لكن ولأسباب متعددة لم يتسنّ له البدء قبل عام 1837. وكان قد بدأ بدراسة لغتهم قبل ذلك بعام واحد حتى يستطيع التخاطب معهم وكسب ثقتهم والتعرّف على مقوِّمات ديانتهم... وبعد فترة من العمل الدؤوب والاتصال بتلك القبائل المتوحشة استطاع الأب يوحنا أن يعمّد بعضهم، وأن يزيل روح العداء بينهم وبين السكان الروس التي كانت مستفحلة قبل وصوله إلى سيتكا.

وكان ينطلق أيضاً من سيتكا لزيارة بعض المراكز الروسية المتقدمة في الأراضي الأمريكية ولرعاية سكانها.

كذلك وفي عام 18345 نظَّم المعلومات والملاحظات العلميَّة التي كان قد جمعها في يونالاسكا عن جيولوجيا وطقس وجغرافية الجزر الأليوثية في كتاب سمّاه، (ملاحظات حول الجزر في منطقة يونالاسكا)، وأرسله إلى (ثيودور لولك) لكي يقدّمه هذا الأخير لأكاديميّة العلوم في بطرسبرج. كذلك وضع قاموساً بمعنى ألف ومئتين كلمة روسية – أليوثية. كما أتمَّ تأليف كتاب في (قواعد اللغة، الفوكس – الأليوثية).

أخيراً وفي الثامن من شهر تشرين الثاني عام 1838 غادر وعائلته سيتكا بعد الحصول على إذن مطرانه واتجه صوب بطرسبرج فوصلها في الخامس والعشرين من شهر حزيران عام 1839.

الأب يوحنا في موسكو

بعد مكوثه بضعة أيام في بطرسبرج حيث قدّم تقريراً مفصَّلاً عن أعماله إلى مكتب المجمع المقدس الروسي، ذهب إلى موسكو وبقي فيها مدّة خمسة أشهر في دار المطرانية. وكان آنذاك متروبوليت موسكو المطران فيلاريت الشهير.

أثناء وجوده في موسكو تعرَّف الأب يوحنا على العديد من الشخصيات الروسيّة الذين تحمّسوا كثيراً لسماع حديثه عن أمريكا وعن عمله الرسولي هناك. كذلك أُعطي له مجال نشر عدد من المطبوعات العلميّة عن تقاليد ومعالم الجزر الأليوثية وشعبها.

وفي شهر تشرين الثاني عام 1839 دُعي للمثول أمام المجمع المقدّس. فذهب مجدّداً إلى بطرسبرج وقدَّم تقريراً شفهياً أمام أحبار الكنيسة، فلقي تقريره استحسان المجمع، وتقديراً لجهوده مُنح لقب (رئيس الكهنة).

وفي جلسات مجمعيّة لاحقة، نظر المطارنة في طلب الأب يوحنا طبع كتبه اللاهوتية باللغة الأليوثية، ووافقوا عليه مشيرين بصورة خاصة إلى قيمة كتابه (الطريق إلى ملكوت السماوات) الذي أوصى بطباعته، ليس فقط باللغة الأليوثية، بل أيضاً باللغتين الروسية والسلافونية، وذلك لتعميم فائدة الاستفادة منه (2).

موت زوجة الأب يوحنا

في خضمّ هذه الأحداث السّارة، وصل إلى الأب يوحنا من إركوتسك خبر وفاة زوجته كاترينا منذ بضعة أشهر. فطلب من المطران فيلاديت إذناً بالتوجّه إلى هناك للاهتمام بأولاده. وفي غيابه أصدر المجمع المقدس قراراً بشأن التقرير المرفوع إليه من قبل الأب يوحنا: وقبل الطلبات المضمنة في التقرير وباشر بتنفيذ بعضها عملياً وهي:

1) أن تصبح كنيسة مار ميخائيل في سيتكا كاتدرائية، يخدمها كاهنين مع شماس وثلاثة مساعدين وأن تلحق بها مدرسة للتعليم الديني.

2) أن يكون كاهن هذه الرعيَّة مسؤولاً عن كل الكنائس وعن كل الاكليروس الموجود – أو الذي سيعيَّن – في أمريكا.

3) الطلب من الأب يوحنا تقديم تقرير يتضمّن التعليمات والإرشادات الضرورية التي يجب إعطاؤها لكل الكهنة العاملين في أمريكا.

لبّى الأب يوحنا طلب المجمع ووضع كتيِّباً ضمّنه الإرشادات المطلوبة. درس المجمع ذلك الكتيِّب في شهر تشرين الثاني عام 1840 ووافق عليه، فأصبح المرشد للكهنة ولمن يود الانخراط في العمل التبشيري في كل من روسيا، وكان عنوان الكتيِّب: (إرشادات للكهنة المكلَّفين بتنصير غير الأرثوذكسيين، وإيصال المهتدين الجدد إلى الإيمان المسيحي).

ترقية الأب يوحنا وزيارته القيصر

بعد وفاة زوجته، طلب المطران فيلاريت من الأب يوحنا الترهّب، فتلكأ لأسباب عدة منها اهتمامه بأولاده، ولكن وبعد إصرار المطران، لبى الأب يوحنا طلبه وأصبح راهباً في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني. وفي اليوم التالي رُفّع إلى رتبة ارشمندريت، ولقب بإينوكنديوس.

وبعد بضعة أيام، طلب الإمبراطور نقولا الأول الاجتماع به... أثناء اللقاء أخبره القيصر أنه وافق على تأسيس أبرشية جديدة في (كمتشاكا)، ثم سأله: من يا تُرى يجب أن يعينّ أسقفاً على تلك الأبرشية ؟... فأجابه الأرشمندريت إينوكنديوس: (لا بد أن الروح القدس سوف يلهمكم لاختيار الرجل الصالح). لكن الإمبراطور نقولا الأول أجاب: أريدك أن تكون أنتَ مطراناً على (كمتشاكا).

المطران إينوكنديوس

في الخامس عشر من شهر كانون الأول عام 1840، رُسم إينوكنديوس مطراناً على كمتشاكا بعد أن انتخبه المجمع المقدّس لهذا المنصب. ومن الخطاب الذي ألقاه يوم انتخابه أمام المطارنة: (ماذا يمكنني أن أقول في هذه اللحظة المهمة من حياتي. هل أعبِّر لكم عن امتناني لانتخابكم لي، أنا غير المستحق ؟ هل أشكر سيّدنا يسوع المسيح لقبوله هذا الانتخاب والذي سيعطيني مجالاً أكبر لخدمة كنيستي ووطني ؟.. إنما عرفان الجميل يجب أن يعبّر عنه بالفعل وليس بالقول... لذلك ماذا أقول لكم الآن ؟... لا أجد أفضل من الاعتراف لكم بكل ما أظهرته مشيئة الله العجيبة من لطف في حياتي، وكل ذلك لمجد اسمه القدوس... باركي يا نفسي الرب ولا تنسي جميع مكافئاته...). ثم خبّر كيف دعاه الله للذهاب إلى الجزر الأليوثية وكيف ساعده في تحمّل مشقّات الخدمة هناك وتابع: (والآن في هذا الانتخاب غير المنظور، أرى أيضاً يد الله الذي جعلني أسافر حول العالم للوصول إلى هذه المدينة، والذي حرّك قداستكم للاهتمام بخدمتي المتواضعة، وهو الذي دبّر كل مشاكلي بشكل يسمح لي متابعة الخدمة. وبقدر ما تبدو كل هذه الأمور غير منتظرة فأنا متأكد بأن الله كان وراءها جميعاً... فلتكن مشيئة الله دائماً فيَّ وفي كل شيء!... إني أؤمن وأعترف أن الله الذي أرشدني حتى هذا الوقت بطرقه العجيبة والذي يهبني الآن هذا المزيد من الخدمة بواسطة بركة قداستكم عندما تستدعون عليَّ بركة الذي جعل من الصيَّادين رسلاً والذي بنعمته يكمّل الناقصين ويشفي المقعدين، أؤمن أنه وحده سيعطيني قوة جديدة لكي أتمّم الخدمة الجديدة التي دعاني إليها.

سفره إلى أبرشيته الجديدة

إثر رسامته، بدأ المطران إينوكنديوس بالتحضير للالتحاق بأبرشيته في تلك البلاد البعيدة، وعند انتهائه غادر موسكو في الثلاثين من شهر كانون الثاني متّجهاً إلى سيبريا. ولما وصل إلى اركوتسك قرعت أجراس كل الكنائس وغصّت الشوارع بالمستقبلين يهلّلون لعودة ابن أبرشيّتهم مطراناً وهو الذي خدم في اركوتسك، شماساً ثم كاهناً. وإذ سجد أمامه معلّمه في المدرسة الإكليريكية أحد الكهنة الشيوخ، رفعه المطران إينوكنديوس قائلاً له: (يجب أن لا تركع أمامي، بل عليّ أنا أن أركع أمامك، لأنك أنت الذي أطلقتني إلى العالم). وركع أمامه.

مكث المطران إينوكنديوس مدّة شهر واحد في إركوتسك في ضيافة مطرانها مستكملاً الاستعدادات وجامعاً التبرعات ومقنعاً الشباب من خلال عظاته وسهراته الروحية، الالتحاق بالعمل البشاري في أبرشيّته الجديدة. وإذ فتح الله قلوب بعض الشباب، فغادر المطران إينوكنديوس اركوتسك مصطحباً معه ثلاثة شمامسة وطالب من المعهد اللاّهوتي، ومبتدئين وخمسة علمانيّين مستعدّين لخدمة الكنيسة.

وفي طريقهم إلى ياكوتسك، مرّوا في قرية أنجا، مسقط رأس إينوكنديوس، فزار بيته والمقبرة التي دُفن فيها والديه وزوجته، واهتم ببعض الأمور المتعلقة بأولاده وأرسلهم إلى بطرسبرج حيث كان دبَّر لهم متابعة تحصيلهم العلمي.

ثم استأنف وصحبه السفر، فوصل في أول تموز إلى حدود أبرشيته وفي الخامس عشر من الشهر ذاته وصل إلى شاطئ المحيط في (أكهوتسك) حيث ارتاح ورفقته قبل مغادرتهم بالباخرة على سيتكا في العشرين من شهر آب، فوصلوها في السادس والعشرين منه.

عمله الرعائي في أبرشيّته

ما أن وصل إلى أمريكا حتى عاد المطران إينوكنديوس إلى نمط حياته السابق: أسفار، زيارات رعائية، أخطار وبشارة بالمسيحيّة ودعوة الناس إلى تقبل سرّ المعموديّة والعيش بسلوك مسيحي صالح وخدمة أخوية.

كان يعامل كهنته بلطف ومحبة ورويّة ولكن بإصرار ودقة في تطبيق القوانين والقيام الحسن برسالتهم.

لن ندخل هنا في تفاصيل وإنجازات المطران بعد رجوعه إلى تلك البلاد البعيدة، ولن نذكر المشاريع التي حقّقها من بناء كنائس ومدارس وبيوت للخدمة الاجتماعية ومدارس إكليريكية وأديار، ولن نعود إلى وصف أسفاره الطويلة. بل سنكتفي من أجل إعطاء صورة واضحة عن تلك المرحلة من حياة قدّيسنا أن نختار بعض المقاطع من مذكّراته ورسائله وهي سوف تدلّنا على تطوّره الروحي وجهاده.

* في الثامن والعشرين من شهر أيلول 1841، أي بعد وصوله إلى أبرشيته مباشرة، كتب: (هآنذا قد وصلت إلى أمريكا بصحة جيدة. وقد افتقد الله شعبه هذا الذي بقي طويلاً في الظلمة الروحية والفكرية وأرسلنا إليه ندلّه إلى نور المعرفة الحق. والآن يمكنني القول أن هذا الشعب بين أيدينا. لكن هل نستطيع عمل أي شيء له بقوانا الضعيفة ؟ خاصة إذا نظرنا إلى كسلنا، هذا الكسل الذي لولاه لكنا لبسنا قوة الرسل أنفسهم. لأن كل شيء ممكن لمن يصلّي. لكن الكسل لا يسمح لنا جميعاً أن نصلّي...

كل فرد منّا، أداة في يدي الله. وإذا شاء هو تعالى، يمكن لقارع الجرس أن يقنع قلوب الناس بالصلاة بمجرّد قرعه للجرس... ظاهرياً، إن النعمة فعلت في كثيرين حولي بواسطة كلامي... آه! لو يباركني الله أكثر ويسمح لي أن أحقق جميع أفكاري).

* في تقريره الأول للمجمع المقدس بعد أن صار مطراناً وذلك في ربيع عام 1842، كتب يقول: (لكي يشمل عملي الرعائي كل أبناء هذه الأبرشية الموكلة إليَّ، لا بدّ أن يكون لديّ معلومات دقيقة عن وضع كل الكنائس والاكليروس وحاجاتهم... لذلك اعتبرت من واجبي إقامة مسحٍ لكل الأبرشية في أرب فرصة ممكنة... وهذا يتطلب سنة أو ستة عشر شهراً. وهذا الوقت الطويل ضروري ليس فقط لبعد المسافات، بل خاصة لصعوبة المواصلات والتنقل).

* غادر المطران سيتكا للقيام بأول زيارة رعائية له، فواجهته عاصفة رهيبة كادت أن تغرق سفينتهم. وقد كتب على أثر ذلك: (بقينا في خضمّ عاصفة رهيبة مدة ثمانية وعشرين يوماً... كلنا واجهنا خطر الموت لقلة وجود ماء للشرب. فقلت في نفسي: يا أبتاه هرمان (وكان هذا راهباً بشَّر في أمريكا وتحلّى بحياة القداسة)، إذا كنتَ قد حزتَ على رضى الله فإني أطلبُ منك أن تهدّئ العاصفة. وهذا ما تمّ فعلاً بعد ربع ساعة من صلاتي... بعد ذلك فإني قد أتممت جنّازاً على روح الراهب القديس هرمان).

أمّا عن اتصالاته بالشعب الأليوثي في الجزر فيقول: (يمكنني كتابة صفحات عديدة واصفاً استقبالهم لي... كيف لاقوني، واستقبلوني كأب كانوا يتذكرونه جيِّداً. ولن أقول أكثر... وأنا لاقيتهم كأولاد وكإخوة وكأصدقاء حقيقيين، أحببتهم محبة صادقة. ومما أفرحني أنهم كانوا ما زالوا يصلّون ويقرأون ترجماتي).

* وفي رسالة إلى المتروبوليت فيلاريت في أول آب من العام نفسه كتب له: (مع العلم أن رعيتي ليست كبيرة عدداً وناسها ثماني عشرة ألف وخمسماية إنسان فقط، فإنها ليست صغيرة بالأعمال الصالحة... فكلما ازداد معرفة بهؤلاء المتوحشين، تزداد محبتي لهم، وأزداد اقتناعاً بأننا نحن الذين ندّعي العلم والمعرفة، قد ابتعدنا، ودون أن نلاحظ عن طريق الكمال، وأن الكثيرين من هؤلاء الذين ندعوهم (متوحشين) هو أفضل منّا أخلاقياً).

* عند عودته إلى سيتكا من زيارته الأولى في السادس من شهر أيلول عام 1843 كتب: (... إنني فرح ومستعد وأبغي من كامل قواي أن أخدم الله والناس، ما دمت أستطيع ذلك، وحتى أن أموت بينهم هنا، لأن الدنيا كلها هي لله).

* وعند عودته من زيارة رعائية ثانية، قادته إلى منطقة (آيان) في آسيا، والتي أُضيفت إلى أبرشيته بقرار من المجمع المقدس عام 1843، كتب قائلاً: (المجد والشكر للرب إلهي ! على الرغم من طول وصعوبة أسفاري والقيام بها في فصول مختلفة ولأماكن مختلفة وبين شعوب مختلفة وبواسطة وسائل نقل مختلفة، وضمن أحوال جوّية مختلفة، على الرغم من كل هذه الصعوبات والعوائق، يمكنني التأكيد أني ما زلت بصحّة جيّدة بل ممتازة، وكذلك كل الذين معي... إن مظهر الكنائس والكاتدرائيات الخارجي قد تحسّن جداً، بالمقارنة لما كان الوضع عليه في زيارتي الأولى... عندنا الآن خمس عشرة كنيسة، وينقصنا كاهنان وستة مساعدين... إن الحياة الروحية للرعايا قد تحسّن بشكل عام... ويوجد قلة ضئيلة جداً فقط لا تقوم بواجباتها الدينية المسيحيّة... وإن أوامري بعدم السماح بالمناولة للذين يعيشون في منزل واحد وبدون زواج قد أثمرت... حتى للذين يأخذون نساء غير زوجاتهم... وشعب (الياكوت) يتقدَّم بصورة ملموسة، إذ لم نعد نسمع إطلاقاً عن ممارستهم لعبادتهم الوثنية السابقة. وإن البعض يطلب أن تُقام لهم خدمات وصلوات كنسيّة مسيحيّة... لكن شعب (الكورياك) لا يزال أصمّاً لبشارة الملكوت، وبعيداً عن كلمة الله، إذ إن واحداً منهم فقط قد قبل المعمودية خلال السنوات الأربع الأخيرة).

* وفي أول أيار 1850 كتب تقريراً أخيراً إلى المجمع المقدس، وذلك بمناسبة ذكرى استلامه الأبرشية لمدة عشر سنوات قال فيه: (بالرغم من اتساع الأبرشية وصعوبة المواصلات فيها، فإن زيارة كافة أنحاء الأبرشية قد تمت من قبل الأسقف أو مساعديه.. وبالرغم من انعدام المدخول المحلّي ومن صعوبات أخرى، فإن عدد الكنائس يتزايد باستمرار (3). والاكليروس يسعى باستمرار أن يقوم بواجباته الرعائية... إضافة إلى التعليم المسيحي، فإن العديد من الكهنة يقومون بتدريس القراءة والكتابة لأولاد رعاياهم...

إن الوضع الروحي لأبناء الأبرشية المؤلّفين من مهتدين جدد إلى المسيحية يحمل تعزية كبيرة لي. فهناك خمسة آلاف وثمنماية وعشرين من أصل روسي والمجموع هو ثلاثة وأربعين ألفاً ومئة وثلاثين مؤمن. وعلى سبيل المثال فإني أذكر ما يلي:

1) في السنة الماضية لم يتقدّم إلى الاعتراف من المجموعة كلها مئتين وست وعشرين شخصاً من بينهم مئة وستة وعشرين روسياً وثلاثة وسبعين من أهالي (كمتشاكا) وسبعة وعشرين منتمين إلى شعوب أخرى.

2) توقفت الجرائم كلّياً...

3) هناك اجتماعات ودروس للتعليم الديني تُقام في سبعة عشرة رعيّة وأيضاً نعلِّم القراءة لأربعة عشرة رعيّة أخرى.

أخيراً يمكنني القول أننا بنعمة الله نقترب تدريجياً وحسب إمكاناتنا من الأهداف الرئيسية التي من أجلها تأسست أبرشية (كمتشاكا)... وذلك في خط تنصير غير المؤمنين ومساعدتهم عيش الحياة المسيحي. وإذا اعتمدنا الحسابات البشرية، يمكننا القول أنه لو كان لدينا الإمكانيات الأوسع، لكنّا لاقينا نجاحاً أكبر في عملنا. لكن لو سمح الله بتنصير كل الوثنيين في هذه البقاع لكان أرسل العمال لذلك ولكان منحهم إمكانيات العمل والبقاء هناك. وإن يكون هدفنا الأول في هذا العمل، تدعيم الإرساليات الموجودة وتأسيس إرساليات جديدة حسب إمكاناتنا...).

وفي نهاية تقريره لفت المطران إينوكنديوس نظر المجمع المقدس إلى ضرورة تشجيع العمل التبشيري، ليس فقط في أمريكا ولكن أيضاً في كل نواحي سيبيريا الشمالية... ولقد كان لهذا الاقتراح الأثر البالغ في قرار المجمع الذي اتُخذ بنقل المركز الرئيسي لأبرشية (كمتشاكا)، باتجاه آسيا... وهذا ما جعل المطران إينوكنديوس يترك أرض أمريكا ليتخذ له مقراً جديداً في دير المخلّص في (ياكوتسك) وذلك في أول أيلول من عام 1853.

العمل التبشيري في سيبيريا الشمالية

كان الشعب الياكوتي في سيبيريا قد عرف المسيحيّة منذ ما يقارب المائتين سنة. لكن تنصرّه اقتصر على تقبّل سرّ المعمودية فقط، وذلك لنيل الامتيازات المادية التي كانت تُمنح للمتنصرين. فالشعب كان مسيحياً بالاسم وفي غالبية الوقت ظل محافظاً على عاداته الوثنية القديمة.

واجه المطران إينوكنديوس هذا الوضع بهمة ونشاط وتصميم، كعادته. ولقد باشر بزيارة المنطقة بأكملها قاطعاً ما يقارب الخمسة آلاف كيلومتراً خلال ستة أسابيع، مستطلعاً حاجات الناس، ومتعمقاً في درسها.

مما لاحظه، حاجات الكنيسة الماسة إلى كهنة إذ كان كاهناً واحداً، يرعى ما يقارب الستة آلاف شخص، فطلب من المجمع المقدس إرسال أعداد أخرى منهم لمساعدته والشعب.

وفي عام 1855 كانت الحرب على الأبواب وذلك بتحالفات فرنسية إنكليزية ضد روسيا. وإذ وصل في تجواله إلى مشارف مدينة (آيان)، علم أنها وقعت في أيدي الأعداء، فدخلها واهتم باللاجئين والسكان وقرّر البقاء معهم تحت الاحتلال. وعندما علم الجيش الإنكليزي بوجوده هناك أتوا للقبض عليه، فقال لهم: (أنتم لستم بحاجة إليَّ، أنا لست مجنَّداً أحمل السلاح ولن أكون مفيداً لكم. كل ما ستكتشفون أنكم ستضطرون لإطعامي)... وبعد أن تحاور معهم لوقت طويل اقتنعوا بإبقائه حرّاً... وبعد أن غادرت جيوش الاحتلال تلك المنطقة، عاد المطران إلى ياكوتسك في أوائل شهر آب عام 1855، دون أن يتمكن من زيارة منطقة (آمور) الذي كان متوجِّهاً إليها.

وفي الثامن من شباط أي في أوائل سنة 1856، غادر ياكوتسك مجدَّداً أو اتّجه نحو اركوتسك، حيث أقنع كاهناً وشماسين وثلاثة علمانيين مساعدين بالذهاب معه إلى منطقة (آمور) والقيام بالعمل التبشيري بين سكانها الصينيين الأصل. وصلوا مدينة (كبياخف) في الخامس من شهر نيسان حيث عيّدوا الفصح فيها. ثم تابعوا سفرهم على نهر (آمور) حتى وصلوا حدود الصين... فكانت تلك الرحلة مناسبة للمطران إينوكنديوس حتى يتعرّف على المنطقة وحاجات شعبها... ويبدو أيضاً أن تلك السفرة جعلته يقدِّر ضرورة وجود أساقفة مساعدين له، واحد في (ياكوتسك) والثاني في (سيتكا). وكتب في تلك الفترة: (لا يمكن أن تبقى الأبرشية على ما هي عليه الآن (من الناحية التنظيمية). لا بد من تغيير جذري). كذلك وفي رسالته هذه التي أرسلها إلى المجمع المقدس في الخامس من شهر شباط كتب أيضاً: (يجب أن تُؤسس أبرشية مستقلّة في منطقة ياكوتيا).

استدعاؤه إلى بطرسبرج

في شهر كانون الثاني من عام 1858 بينما كان المطران إيوكنديوس يستعد للقيام بزيارة رعائية أخرى لأبرشيته وصلته رسالة من المجمع المقدّس تستدعيه للذهاب إلى بطرسبرج والاشتراك في اجتماع المجمع، ففعل ذلك ووصل بطرسبرج في شهر آب.

في بطرسبرج، وجد أن الجو الديني متدنياً وحتى مستوى التدريس في معاهد اللاّهوت كذلك... ولقد كتب قائلاً: (لم يعد المطران هناك (القاعدة والمثل والمعلِّم) بل إنسان (لا بد من وجوده في المدن من أجل الخدم الفخمة وليس إلاّ...). ولمس أيضاً أن الأساقفة أصبحوا في عزلة عن شعبهم الذي كانت تشرذمه التيارات الفكرية الإلحادية المختلفة. أمّا مصدر الانحطاط فكان يكمن في المجمع المقدس وفي عدم سعي أعضائه لتقويم الاعوجاج. وكان المتروبوليت فيلاريت آنذاك على خلاف مع المجمع المقدس ولم يعد يشترك في جلساته من شهر أيار عام 1842... فكتب المطران إينوكنديوس إلى فيلاريت طالباً منه أن يعود ويقود ورشة الإصلاح.

في خضمّ هذا الجو المشحون بالتهاون والأخطار والانحطاط، سعى المطران إينوكنديوس إقناع أعضاء المجمع المقدس حول ضرورة تأسيس أبرشية جديدة في (ياكوتيا) ولكن لم يفلح ولاقى معارضة شديدة من رئيس أساقفة (ياروسلاف)، المطران نيلوس (وكان سابقاً مطران إركوتسك).

وقبل مغادرته بطرسبرج كتب إلى صديقه المتروبوليت فيلاريت شارحاً له الخلاف الذي قام بينه وبين المطران نيلوس، وأخبره أيضاً عن اقتناعه بضرورة وجود وكلاء مساعدين للمطران وأساقفة، كي يتأمّن بوجودهم الاتصال الدائم بالرعايا لخدمتهم والشعب. ويكتب: (هذا ضروري ليس فقط من أجل إقناع الذين تركوا الكنيسة – وهؤلاء الله وحده يمكنه إعادتهم – بل كي نحافظ بواسطة الأسقف وبشارته وكلمة الله المعاشة على أرثوذكسية أبناء الكنيسة. وهذه المهمة تتطلب من الأسقف زيارات منتظمة لكل رعاياه واستعداداً كاملاً للسفر باستمرار لتفقد شعبه وحيث تدعو الحاجة).

تعيين أسقف مساعد في سيتك

بعد عودته إلى أبرشيته، ظل المطران إينوكنديوس يلحّ بالطلب إلى المجمع المقدس إرسال أسقف مساعد له. وفي أوائل عام 1859 وصلت الموافقة. فرُسم الأسقف الجديد على يد إينوكنديوس يعاونه عدد من الأساقفة في التاسع والعشرين من شهر آذار. بعدها سافر مباشرة إلى أمريكا حيث استلم مهام القسم الأمريكي من الأبرشية. أمّا المطران إينوكنديوس فعاد إلى ياكوتسك ليتابع اهتماماته في نشر المسيحية في الأراضي الصينيّة حول نهر آمور والتي كانت قد أُلحقت بالإمبراطورية الروسية نتيجة اتفاق روسي – صيني تمّ التوقيع عليه في السادس عشر من أيار عام 1858.

ترجمة نص الليتورجيا والإنجيل إلى اللغة الياكوتية:

بعد إلحاق منطقة (ياكوتيا) أبرشيته عام 1857، كلّف المطران إينوكنديوس لجنة بنقل الإنجيل والنصوص الليتورجية الأساسيّة إلى اللغة الياكوتية، وكان هو يشرف على تنقيح هذه الترجمات، مخصِّصاً مسائين في الأسبوع للقيام بهذا العمل الذي أنهاه صيف 1859. وفي التاسع عشر من شهر تموز من العام نفسه أُقيم القداس الإلهي باللغة الياكوتية لأول مرّة.

وكان هذا الإنجاز هو من الأهم لإقناع الشعب الياكوتي بالدين المسيحي واحتوائه في قلبه وحياته اليوميّة.

تعيين أسقف مساعد آخر

في العاشر من شهر شباط عام 1860، وصلت موافقة المجمع المقدس لرسم أسقف مساعد لإينوكنديوس على منطقة ياكوتيا. وكانت رسامته في السادس من شهر آذار وبعد أسبوع من إطلاع المطران، الأسقف على وضع الشعب والبلد الذي يقصد، غادر الأسقف إلى ياكوتسك واستلم مهامه الجديدة.

الاهتمام بالمناطق الجنوبيّة من أبرشيته

بعد أن نجح في تأمين رعاية صالحة للقسم الشمالي والشرقي من أبرشيته الواسعة، أصبح للمطران إينوكنديوس مزيداً من الوقت للاهتمام بالمناطق الجنوبيّة، أي بمنطقة اللآمور ومنطقة كمتشاكا ذاتها.

بعد استعداده القيام بزيارة رعائية لتلك المنطقة مرض، فتأجّلت زيارته إلى أواخر شهر نيسان. فذهب متفقداً منطقة آمور لدرس حاجات شعبها، ومن ثم مكث مدة شهرين في مدينة (بلاغونيشكنسك) حيث كان قد بوشر ببناء كاتدرائية مع منزل للمطران ودير وفقاً للتصاميم التي وضعها لهم المطران إينوكنديوس.

من هناك همّ بالسفر إلى كمتشاكا، لكن حالة الطقس والعواصف حالت دون وصوله إليها، بعد تكسّر السفينة باليم والعاصفة. وبعد بضعة أيام وُجدت باخرة عسكرية متّجهة إلى اليابان في التاسع من شهر أيلول، فاستقلّها المطران إينوكنديوس وصحبه فوصلوا اليابان في التاسع من شهر أيلول، حيث حلّ هو ضيفاً على القنصل الروسي في اليابان، بينما سكن صحبه في منزل الأب (نقولا كاساتكين) (4) رئيس البعثة التبشيريّة الروسية إلى اليابان.

أثناء فترة وجوده في اليابان، أعطى المطران إينوكنديوس الكثير من النصائح والإرشادات للأب نقولا عن كيفية التعامل مع تلك الشعوب، منطلقاً من خبرته الواسعة البشارية في تلك المنطقة، ولقد شجعه كثيراً على تعلّم اللغة اليابانية. فكان لتلك النصيحة التي عمل بموجبها الأب نقولا، الأثر الكبير في نجاح عمله التبشيري وفي الترجمة التي أنجزها فيما بعد للكتاب المقدّس وللكتب الطقسيّة.

وكان المطران إينوكنديوس يحب كثيراً الأب نقولا إذ كتب فيما بعد إلى أحد أصدقائه: (إذا ذهبت إلى اليابان، سترى بنفسك أن الكنيسة هناك وكيف تنمو وتحظى بمعونة الله المباشرة... إذ أن الله اختار لرعايتها أناساً حسب قلبه).

وفي الخامس من شهر تشرين الأول، وصل المطران إينوكنديوس إلى مرفأ (بتروبافلوفسك)، ومن هناك زار ذلك القسم البعيد من أبرشيته. وبعدها عاد إلى (بلاغونيشكنسك) وذلك في خريف 1862.

تعيين إينوكنديوس عضواً في المجمع المقدّس

في الرابع من شهر نيسان عام 1865، عُيِّن المطران إينوكنديوس عضواً في المجمع المقدّس الروسي والذي لا يضم كل مطارنة الأبرشيات، بل بعضاً منهم.

لكن صحته كانت تسوء في تلك الفترة، وكتب إلى المتروبوليت فيلاريت ما يلي: (شكراً لله إن صحتي ما تزال جيّدة بالرغم من عمري. فلقد بلغت الآن التاسعة والستين من العمر، ومنذ فترة شحّ نظري ولم أعد أستطيع التركيز جيّداً في عيني اليسرى، ولا أدري كيف سيتطور الوضع، كذلك فإني أحس ضعفاً في ذاكرتي... كذلك وبكل إخلاص عليَّ أن أعترف بأني لم أعد أستطيع القيام بأية خدمة إلاّ في مقر أبرشيتي... لذلك فإن تعييني كعضو في المجمع المقدس يقلقني. لذلك فإني أرجو قداستك أن تتوسَّط لدى المسؤولين حتى لا أُعيَّن في أي مركز)...

وفي كانون الأول من عام 1866، أعاد المطران إينوكنديوس الكرّة وكتب إلى المتروبوليت فيلاريت طالباً إليه أن يساعده في إيجاد مقر له كي يتقاعد في موسكو... فأتاه الجواب هكذا: (سنجد لك مقراً في أحد أديرة موسكو. لكني لا أريد لشعبك أن يخسرك... انتبه لعينيك وليحفظ سيّد النور عينيك!... أمّا إذا ضعفت قدرتك على الرؤية، فإن الله يستطيع أن ينير الكثيرين بواسطتك، بواسطة كلامك وتوجيهاتك وخبراتك الإدارية... أصلّي أن يلهمك الله لما يرضيه وينفع كنيسته. صلّي من أجلي...).

إينوكنديوس متروبوليت موسكو

في التاسع عشر من شهر تشرين الثاني عام 1867 توفي المتروبوليت فيلاريت. وفي التاسع عشر من شهر كانون الثاني عام 1868 عُيِّن المطران إينوكنديوس خلفاً له. وفي الخامس عشر من شهر شباط بدأ سفره إلى موسكو التي وصلها في الخامس والعشرين من شهر أيار.

من إحدى العظات التي ألقاها في إحدى حفلات استقباله نقتطف ما يلي: (من أنا حتى أتجاسر قبول خلافة من سبقوني؟... ما زلت أنا طالباً، بعد هذا العمر، خدمت في بلاد بعيدة، لست إلاّ خادماً متواضعاً في حقول السيّد الصغيرة، معلّم للأطفال والرّضع في الإيمان... فكيف لي، أنا الحقير، أن أجرؤ على العمل في (عريشة) كبيرة ومجيدة وقديمة للمسيح، مثل هذه التي أوكلت إليَّ ؟!...

من سلفي المتروبوليت فيلاريت، ومن أنا؟... ليس بالإمكان المقارنة... لكن مَن أنا حتى أقف ضد مشيئة الله، ضابط الكل السماوي، الذي بدون مشيئته لا تسقط شعرة من رؤوسنا ؟... أو مَن أنا حتى أعاكس قرار مليكنا الأرضي الذي وضع قلبه بين يدي الله ؟... كلاّ!... لذلك قلت لنفسي. لتكن مشيئة الله، وكما أراد السيّد. سأذهب إلى حيث دُعيت. لذلك ترونني الآن هنا معكم... باركني يا سيّد كي أبدأ عملي... يا ربي وسيّدي أنا لك وأريد أن أكون لك دوماً وفي كل مكان!... اصنع منّي ما تريد في هذه الحياة وفي الحياة الآتية. ويا ليتني أكون على هذه الأرض أداة بين يديك فقط!...).

وبالرغم من تدهور صحته وضعف نظره، فإنه كان يستيقظ كل يوم في الساعة الرابعة، ليشترك في القداس الإلهي، ثم يبدأ العمل في التاسعة... وما عدا بضع ساعات يخصِّصها للراحة بعد الغذاء فإنه كان يعمل كل النهار، حتى الساعة التاسعة مساءً حيث كان يقيم صلاة النوم، وينام في الساعة العاشرة، كل مساء.

كان وكلاؤه يرسلون له التقارير الأسبوعية حول أوضاع أبرشياتهم ليبقى على اطلاع على كل أوضاع وحاجات الشعب... وكان يستقبل في مقرّه في موسكو ما يقارب الثلاثماية إنسان في الأسبوع... كان يستمع إلى مشكلاتهم ويعزّيهم وغالباً ما يلبّي طلباتهم ويساعد المحتاجين منهم من أمواله الخاصة كما كان يستعمل أموال الكنيسة لهذا الغرض أيضاً. وهو في ذلك المركز الرفيع، فلقد حافظ المتروبوليت على وداعته وبساطته وروح النكتة التي كان يتحلّى بها. بذلك أحبّه الكل والتفّوا حوله وحول الكنيسة.

لكن (الماء الزرقاء) ازدادت، فلم يستطيع الرؤية في إحدى عينيه، وقد طلب منه الأطباء – ولكن بدون جدوى – أن يمتنع عن الأعمال المكتبية، وعن القراءة.

وفي العاشر من شهر أيار عام 1872 أُجريت له جراحة في أحد عينيه، لكنها لم تتكلل بالنجاح، فانحجبت عنه الرؤيا في عين واحدة. أمّا العين الثانية، فكان نظره فيها ضعيفاً جداً... ومخافة منه أن يؤدّي هذا الوضع إلى عدم إتمامه واجباته الرعائية على أكمل وجه، طلب أن يُعفى من مسؤولياته، فلم يرض الإمبراطور. فأذعن واستمر في الخدمة.

وبالرغم من وضعه الصحّي هذا، كانت فترة تولّيه أبرشية موسكو فترة مباركة وخصبة بالعمل، كما أنه لعب أيضاً دوراً مهماً في أعمال المجمع المقدس، حيث دعا إلى الإصلاح في ميادين عدّة في حياة الكنيسة ومدارسها الاكليريكيّة ومعاهد اللاّهوت فيها وانفتاحها على العالم... كما أنه ترأس نهضة للحفاظ على التراث الفني للكنيسة الروسية، وأخيراً عمل على تأسيس الجمعيّة الأرثوذكسية للتبشير والذي ثُبتت بقرار إمبراطوري في الواحد والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1869.

الجمعيّة الأرثوذكسية للتبشير

كتب المتروبوليت إينوكنديوس حول تأسيس الجمعية ما يلي: (ارتضى الله أن أبقى قريباً من العمل التبشيري حتى وأنا في موسكو، في وسط روسيا وفي أواخر حياتي، هذا العمل التبشيري الذي، بمشيئة الله، كرّست له كل حياتي تقريباً...).

وفي الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني عام 1970 ترأس إينوكنديوس القداس الإلهي الذي أُقيم في كاتدرائية رقاد السيدة في الكرملين في موسكو احتفالاً بتأسيس الجمعية، ورمزاً لبدء أعمالها. وكان القداس رائعاً كما دوّن أحد المشتركين فيه:

(كان مناسبة فرح عميق لجميع المشتركين... فشكرٌ لله!... كنّا ننتظر هذا اليوم حيث يشترك العلمانيون ككل بأخوّة كبيرة مع السلطات الكنسيّة، في مشاريع مشتركة لخير الإيمان الأرثوذكسي والكنيسة. وقد حان الوقت أن نعود لتبنّي النظرة الأرثوذكسية الصحيحة حيث يجتمع جميع الأخوة معاً من اكليروس وعلمانيين في الحياة الإيمانية الواحدة والمشتركة في الكنيسة... وأن نتخلّى عمّا تأثّرنا به من مدٍّ غربي أبعد العلمانيين عن الخدمة مع الاكليروس، فالكهنة هم فقط خدام الكنيسة والشعب.

لذلك فأمور الإيمان هي في مسؤولية واهتمام الاكليروس والعلمانيين على حدّ سواء. وفي مثل هذه الوحدة تكمن قوة الكنيسة الأرثوذكسية الحقيقية...).

بدأ الاجتماع الأول للجمعيّة بعد القداس الإلهي وبحضور ما يزيد عن ماية وخمسين شخصاً من كبار الاكليريكيين والقضاة والجنود والموظفين والنواب وأساتذة الجامعات وممثلين عن منظمات متعددة. بعد أن رتّل الجميع تراتيل العنصرة، ألقى المتروبوليت إينوكنديوس خطبة قال فيها:

( إخوتي، لقد سمعتم أن هدف جمعيتنا يكمن في تنصير من لا يؤمن بالمسيح مخلِّصاً وفادي... وهذا عمل مهم ومقدّس ورسولي حقاً. ولكي يحظى عملنا بالنجاح الذي نرجو – حتى في أبسط مشاريعنا – لا بدّ لنا من تأمين (إضافة إلى الإمكانيات الماليّة)، الفهم والمعرفة والخبرة والمهارة والعمل والنشاط. وعندما نؤمِّن كل هذه، سيكون لنا الأمل بالنجاح.

لكن كل هذه الأمور التي ذكرت، لن تكفي لتكون السبيل الأكيد لإيصالنا إلى هدفنا. لماذا ؟... لأن هداية الإنسان إلى طريق الإيمان والحقيقة يرتكز كلّياً على الله... قال السيّد، لا يقدر أحد أن يقبل إليَّ، إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني (يو 44:6).

إذاً، ماذا علينا أن نفعل؟!. وكيف نبدأ؟... علماً أن الحصاد كبير في بلدنا... (فصلّوا لرب الحصاد)... هكذا يعلِّمنا يسوع في إنجيله (متى 38:9)، إذاً، أولاً وقبل كل شيء، علينا أن نصليِّ... أن الصلاة تبقى في أمور البشارة والاهتداء، الأداة الصالحة والأساسية... لأنه بدونها لا يمكن لأحد أن ينتظر النجاح، حتى ولو أمّنَ أفضل أساليب النجاح...

والصلاة ليست وقفاً على المبشرّين والعمّال فقط، بل علينا كلّنا أن نصلّي. علينا أن نكمل عملهم ونساعدهم ونعضدهم بالصلاة. بماذا علينا أن نصلّي من أجله ؟... أولاً، أن يرسل السيّد فعلته من أجل الحصاد. ثانياً، أن يفتح قلوب الذين يستمعون إلى الإنجيل. ثالثاً، أن يزيد عدد أعضاء جمعيتنا أكثر فأكثر. رابعاً وأخيراً، أن يقوِّينا الرب الإله ويثبِّتنا في هذا السعي وفي هذا العزم حتى نصل إلى هدفنا...).

بعد تلك الانطلاقة، امتدّ وتوسّع عمل الجمعيّة بسرعة، ولاقت تشجيعاً عارماً من كافة أبناء الشعب الروسي في سائر الأبرشيات.

علاقة إينوكنديوس بعائلته:

عند وفاة زوجة إينوكنديوس عام 1839 بقي الأولاد السبعة في إركوتسك. لكن وبعد تدخل المتروبوليت فيلاريت ومساعدة العائلة المالكة نُقلوا إلى بطرسبرج. فوُضع الصبية في مدرسة إكليريكية والفتيات في مدرسة للبنات.

* وكان ابنه الأكبر (اينوكنديوس) صليبه. كان الطفل الرابع بعد الثلاثة الأول الذين توفوا وهم صغار. وفي عام 1845 ترك المدرسة وأعلن عن عدم رغبته الاستمرار في الطريق الاكليريكية... وكتب المطران إينوكنديوس عنه قائلاً: اينوكنديوس، هو رابع أولادي، أمّا الذين وُلدوا قبله فلقد ماتوا في سن صغير وهو كاد يموت أيضاً، لكني انتشلته بالقوة من أيدي الموت. (أو أيدي الله إذ الاثنين سواء) والله بتحننه عليّ أبقاه لي سالماً. لكنه استعمله في الوقت ذاته ليؤدبني. وأنني أقبل هذا التأديب، بل هذا الصليب بكل تواضع. فلو تركته يموت لكان الآن في مدرسة السماء مع أولادي وإخوته الآخرين وكنت قد نسيته. أمّا الآن فالله فقط يعلم ماذا سيحل به... فلتكن مشيئة الله!).

سعى المطران عدّة مرات معرفة مصير ابنه بعد تركه المدرسة. فأرسل له بواسطة الأصدقاء تأكيدات أنه لا يزال يحبّه. وكتب إلى رئيس المدرسة الاكليريكية:

(أينما كان ومهما أصبح – حتى لو صار مصدر خجل لي – فإنه سيبقى ابني وسأبقى أدعوه يا ولدي، وسأكون دائماً على استعداد للاهتمام به إذا دعت الحاجة. أرجوك من أجل الله ألاَّ تتركه... وإذا احتاج لأي شيء فأعطه إياه، وأرجو أن تؤمِّن له المأكل على حسابي وأنا سأدفع له كل شيء).

وفي عام 1846 علم أن ابنه اينوكنديوس هذا التحق بالجيش ثم وبعد سنتين تزوّج. وقد وصل والده المطران خبراً في عام 1852 أنه حُكم عليه بالسجن مدة سنتين.

* أمّا ابنه الثاني جبرائيل فقد كان تعزية لوالده إذ أصبح شماساً ورُسم كاهناً بعد أن تزوّج وخدم في أبرشية والده في (أيان) من عام 1851 حتى مرافقته لوالده المطران إلى موسكو وخدمته له في آخر أيامه.

* أمّا ابنته البكر كاترينا، فإنها قد تزوّجت عام 1839 وأصبحت زوجة كاهن، خدم في أبرشية عمّه المطران إينوكنديوس في سيتكا، ثم في منطقة آمور.

* أمّا ابنته الثانية أولغا، فتزوّجت في بطرسبرج من ابن عائلة إكليريكية شهيرة. لكن ما برح أن توفي زوجها وهي أيضاً في عام 1853 تاركين ابنة.

* أمّا ابنته الأخرى تقلا فلقد تزوّجت أيضاً في بطرسبرج وأصبحت زوجة كاهن.

* والابنة الرابعة باراسكيفيا فلقد اختارت الحياة الرهبانية مما أفرح قلب القديس والدها إينوكنديوس جداً ولقد شجّعها ووجّهها في طريقها هذه بعدد من الرسائل، نقتطف منها بعض المقاطع.

في سؤال لأبيها كي يعلّمها ما هو الخلاص كتب: (يا عزيزتي... لقد ابتدأت تعلّم طريق الخلاص منذ زمن طويل، لكني مازلت في أول الطريق، اتهجّى الألف باء... والله وحده يعلم ما إذا كنت سوف أصل إلى مرحلة القراءة ومتى... لكني سأنقل لك بكل فرح ما أعرف أو بالأحرى الذي أتذكر من إرشادات الناس لي، وأراهم حول الخلاص.

تقولين، ليس لديك تواضع ولا طاعة وأنك كسولة في الصلاة. إن التواضع الحقيقي هو نعمة وهبة من الله، يا عزيزتي، بالتالي لا يمكنك الحصول عليه بمجرّد ابتغائه. عليك استحقاقه. وهذا لن يكون إلاّ إذا أنكرت نفسك كلّياً ولم تعتبري نفسك أرفع من أي إنسان كان، في أي مكان وفي أي موضوع.

كذلك، يجب أن لا تتجرّأي بالحكم على الآخرين، أو أن تغضبي على أحد، أو أن تظنين نفسك بريئة وتملكين الحق أمام الآخرين.

يا ابنتي، عليك أن تعتبري نفسك مثل الرماد وبالتالي يمكن لأي إنسان أن يدوس عليك... إذا توصَّلت إلى هذه الدرجة حتى التواضع، فستصلين طبيعياً إلى الطاعة.

تقولين أنك كسولة في الصلاة، حاربي نفسك وكسلك، لا تيأسي إذا تملكك الكسل من وقت لآخر... لكن إياك أن تستسلمي له... استعملي كل قواك لمناهضته. والرب سيرى رغبتك الحارّة في مجابهته وسيساعدك فتقوين عليه... يا ابنتي، لا تعتقدي أبداً، أنه سيكون بإمكانك على هذه الأرض أن تصلي إلى حالة لا تضطرين معها إلى محاربة ذاتك وروح الشر الساكنة في كلٍ منّا... لا! فالأرض ليست الفردوس المنتظر... وفيها لا توجد راحة أبديّة... فنحن هنا نحيا في ساحة للقتال وفي مدرسة...).

وفي إحدى رسائله الأخيرة إلى ابنته كتب: (يا ابنتي، لا أستطيع أن أعلَّمك الحياة الرهبانية لأنني لم أكن أبداً راهباً (طبيعياً)... فأنا لا أعرف بالخبرة (المعاشة) ماذا تعني هذه الحياة منذ بداياتها. فالذي عاش منذ أول حياته في الدير يستطيع أن يعلم ما هي الحياة الرهبانية... ماذا أقول لكِ؟!... اقرأي الكتاب المقدس والأناجيل وصلّي... هذا كل شيء... وليسامحنا الله جميعاً ويرحمنا... وليكن الله معك إلى أبد الآبدين. آمين...).

وفاة المتروبوليت إينوكنديوس

لم يكن الموت عائقاً أو هاجساً أو حتى شاغلاً لإينوكنديوس. كل ما طلبه من المحيطين به أن يلبس ثياباً متواضعة وفقيرة وغير سوداء عندما تأتي الساعة... بل كان يعيش من دون أي خوف من الموت. ولقد كتب عن بعض الشعوب الوثنيّة:

(إنهم لا يخافون الموت! لماذا؟... لأنهم لا يعرفون ما يحدث وراء الموت. كذلك الشهداء المسيحيون، فإنهم لم يخافوا الموت. لكن لسبب آخر، لأنهم كانوا يعرفون ويشعرون، ماذا سيحدث لهم بعد الموت. بالتالي فإن الذين لا يعرفون والذين يعرفون أي يحسّون ويشعرون ماذا سيحدث بعد الموت، لا يخافونه. أمّا نحن الذين نعرف فقط، ولكن بدون أن نصل إلى يقين الأمور التي نرجو، فلا يسعنا إلاّ أن نخاف الموت).

مع مرور الأيام، أقعده المرض، لكنه ظلّ يواظب على السؤال عن أحوال الشعب وسير الأمور في أبرشيته طالباً تقاريراً منظمة عن سير الأعمال... قبل وفاته بأربعة أيام، وكان مقعداً لا يستطيع النهوض من فراشه سأل وكيله: (هل من عمل جديد عليّ أن أقوم به؟)، وعندما أجابه ذاك: (يا سيّدي لا تفكِّر بالعمل، استرح فقط)، قال له إينوكنديوس: (لكني أشعر بملل من قلة العمل).

وفي يوم السادس والعشرين من شهر آذار، وكان يوم الاثنين العظيم، طلب من أبيه الروحي الاستماع لاعترافه... وفي السابع والعشرين طلب أن يُعطى سرّ الزيت المقدس، وبعد انتهاء الخدمة، طلب المغفرة من جميع الحاضرين، ومنحهم بركته... وفي الثامن والعشرين مساء، طلب من أحد مساعديه أن يبدأ خدمة قداس الخميس العظيم باكراً جداً، كي يتسنى له المناولة... فبدأوا الخدمة في الثانية صباحاً، وقبل المناولة، ردّد إينوكنديوس الإفشين بصوت مرتفع واقتبل الجسد والدم الكريمين بفرح عظيم قائلاً: (الآن لن يقول أحد، أنهم ناولوني بعد مماتي).

وفي الواحد والثلاثين من شهر آذار، أي يوم السبت العظيم المقدّس أسلم روحه عن اثنين وثمانين سنة... وقد جرت خدمة الجناز يوم الأربعاء من الأسبوع الجديد وسط احتفالات مهيبة وتجمعات شعبية كبيرة جداً. ودفن يوم الخميس في السادس من شهر نيسان في كنيسة القديس (فيلاريت الرحوم) في موسكو وقد نُقش على قبره: (فليذكر الرب الإله رئاسة كهنوتك في ملكوته الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. بصلوات أبينا المطران إينوكنديوس، أيها الرب يسوع المسيح إلهنا، ارحمنا، آمين).

إعلان قداسته

أعلن المجمع المقدس للكنيسة الروسية قداسة المتروبوليت إينوكنديوس في السادس من تشرين الأول عام 1977 وقد دُعي، القديس إينوكنديوس، (مبشِّر الأليوثيين ورسول أمريكا).

 

 


(*) اقتبس الأستاذ ريمون رزق سيرة القديس إينوكنديوس الواردة في القسم الأول من هذا الكتاب من كتاب

Paul D. Garrett، St. Innocent، Apostle to America

St. Vladimir's Seminay Press

Crestwood، NY 10707

وقد سهرت هدى زكا على مراجعة الترجمة وصياغة وضبط لغتها.

[هذا هو القسم الأول من كتاب "اينوكنديوس كارزو ألاسكا". رقم 10 ضمن سلسلة "القديسون" لمنشورات النور، والقسم الثاني وهو مضمون بشارة القديس اينوكنديوس بعنوان "الطريق إلى ملكوت السماء" تجده على هذا الرابط هنا... (الشبكة)]

(1) الكياك هو مركب صغير مثل (الشختورة)

(2) راجع نصه في القسم الثاني من هذا الكتاب (الناشر)

(3) كان يوجد آنذاك أربعة وعشرين كنيسة وسبعة وثلاثين بيت للصلاة إضافة إلى ثلاثة كنائس كانت في طور البناء وأربعة موضوعة أساساتها. كذلك كانوا يبنون تسعة عشر بيتاً جديداً للصلاة.

(4) وقد أصبح الأب نقولا فيما بعد مطراناً، وتوفي في عام 1912 كرئيس أساقفة. وقد أعلنت الكنيسة الروسية قداسته عام 1970 (كرسول اليابان).... [راجع سيرته  ضمن سير القديسين في الشبكة... (الشبكة)]

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع