Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


مصادر فكره

          يرى Quasten أن تعاليم كاسيان الروحية تعتمد على الكتاب المقدس بجانب ارتباطه بالفكر اللاهوتي السكندري، خاصة في تفسيره الروحي لنصوص الكتاب المقدس.

          إنه هو الصوت الذي نقل ما في الشرق، خاصة ما في مصر، إلى الغرب[1]. اعتمد على إكليمنضس السكندري وأوريجينوس في نظريته عن الأهواء أو الشهوات، واستوحى تعليمه عن نقاوة القلب من أوريجينوس وعن الخطايا الثمانية من القديس أوغريس. في كاسيان نجد مفاهيم "المعرفة الروحية" والصلاة التأملية مقتبسة من أوريجينوس وأوغريس إما مباشرة أو أخذ الكل من مصدر مشترك. (*a)

منهجه الروحي

الحاجة إلى النمو الروحي
          جاءت كتابات القديس يوحنا كاسيان سواء في "المؤسسات لنظام الشركة" أو "المناظرات" تتفق مع كلمات الرسول بولس القائل: "صادقين في المحبة ننمو في كل شيء إلى ذاك هو رأس المسيح" (أف16:4)، "إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غلا19:4). وقد جاءت الكلمة "يتصور morphosis" في اليونانية تحمل معنى النمو واجتياز مراحل الكمال التي لا تنتهي[2].

          يرى كاسيان أنه يوجد نظام محكم ودرجات متمايزة، بها يرتفع المتضع إلى الأعالي. يتحقق هذا بالتقدم في فضائل الاتضاع مع المحبة والصلاة وجحد الذات الخ[3]. هذا التقدم هو صراع لا ينقطع، إذ يليق بالمؤمن أن يصعد على الدوام على السلم المتجه نحو اللَّه[4].

الحياة الروحية في خبرة كاسيان هي تمتع بنعمة الله كبذار تلقى في القلب، تنمو خلال الجهاد الروحي السليم، فتصعد النفس خلال الاتضاع  والطاعة من الخوف إلى كمال الحب الإلهي. وكما جاء في الفصل 43 من الكتاب الثاني للمؤسسات أن السلم الذي تصعد نفس المؤمن درجاته هي:

·          مخافة الرب التي تولد الندامة.

·          والندامة تفيض بجحد الأمور الزمنية والاستخفاف بها.

·          وهذه تهب اتضاعًا.

·          والاتضاع يلد إماتة عن الشهوات.

·          وهذه تستأصل الأخطاء.

·          بذلك تبزغ الفضائل كنبتة جديدة في الغصن.

·          هذه الفضائل تهب نقاوة القلب.

·          والنقاوة تكسب النفس كمال الحب الإلهي.

 هذه الصور تتكرر بشكل أو بآخر في كتاباته لكي تبعث في المؤمن روح الجهاد المستمر بغنى نعمة الله حتى يبلغ الكمال الروحي.

 وكما جاء في المناظرة 13:6-15 أن التقدم مستمر بلا انقطاع حيث يرتفع بنا السلم نحو الله، وأما التوقف فهو تقهقر ونكوص.

الإنسان الداخلي
          الإنسان الداخلي عند كاسيان: "هو ذاك الذي يكرس نفسه بالتمام للعمل الداخلي للجهاد ضد الأفكار[5]" الشريرة لينعم بالفكر السماوي.

قدسية الحياة اليومية

          كشف لنا القديس يوحنا كاسيان في كتابه "المؤسسات لنظام الشركة" الكتاب الرابع، الفصل العشرين، عن نظرة المؤمن إلى حياته المقدسة. فالراهب - كما أوضحه هذا الفصل - لا يرى القدسية في الترنم بالمزامير أو ممارسة الصلوات والمطانيات والاصوام والخدمة فحسب، لكنه يتطلع إلى كل ما يدخل الدير كأمر مقدس، حتى بعض حبات من العدس الساقط سهوًا على الأرض، أو تقديم كوب ماء، أو غسل إناء، أو تنظيف قلايته… إنه يمارس هذا العمل في حضرة الله. كل شئ في عينيه مقدس.

          نظرة إيمانية رائعة تحول المؤمن إلى ملاك سماوي، يرى يد الله تبارك أكله وشربه ونومه وخدمته ودراسته وعمله اليومي. إنه إنسان الله الذي يتحرك كوكيل الله العامل باسمه ولحسابه، والمترقب مكافأته السماوية له.

الكتاب المقدس والصلاة النارية

يربط كاسيان بين الكتاب المقدس والصلاة النارية، كل منهما يسند الآخر بعمل الروح القدس. نلاحظ أن العملين: "المؤسسات" و"المناظرات" يضمان اقتباسات كثيرة من الكتاب المقدس. إن كان ملكوت الله هو الغاية النهائية للحياة الروحية، فإن قراءة الكتاب المقدس والتأمل فيه يحققان ذلك. لقد كرس كاسيان المناظرتين 9،10 والفصلين 2،3 من "المؤسسات" للحديث عن الصلاة.

          صلوات السواعي إلزامية، وعمل الراهب هو أن يحول تلاوة المزامير إلى صلوات شخصية تمس علاقته الخاصة بالله إلهه. وأيضًا في دراسة الكتاب المقدس لا يقف الراهب عند القراءة أو التلاوة، بل يحول النصوص إلى تأمل صادر عن أعماقه، فتصير كلمات الكتاب المقدس كأنها صادرة منه كصلاة شخصية[6].

          في دراسة الكتاب يكتشف الراهب "ذاك الذي أعلن عن كلمته"وراء النص. هذا يقوده إلى حوار شخصي بينه وبين الله، فيتحول النص الكتابي إلى صلاة دائمة.

          يتحدث كاسيان عن الصلاة النارية الواهبة استنارة سمائية، بالتطلع الدائم على الله وحده، نار الحب ونوره[7]!

الحرب الروحية

          تحتل الحرب الروحية مركزًا  هامًا في روحانية كاسيان[8]. فالصراع هو الوسيلة التي تمدنا بالكمال الروحي[9]، وشهادة على ثبات النفس[10]، تجعل حرية الإنسان كاملة[11].

          الصراع ضد الشياطين الذي عبرت عنه سيرة الأنبا أنطونيوس بقلم القديس أثناسيوس صار أمرًا رئيسيًا في كتابات كاسيان كجزء أساسي في تقليد حياة البرية. لكن ما يؤكده كاسيان أن الشياطين لن تقدر أن تهزم المؤمنين الحقيقيين[12]، فالنفس قادرة على التمتع بروح النصرة إن أرادت ذلك ورفضت الاستعباد له.

الخطايا الثمانية

          يقدم لنا القديس يوحنا كاسيان ثمانية كتب تعالج الثمانية أفكار الشر، وقد جاءت في عمله "المؤسسات لنظام الشركة" ك8-12. جاء هذا العمل على نمط كتاب مار أوغريس البنطي: "أفكار الشر الثمانية"، الذي أخذه عن فكر آباء برية مصر[13]. في نهاية القرن الخامس تساءل جيناديوس من مرسيليا Gennadius of Marseilles إن كان أوغريس هو أول من قدم هذا التعليم[14]. أخذ كل من القديسين أوغريس وكاسيان بنظرية الخطايا الثمانية التي تحارب الإنسان نقلاً عن الفكر السكندري. فقد رأى أوريجينوس[15] في الأمم السبع التي حاربتها إسرائيل في كنعان تحت قيادة يشوع رمزًا للخطايا السبع بجانب مصر التي خرج منها الشعب[16].

          صار لهذه النظرية أهميتها في التقليد النسكي الشرقي كما في الغربي. الاختلاف بين القائمتين في الشرق والغرب هو إنه في الغرب احتل فكر "الحسد" عوض "الكآبة" في الشرق، ربما لأن الحسد هو عامل رئيسي في كآبة النفس. وعوض "الضجر" في الشرق يستخدم "الكسل" في الغرب. أخيرًا في الغرب يضمون "المجد الباطل" إلى "الكبرياء" بكونهما خطية واحدة.[17]

النهم

          يميز كاسيان بين النهم الذي يدفع الراهب ليأكل قبل المواعيد المحددة وذاك الذي يقوده ليأكل بلذة وشهوة[18]. ويؤكد أننا لا نستطيع أن نستهين بملذات الطعام المقدم لنا ما لم يجد الذهن فرحًا أعظم في التأمل في الإلهيات[19].

الكبرياء

          هو أن ينكر الإنسان أن الله هو معينه[20].

الحياة الفاضلة

          الفضيلة - عند كاسيان - هي تلك التي من خلالها نُعطي ملكوت قلبنا… للمسيح[21]. الفضيلة الأولى هي نقاوة القلب ومن أجلها نطلب الوحدة ونلتزم بالخضوع للأصوام والسهر الخ[22].

حياة التأمل

          التأمل هو أن "يعتني الإنسان بملكوت الله خلال معرفة أمور الروح[23]. غاية التأمل في نظر كاسيان هو الاقتداء بالملائكة[24]، لكي ننعم برؤية الله، وتتحول بريتنا إلى فردوس، وننال عربون الأبدية.

الموت

          بموت السيد المسيح تحولت نظرتنا إلى الموت من العقوبة بسبب الخطية (*b) إلى تمتع بالشركة مع السيد المسيح، شركة الحب الباذل. لهذا يرى كاسيان أن الراهب هو ذاك [الذي يضبط عواطف النفس وينسى الأضرار ويكره الكآبة ويحتقر الأحزان والخسائر كما لو كان في كل يوم على حافة الموت.][25]

     الشعور بالوقوف على حافة الموت عند المؤمن لا يدخل به إلى نظرة تشاؤمية تحطم نفسه، بل تفتح بصيرته على أبواب السماء فتتهلل أعماقه وينسى كل ما يحل من أضرار وخسائر ويبغض روح الكآبة والقنوط ليشارك السمائيين فرحهم.

 

 


(*a) قد قال مترجم ومعد هذا الكتاب، القمص تادرس يعقوب ملطي، في الفصل الخاص بحياة: في نهاية حياته -أي القديس كاسيانوس- أشار إلى القديس يوحنا الذهبي الفم بكل وقار، قائلاً: "ما أكتبه علمني إياه يوحنا، واعتبر ما اكتبه يُنسب إليه أكثر من أن يُنسب إليَّ. فإن المجرى يصدر عن الينبوع، وما يُنسب للتلميذ يلزم أن يُنسب بالكامل لكرامة المعلم (De Incarn ., 7:30.). كما يقول أيضاً في الفصل السابق: "يبرر البعض موقفه بأنه تأثر بالقديس يوحنا الذهبي الفم" (Ferguson, p. 180). وقد ورد أيضاً في نشرة رعيتي 25 شباط 2001، عن القديس القديس يوحنا كاسيانوس، التالي: حافظ القديس كاسيانوس على الأمانة للآباء الشرقيين لا سيما الذهبي الفم والآباء الكبادوكيين. (الشبكة)

[1] Quasten: Patrology, vol. 4, p. 522.

[2]  Tomas Spidlik: The Spirituality of the Christian East, Michigan 1986, p. 68.

[3] Conference 10:7.

[4] Conference 6:13ff.

[5] Julien Lerory: Le cénobitisme chez Cassien, Revie d'Ascétique et de Mystique, Toulous, 4,3 (1967) 155.

[6] Conference 14:10.

[7] Conference 9:25.

[8] Owen Chadwick: John Cassian: A Study in Primitive Monasticism, Cambridge, 1940, p. 95ff.

[9] Conference 18:3.

[10] Conference 4:6-7.

[11] The Institutes 12:14.

[12] Conference 7:19ff.

[13]  القمص تادرس يعقوب ملطي: الفيلوكاليا ج1،1993، ص130.

[14]  De Viris Illustribus 2.

[15] In Josh. Hom. 15:5.

[16] Conference 5:17-18.

[17]  Cf. Tomas Spidlik: The Spirituality of the Christian East, Michigan 1986, p.248-9.

[18] Conference 5:11.

[19]  Institutes 5:14.

[20] Institutes 12:9-11.

[21] Conference 1:13.

[22] Conf. 1:7.

[23] Conference 1:14.

[24] Conference 10:7.

(*b) [إن الأب تادرس يعقوب ملطي، يضع هنا رأيه وينقل مفهومه للموت ولا يضع رأي القديس يوحنا كاسيانوس بحسب المرجع الذي وضعه كحاشية لمتن النص في الحاشية التالية. وهو مُخطئ ومخالف لتعليم آباء الكنيسة حول الموت. فلم يرَ آباء الكنيسة في الموت عقوبة، بل هو نتيجة وقد تم بسماح الله لكي لا يبقى الإنسان في الخطيئة إلى الابد. ونضع هنا بعضاً من أقوال القديس أثناسيوس الكبير:

ولكن لعلمه أيضًا أن إرادة البشر يمكن أن تميل إلى أحد الاتجاهين (الخير أوالشر) سبق فأمّن النعمة المعطاة لهم بوصية ومكان، فأدخلهم في فردوسه وأعطاهم وصية حتى إذا حفظوا النعمة واستمروا صالحين عاشوا في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هم ، بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء. أما إذا تعدوا الوصية وارتدوا (عن الخير) وصاروا أشرارًا فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم، ولن يحيوا بعد في الفردوس، بل يموتون خارجًا عنه و يبقون إلى الأبد في الفساد والموت. (تجسد الكلمة، 3: 4)

1ـ وربما تتساءل، لماذا بينما نقصد أن نتحدث عن تجسد الكلمة، فإننا نتحدث الآن عن بداية خلق البشرية؟ لكن اِعلم أن هذا الحديث أيضًا يتصل بهدف هذا المقال.

2ـ لأنه من الضروري عندما نتحدث عن ظهور المخلّص بيننا، أن نتحدث عن بداية خلق البشر، ولكي تعلم أن نزوله إلينا كان بسببنا، وأن تعدِّينا استدعى تعطف الكلمة، لكي يأتي الرب مسرعًا لمعونتنا، ويظهر بين البشر.

3ـ فلأجل قضيتنا تجسد لكي يخلّصنا، وبسبب محبته للبشر قَبِلَ أن يتأنس ويظهر في جسد بشري .

4ـ وهكذا خلق الله الإنسان وكان قصده أن يبقى في غير فساد . أما البشر فإذ احتقروا التفكير في الله ورفضوه، وفكروا في الشر وابتدعوه لأنفسهم كما أشرنا أولاً ، فقد حكم عليهم بحكم الموت [لا يقصد القديس أنه عقوبة، كما سيتضح لاحقاً] الذي سبق إنذارهم به، ومن ذلك الحين لم يبقوا بعد كما خُلقوا ، بل إن أفكارهم قادتهم إلى الفساد ومَلَك عليهم الموت. لأن تعدي الوصية أعادهم إلى حالتهم الطبيعية، حتى أنهم كما وُجِدوا من العدم هكذا أيضًا بالضرورة يلحقهم الفناء بمرور الزمن .

5ـ فإن كانوا وهم في الحالة الطبيعية ـ حالة عدم الوجود، قد دعوا إلى الوجود بقوة الكلمة وتحننه، كان طبيعياً أن يرجعوا إلى ما هو غير موجود (أى العدم)، عندما فقدوا كل معرفة بالله . لأن كل ما هو شر فهو عدم، وكل ما هو خير فهو موجود . ولأنهم حصلوا على وجودهم من الله الكائن، لذلك كان لابد أن يُحرموا إلى الأبد، من الوجود. وهذا يعني انحلالهم وبقائهم في الموت والفساد (الفناء).

6ـ فالإنسان فانٍ بطبيعته لأنه خُلق من العدم إلا أنه بسبب خلقته على صورة الله الكائن كان ممكنًا أن يقاوم قوة الفناء الطبيعي ويبقى في عدم فناء لو أنه أبقى الله في معرفته كما تقول الحكمة "حفظ الشرائع تحقق عدم البلى" ، و بوجوده في حالة عدم الفساد (الخلود) كان ممكنًا أن يعيش منذ ذلك الحين كالله كما يشير الكتاب المقدس إلى ذلك حينما يقول " أنا قلت إنكم آلهة. وبنوا العليّ كلكم، لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون" .  (تجسد الكلمة، 5)]... (الشبكة)

[25]  Instit. 5:41.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع