Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


1- مقدمة

ما قد وعدنا به في الكتاب الثاني من المؤسسات[2] بخصوص الحديث عن الصلاة الدائمة بلا انقطاع يتحقق بمعونة الرب بحديث الأب إسحق الذي نقدمه لكم...

2- العلاقة بين الصلاة والفضائل

هدف كل راهب وكمال قلبه هو المداومة على الصلاة بلا انقطاع، فيجاهد قدرما يسمح ضعفه البشري لينال العقل الهادئ غير المضطرب والنقاوة الدائمة حتى يمارس الأعمال الجسدية[3] بانسحاق قلب ثابت بغير قلق.

يوجد نوع من الوحدة المشتركة غير المنفصلة بين الاثنين (الصلاة الدائمة والفضائل)، فكمال الصلاة هو تاج بنيان كل الفضائل، فإذا لم تتحد كل فضيلة اتحادًا كاملاً بالصلاة لا تكون لها قوة أو ثباتًا. ودوام الهدوء في الصلاة وثباتها لا يمكن أن يكون أكيدًا وكاملاً ما لم تسندها الفضائل، ولا يمكن اقتناء الفضائل ما لم تثبت في الصلاة.

لهذا فإننا لا نقدر في حديث قصير أن نبحث بتدقيق "أثر الصلاة"، وأن نتعمق إلى "غاية الصلاة الرئيسية" التي نحصل عليها بعمل كل الفضائل، ما لم نناقش ونحسب الأمور التي يجب نبذها (الرذائل) أو تلك التي يلزم الاهتمام بها (الفضائل) من أجل الصلاة، وذلك حسب المثال الوارد في الإنجيل (لو28:14) أي أن نحسب حساب نفقة بناء البرج الروحي الشاهق العُلو، ونتمعن في ذلك مقدمًا بحرص. ومع هذا فإن هذه الأمور لا يجدي حسابها شيئًا، ولا يسمح هذا بإتمام العلو الشاهق لبناء الكمال كما يليق، ما لم نأخذ في اعتبارنا أولاً الأخطاء بصورة واضحة، أي ما لم نحفر ونزيل الفساد ونفايات الشهوات، حينئذ يجوز وضع أساسات البساطة والاتضاع القوية فوق التربة الصلبة التي لصدرنا الحي، أو بالأحرى توضع الأساسات على صخر الإنجيل (لو48:6). بهذا يرتفع برج الفضائل الروحية، ويقدر أن يصمد ويعلو إلى أعالي السموات في أمان كامل لا يتزعزع. فمتى وُضعت هذه الأساسات، لا يصيبه خراب ولا يؤذيه أي ضرر حتى وإن صدمته عواصف الشهوات العنيفة، وثارت ضده عذابات الضيق، وقامت ضده هجمات الأعداء الروحيين (الشياطين) العنيفة.

3- كيف نقتنى الصلاة النقية؟

لكي ما نرفع الصلاة بالغيرة والنقاوة اللازمتين لها ينبغي مراعاة الآتي:

أولاً: ترك كل قلق متعلق بأمور جسدية.

ثانيًا: ألا نترك فرصة لأفكارنا أن تشرد في الاهتمام أو حتى مجرد ذكر أي عمل من الأعمال[4]. وأن نلقي جانبًا كل الوشايات وكثرة الكلام الباطل (القال والقيل). وقبل كل شيء نترك الغضب، وننزع الكآبة المملوءة قلقًا، ونقتلع جذور الشهوات الجسدية المميتة والطمع.

هكذا إذ يرى الإنسان مثل هذه الأخطاء ويستبعدها ويقطعها عن طريق البساطة النقية والبراءة، عندئذ يلزمه أن يضع أساسًا أمينًا من الاتضاع العميق الذي يعين البرج الذي يرتفع إلى السماء. بعد ذلك يُقام عليها بنيان الفضائل الروحية، وتتحرر النفس من كل أحاديث وأفكار هائمة، ويبدأ في التأمل الإلهي، وترتفع النظرة الروحية قليلاً. لأنه بالتأكيد يرِد علينا أثناء الصلاة ما كان يشغل أذهاننا في الساعة التي تسبقها، وذلك من جرّاء دوام نشاط الذاكرة. فما نُريد الانشغال به أثناء الصلاة يلزم أن نُعد أنفسنا للتفكير فيه قبل وقت الصلاة. فالذهن في الصلاة يتشكل حسب الحالة التي يكون عليها قبل الصلاة.

عندما نتقدم للوقوف للصلاة، تتراقص أمام أعيننا صُور الحوادث والكلمات والأفكار التي سبقت الصلاة، من غضب وحزن وشهوات وأعمال سابقة، قد تجعلنا نضحك ضحكات ساخرة بفكاهات سخيفة أو بعض التصرفات، أو نتذكر مناقشتنا التي سبقت الصلاة. فإن كنا لا نريد أن يزعجنا شيء أثناء الصلاة، يلزمنا أن نحترس قبل الصلاة لنطهر القلب بعزم من كل هذه الأشياء، بهذا نتمم قول الرسول: "صلُّوا بلا انقطاعٍ" (1تس17:5)، "في كل مكانٍ رافعين أيادي طاهرة بدون غضبٍ ولا جدالٍ" (1تي8:2). ونحن لا نقدر أن ننفذ هذه الوصية ما لم يتنقَ عقلنا من كل بصمات الخطية ويلتصق بالفضيلة، حتى يكون صلاحه طبيعيًا، ويتغذى بالتأمل المستمر في الإله القدير.

إمكانيتنا للصلاة

طبيعة النفس تشبه ريشة غاية في النعومة أو جناحًا غاية في الخفة، فلو لم تتلفها أو تفسدها رطوبة خارجية، ترتفع طبيعيًا إلى أعالي السموات بحكم خفة طبيعتها وبفضل نفخة بسيطة... هكذا نفوسنا إذا لم تُثقل بالخطايا التي تلمسها، واهتمامات هذا العالم، أو تتلف برطوبة الشهوات المؤذية، فإنها ترتفع بمواهب نقاوتها الطبيعية، وتُحمل إلى الأعالي بنفخة خفيفة من التأمل الروحي  وإذ تترك النفس الأمور السفلية المادية تنطلق نحو الأمور السماوية غير المنظورة. لذلك طالبتنا الوصية أن نحذر لئلا تثقل قلوبنا بالتُخمة والسكر واهتمامات هذا العالم (لو34:21).

فإذا أردنا وصول صلواتنا لا إلى السماء فحسب بل وإلى ما وراء السماء، لنهتم أن تعود نفوسنا إلى خفتها الطبيعية مغسولة من الأخطاء الأرضية ونقية من كل الخطايا. وهكذا تصل صلواتنا إلى الله من غير أن تعوقها أية خطية.

5- ما الذي يثقل النفس؟

وجدير بنا أن نلاحظ العلل التي أشار إليها الرب وأظهر أنها تثقل النفس. فهو لم يشر إلى الدعارة أو الزنا أو القتل أو التجديف أو الاغتصاب، هذه الأمور التي يعرف كل إنسان أنها مُهلكة ومميتة، إنما ذكر التخمة والسكر واهتمامات هذا العالم، هذه الأمور كثيرًا لا يتجنبها البشر، بل ولا ينظرون إليها على أنها مُهلكة، حتى أننا نجد بعضًا ممن يدعون أنفسهم رهبانًا (وأنا أخجل أن أقول ذلك) مثقلون بمثل هذه الانشغالات كأنها غير ضارة أو أنها نافعة.

هذه الرذائل الثلاث تثقل النفس، وتفصلها عن الله، وتُحملها بالأمور الأرضية... إلا أنه من السهل جدًا أن نتجنبها، لاسيما لنا (نحن الرهبان) إذ انفصلنا بعيدًا عن كل رجاء وأمل في هذا العالم الفاني، وليس لنا عذر أن نرتمي في أحضان الاهتمامات المنظورة والسكر والتخمة.

لكن هناك تخمة من نوع آخر لا تقِلّ خطرًا عن التخمة (بالمفهوم العام)، وسكر روحي يصعب تجنبه، واهتمامات بهذا العالم تصطادنا ونحن نعيش في حياة الوحدة. عن مثل هذه يقول النبي: "اصحوا أيها السكارى" (يوئيل5:1). ويقول إشعياء: "قد سكروا وليس من الخمر، ترنحوا وليس من المسكر" (إش9:29). في هذا السكر يستخدمون خمرًا يسميه النبي "سم الأفعوان". أما عن الخمر فيقول: "لأن من جفنة سدوم جفنتهم ومن كروم عمورة" (تث32:32).

أتريد أن تعرف شيئًا عن ثمرة الكرم و بذار ذلك الغصن؟ إنه يقول: "عنبهم عنب سمٍّ، ولهم عناقيد مرارةٍ" (تث32:32). لأنه ما لم نتطهر من كل الأخطاء، ونزهد تخمة كل الشهوات، تثقل قلوبنا بمسكر وخمر أشد خطرًا، من غير أن تسكر بخمر أو تتخم بولائم.

أما من جهة الاهتمامات العالمية، فيمكنها أن تحاربنا لعلّها تتمكن منا نحن الذين ليس لنا أعمال في العالم (الرهبان)، وهذا يظهر بوضوح من تدابير الآباء السواح، إذ يتركون كل شيء اللهم إلا طعامهم اليومي الضروري والاحتياجات الضرورية للجسد.

7- أنواع الصلاة

أظن أنه لا يمكننا أن نقتني كل أنواع الصلاة بدون نقاوة القلب والروح مع استنارة الروح القدس.

هناك أنواع كثيرة للصلاة تختلف باختلاف الظروف وأحوال النفس... وبسبب بلادة قلبنا لا نقدر أن نعدد كل أنواع الصلاة، لكنني أحاول - قدر ما تسعفني خبرتي القليلة - أن أضعها في نسق معين. لأن صلواتنا تتغير كل وقت حسب درجة النقاوة التي تكون عليها النفس، والصفات التي صارت لها بسبب ما يحدث للإنسان من حوادث، أو ما يبذله من جهاد، لهذا لا يقدر إنسان أن يقدم على الدوام صلوات على نمط واحد.

فما يصلّيه الإنسان وهو نشيط غير ما يصلّيه وهو مثقّل بالحزن أو القنوط. ويصلي بطريقة أخرى عندما يكون منتعشًا بالفضائل الروحية، وبطريقة مغايرة عندما يهاجم بهجمات عنيفة... وبطريقة أخرى عندما يطلب الصفح عن خطاياه، وأيضًا عندما يسأل نعمة أو فضيلة ما، أو يتوسل من أجل إزالة خطية معينة. وعندما يُنخَس قلبه بالتفكير في الجحيم ويهاب الدينونة المقبلة، غير ما يصلّيه عندما يكون ممتلئًا بالرجاء والاشتياق إلى الأمور المقبلة. كذلك عندما يكون في مخاطر غير ما يصلّيه وهو في سلام وأمان. وعندما يكون مستنيرًا بإعلان أسرار سماوية غير ما يصلّيه وهو مثقّل بالإحساس بالعُقم من جهة الفضيلة وجفاف المشاعر.

9- الأربعة أنواع من الصلاة

... لا يزال ينتظرنا أمر صعب، وهو أن نشرح كل نوع من أنواع الصلاة حسب تقسيم الرسول إذ قال: "فأطلب أوَّلَ كلّ شيءٍ أن تُقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكُّرات" (1تي1:2). ماذا يقصد بالطلبات والصلوات والابتهالات والتشكرات؟!…

11- الطلبات

"فأطلب أوَّلَ كلّ شيءٍ أن تُقام طلبات"، الطلبة هي تضرع أو التماس بخصوص الخطايا، يقدمه الإنسان طالبًا الصفح عن خطاياه الحالية والماضية.

12- الصلوات

الصلاة هي التي تقدم شيئًا كنذر لله، ويسميها اليونان "نذرًا". فما جاء "أوفي نذوري للرب" (مز14:116)، يُترجم عن اليونانية "أوفي صلواتي للرب"، كذلك نجد في سفر يشوع بن سيراخ: "إذا نذرت للرب نذرًا فلا تؤخره أيضًا" (3:5)، وأيضًا (تث21:23)و (جا4:5،5) جاء في اليونانية بمعنى "إذا صلّيت صلاة للرب فلا تتأخر في إيفائها"... ويكون إيفاء الصلاة هكذا: بزهدنا هذا العالم وإماتتنا عن كل الأفعال العالمية... واعدين بأن نخدم الرب بنية صادقة من القلب.

ونحن ننفذ الصلاة عندما نَعِد باحتقار الكرامة الأرضية، وازدرائنا بالغنى الزمني، ملتصقين بالرب في حزن قلبي وانسحاق روحي.

ونصلّي عندما نَعِد بأن نعضد على الدوام نقاوة الجسد العُظمى والصبر الثابت، وعندما ننذر بأن نقتلع من قلوبنا جذور الغضب تمامًا، وأصل الحزن الذي يعمل للموت.

أما إذا ضعفنا بالكسل وعُدنا إلى خطايانا القديمة، فإننا نكون قد فشلنا في إيفاء الصلاة، و بذا نخطئ بصلواتنا ونذورنا، وتنطبق علينا هذه الكلمات: "إنه من الأفضل ألا ننذر عن أن ننذر ولا نفي"، والتي تطابقها في اليونانية أنه من الأفضل ألا نصلّي عن أن نصلّي ولا نفي.

13- الابتهالات

تأتي بعد ذلك "الابتهالات" حيث اعتدنا، أن نقدم صلاة من أجل الآخرين أيضًا ونحن مملوءين بحرارة الروح، سائلين من أجل الأعزّاء علينا، ومن أجل العالم كله، مستخدمين عبارة الرسول بأن نصلّي "لأجل جميع الناس لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصبٍ" (1تي1:2،2).

14-التشكرات

يلي ذلك التشكرات... حيث نقدم لله الذهن، رافعين إيّاه، متذكرين بركات الله الماضية، متأمّلين في بركاته الحاضرة، متطلعين إلى البركات المقبلة التي أعدها للذين يحبونه. وبهذا تكون صلواتنا غنية، فإذ نتطلع بعيون نقية إلى ما أُعدّ للقديسين في المستقبل تحثّنا روحنا أن نقدم لله تشكرات لا يُنطق بها مع فرح بلا حدود.

15- لزوم الأنواع الأربعة لكافة البشر

تساعد الظروف نفسها على إيجاد هذه الأنواع الأربعة بغنى ووفرة. فالطلبات تنبع عن الحزن من أجل الخطية. والصلوات تصدر من الثقة في تقديم تقديمات والقدرة على إيفاء نذورنا بضمير نقي. والابتهالات تأتي عن حرارة الحب. والتشكرات تتولد عن التأمل في بركات الله وعظمته وصلاحه.

نحن نعلم أنه غالبًا ما تصدر هذه الأنواع من الصلوات التي نتحدث عنها بغيرة واتقاد. وبهذا فهي نافعة ولازمة لكل البشر. فبالنسبة لأي إنسان تقدم مشاعره المتغيرة صلوات مملوءة لطفًا وطهارة واتقادًا باستخدام الطلبات مَرّة، والصلوات مَرّة أخرى والابتهالات ثالثة… ومع هذا يبدو كما لو أن الأولى (الطلبات) تناسب بالأكثر المبتدئين، الذين لا يزالون مضطربين بوخزات خطاياهم وتذكرها. والثانية (الصلوات) تناسب الذين تمتعوا فعلاً بشيء من السموّ الذهني في تقدمهم الروحي وطلب الفضيلة. والثالثة (الابتهالات) تناسب الذين حققوا كمال نذورهم بأعمالهم، وهؤلاء لهم غيرة للصلاة من أجل الآخرين خلال ضعفهم مع غيرة حبهم. والرابعة (التشكرات) تناسب الذين ينزعون من قلوبهم أشواك الضمير المذنبة، متحرّرين من الهمّ، وبهذا يقدرون بذهن نقي أن يتأملوا في بركات الله وتعطفاته، سواء بالنسبة لما وهبه لنا في الماضي، أو يمنحه في الحاضر، أو يعدّه لنا للمستقبل، فيُحملون إلى الأمام قلوبًا متقدة بصلاة حارة لا تُحد ولا تستطيع أفواه البشر أن تعبِّر عنها.

إلا أنه أحيانًا كيفما كان حال الذهن، إذ هو يتقدم نحو كمال النقاوة وقد بدأ فعلاً في التقدم، يصلّي بهذه الأنواع الأربعة جميعها في وقت واحد، ويكون كلهيب لا يُوصف، مقدمًا لله صلوات غير موصوفة عظيمة النقاوة، والروح نفسه يشفع بأنات لا يُنطق بها، بينما نحن أنفسنا لا نفهم، فيتقدم لله في تلك الساعة منسكبًا بطريقة لا يُعبر عنها، طالبًا أمورًا عظيمة لا ينطق بها فَمْ، بل ولا يقدر الذهن أن يسترجعها في وقت آخر.

بهذا يحدث أنه في أية درجة يكون فيها الإنسان، يجد نفسه أحيانًا يقدم صلوات نقية مقدسة...

16- نوع الصلاة التي نوجِّه إليها أنفسنا

مع ذلك يلزمنا في تقدمنا في الحياة ونوالنا الفضيلة أن نهدف بالأحرى إلى تلك الأنواع من الصلاة التي تُسكَب، إما متأملة في الأمور المقبلة الصالحة، أو في غيرة الحب، أو على الأقل أن ينطق الإنسان بأكثر اتضاع ومتبعًا المقاييس الخاصة بالمبتدئين، ليرتفع لطلب الفضيلة أو لينزع خطأ ما، وإلا فإنه لا يمكننا أن نبلغ تلك الدرجات السامية للصلاة التي نتحدث عنها، مالم ترتفع أذهاننا قليلاً بدرجات منتظمة حتى تصل إلى "الابتهالات".

17- الرب يضع أساس الأنواع الأربعة من الصلاة

وهب لنا الرب نفسه مثالاً في تأسيس هذه الأنواع الأربعة من الصلاة. بهذا يتحقق ما قيل عنه "ما ابتدأَ يسوع يفعلهُ ويعلّم بهِ" (أع1:1).

1- لقد استخدم النوع الأول أي "الطلبات" بقوله: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس" (مت39:26)، وما رتل به النبي في المزمور على لسانه قائلاً: "إلهي إلهي لماذا تركتني" (مز1:22).

2- استخدم أيضًا "الصلاة" عندما قال: "أنا مجَّدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملتهُ" (يو4:17)، وأيضًا: "لأجلهم أقدّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحق" (يو19:17).

3- استخدم "الابتهالات" عندما قال: "أيُّها الآب أريد أن هؤُلاءِ الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني" (يو24:17). أو عندما قال: "يا أبتاهُ اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو34:23).

4- استخدم "التشكرات" بقوله: "أحمدك أيها الآب ربَّ السماءِ والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماءِ والفهماءِ وأعلنتها للأطفال. نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرَّة أمامك" (مت25:11،26)، أو على الأقل عندما قال: "أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كلّ حينٍ تسمع لي" (يو41:11،42).

مع أن ربنا قد ميّز بين الأنواع الأربعة من الصلاة، مقدمًا كل نوع على انفراد، إلا أنه يمكننا أن نستخدم الأنواع الأربعة في صلاة واحدة في وقت واحد، وهذا أيضًا أعلنه كمثال في الصلاة التي وردت في خاتمة إنجيل يوحنا... فالباحث المدقق في كلمات هذه الصلاة يقدر أن يكتشف أنها اشتملت الأربعة أصناف... وقد عبّر الرسول في رسالته إلى أهل فيلبي بنفس المعنى، بذكره الأربعة أصناف من الصلاة مع اختلاف بسيط في الترتيب، مظهرًا ضرورة تقديمها بغيرة في صلاة واحدة إذ يقول: "بل في كل شيءٍ بالصلوة والدعاءِ مع الشكر لتُعلَم طلباتكم لدى الله" (في6:4). بهذا رغب منا أن نفهم أنه يلزم في الصلاة والدعاء (الابتهالات) أن نقدم الشكر ممتزجًا بطلباتنا.

18- الصلاة الربانية

هذه الأنواع المختلفة من الصلاة يليها حالة سامية وممتازة نقدمها بالتأمل في الله وحده بواسطة الحب الممتلئ غيرة، إذ به ينتقل الذهن ملقيًا بنفسه في الحب لله، مخاطبًا الله بأعظم دالة أنه أبوه الخاص به، مع طاعته لله وتكريمه. ويعلمنا نموذج "الصلاة الربانية" ضرورة البحث عن هذه الحالة قائلين "أبانا".

عندما ننطق بأفواهنا أن الله رب كل المسكونة هو أبونا، نعترف أننا قد دُعينا من العبودية إلى التبني كأبناء. وإذ نردف قائلين "الذي في السموات" نتحاشى بكل مخافة إطالة البقاء في هذه الحياة الحاضرة، عابرين هذه الأرض كمن هم في رحلة. فنسرع مشتاقين إلى المدينة التي نعترف بأن أبانا يقطنها. ولا نسمح لأي شيء يفقدنا الاستحقاق لموطننا الأبدي ولشرف التبني، ناظرين إليه كعار يحرمنا من ميراث أبينا، وبه يحل بنا غضب عدله وصرامته.

فإذ نتقدم إلى هذه الحالة من "البنوة"، نشتعل بالتقوى كما يليق بأبناء صالحين، فننحني بكل طاقاتنا، ليس ابتغاءً لنفع خاص، إنما لأجل مجد الله، قائلين له: "ليتقدَّس اسمك". وبهذا نشهد أن رغبتنا وفرحنا هو مجده، مقتدين بالذي قال: "مَنْ يتكلم من نفسهِ يطلب مجد نفسهِ، وأمَّا مَنْ يطلب مجد الذي أَرسلهُ فهو صادق وليس فيه ظلم" (يو18:7).

أخيرًا إذ امتلأ الإناء المختار بهذه المشاعر (عدم الأنانية) رغب أن يكون محرومًا من المسيح (رو3:7) من أجل شعبه... ويقول أيضًا: "لأننا نفرح حينما نكون نحن ضعفاءَ وأنتم تكونون أقوياءَ" (2كو9:13). لنعبر أيضًا إلي مستلم الشريعة الذي لم يرفض أن يموت مع اخوته الذين حُكم عليهم بالموت قائلاً: "والآن إن غفرت خطيتهم وإلاَّ فامحُني من كتابك الذي كتبت" (خر32:32).

حين نقول "ليتقدس اسمك" يليق بنا جدًا أن نفهمه بهذا المعنى "تقديس الله هو كمالنا"، أي اجعلنا أيها الآب قادرين أن نفهم ونسلك بما فيه تقديس اسمك، أي نشهد لك يا الله بسلوكنا كروحيين بتغيّرنا الروحي، إذ يرى الناس أعمالنا ويُمجدوا أبانا الذي في السموات (مت16:5)...

19- ليأْتِ ملكوتك

الطلبة الثانية هي أن يرغب القلب النقي في مجيء ملكوت أبيه للحال، بمعنى أن يملك السيد المسيح يومًا فيومًا في القديسين، ويتأتى ذلك بطرد سلطان الشياطين من قلوبنا، وإبادة وسخ الخطية، ويبرأ بمُلك الله علينا خلال حلاوة عبير الفضائل، فينهزم الزنا وتملك الطهارة على قلوبنا. ويملك الهدوء بتقهقر الغضب، والاتضاع بوطء الكبرياء تحت الأقدام.

يعني (بالملكوت) ما قد وُعد به كل الكاملين وأبناء الله حين يقول لهم السيد المسيح: "تعالوا يا مباركي أبي رِثُوا الملكوت المعَدَّ لكم منذ تأسيس العالم" (مت34:25).

فالقلب يشتاق إلى الملكوت بنظرة ثابتة قوية ويحنّ إليه مخاطبًا الله: "ليأت ملكوتك"، لأنه يعلم بشهادة ضميره أنه عندما يأتي الرب سيشاركه في الميراث. فلا يقدر إنسان خاطئ أن ينطق بهذا، ولا يرغب فيه، لأنه لا يريد أن يواجه كرسي قضاء الديان وهو يعلم أن في مجيئه لا ينال مكافأة بل عقابًا...

20- لتكن مشيئَتك

الطلبة الثالثة للأبناء هي "لتكن مشيئَتك كما في السماءَ كذلك على الأرض".

لا يمكن أن توجد صلاة أعظم من الاشتياق أن تكون الأمور الأرضية مساوية للسمائية. لأنه ماذا يعني القول: "لتكن مشيئَتك كما في السماءِ كذلك على الأرض" سوى السؤال من أجل البشر ليكونوا مثل الملائكة؟ فكما تمّت مشيئة الله بواسطتهم في السماء، هكذا ليت الذين على الأرض لا يفعلون مشيئتهم الذاتية بل مشيئة الله!

هذه الطلبة لا يمكن أن ينطق بها من القلب إلا الذي آمن أن الله يدبر كل الأمور المنظورة لخيرنا، سواء الأمور المبهجة أو المؤلمة، وأنه مهتم بما لخيرنا وخلاصنا أكثر من اهتمامنا نحن بأنفسنا.

على أي الأحوال يمكن أن تؤخذ بهذا المعنى: إرادة الله هي خلاص كل البشر وذلك كقول الرسول: "الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبلون" (1تى4:2)... فعندما نقول: "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض" نصلّي أن يخْلص جميع الذين يسكنون في الأرض وذلك مثل أولئك الذين سبقونا إلى السماء (الكنيسة المنتصرة)، إذ عرفوك أيها الآب.

21- الخبز اليومي

"أعطنا الخبز اليومي الذي هو Supersubstantial"[5] والذي يدعوه إنجيل آخر "خبزنا اليومي". الأولى تشير إلى سموّ هذا الخبز من حيث أنه فوق كل المواد، ويشير إلى عُلو جلاله وقداسته الذي يفوق كل المخلوقات. أما الثانية فتشير إلى غاية استخدامه وقيمته. فإذ يقول أنه "يومي" يظهر ضرورة استخدامه يوميًا غير مكتفين بأننا اقتنيناه بالأمس...

حاجتنا اليومية إليه تُلزمنا أن نقدم هذه الصلاة في كل الأوقات، لأنه لا يوجد وقت لا تكون فيه حاجة إليه ليتقوّى قلب إنساننا الداخلي بأكله وتقبله. هذا بالرغم من أن كلمة "اليومي" تستخدم بمعنى "الحياة الحاضرة" بمعنى هب لنا في هذه الحياة الحاضرة أن نقتات الخبز. فنحن عالمين بأنك ستهبه فيما بعد لمن يستحقونه، لكننا نسأل أن تعطينا إيّاه الآن، لأنه مالم يوهب الإنسان في هذه الحياة لا يمكن أن تكون له شركة فيما بعد.

22- اغفر لنا ما علينا

"اغفر لنا ما علينا كما نغفر نحن ما عليهم". تهبنا المراحم الإلهية غير المنطوق بها شكل الصلاة وتعلمنا نظام الحياة المقبولة عند الله، إذ عن طريق الطلبات الواردة في نموذج الصلاة المُقدم لنا أوصانا أن نصلّي على الدوام أن ينزع عنا جذور الغضب والغمْ. كذلك تُعلن المراحم الإلهية للمصلّين الطريق الذي به ينعمون بحكم الله المملوء رحمة وشفقة، إذ تهب لنا قوة لتلطيف حكم دياننا، مغتصبين حكمه بغفران خطايانا على مثال عفونا نحن للآخرين، وذلك عندما نقول: "اغفر لنا كما نغفر نحن".

هكذا بغير قلق، في ثقة بهذه الصلاة، يمكن للإنسان أن يطلب عفوًا عن معاصيه، إن غفر للذين يسيئون إليه...

على أي الأحوال من لا يغفر من قلبه لأخيه الذي أساء إليه لا يجلب لنفسه بهذه الصلاة غفرانًا بل دينونة. وبعمله هذا يطلب لنفسه السقوط تحت الحكم بأكثر قسوة فهو يقول: "اغفر لي كما أغفر أنا أيضًا"، وإذ لا يحقق ما جاء في طلبته، ماذا يستحق سوى أن يُعاقب بغضب غير محتمل وحكم لا يُستأنف كما يفعل هو بعدم عفوه للغير؟!

فإن أردنا أن نُحاكم بالرحمة يلزم أن نكون رحماء تجاه من يسيئون إلينا، لأننا سننال العفو عندما نعفو للذي يضرنا مهما كان مؤذيًا.

عندما يتغنى كل الشعب بهذه الصلاة في الكنيسة يخشى البعض هذه العبارة فيصمتون حاذفين إياها حتى لا يربطوا أنفسهم بدلاً من أن يحلوها وهم في هذا لا يعلمون أنهم باطلاً يحاولون مراوغة ديان كل البشرية الذي يشاء أن يكشف لنا سلفًا كيف يدين المتوسلين إليه. لأنه لا يريد أن يكون مضايقًا لهم، بل يشير إلى طريقة إدانته، حتى نحكم على اخوتنا متى أخطأوا في حقنا بالحكم الذي نرغبه بالنسبة لأنفسنا، لأن الحكم بلا رحمة لمن لم يستعمل الرحمة.

23- لا تدخلنا في تجربةٍ

هنا يثور سؤال ليس بتافه، وهو إن كنا نصلّي ألا نعاني من التجربة فكيف تتزكى قوة احتمالنا كالقول: "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة" (يع12:1)؟

العبارة "لا تدخلنا في تجربةٍ" لا تعني "لا تسمح لنا بتجربة"، لأن أيوب جُرِّب لكنه لم يدخل في تجربة إذ لم يصف الله بأيّ تجديف ولا استسلم بفم شرير كرغبة المجرب نفسه.

إبراهيم جُرِّب ويوسف جُرِّب، لكن لم يدخل أحدهما في تجربة لأنهما لم يستسلما مرضيين للمجرب.

جاء بعد ذلك "لكن نَجِنّا من الشّرِّير"، أي لا تسمح لنا أن يجربنا الشيطان فوق ما نحتمل بل تجعل مع التجربة المنفذ لنستطيع أن نحتمل (1كو13:10).

24- لنصل بما ورد في الصلاة الربانية

ها أنتم ترون نموذج الصلاة المقترح علينا بواسطة الديان نفسه، الذي نصلّي إليه. فالصلاة لا تحوي طلبات من أجل الغنى، ولا فكرًا تجاه الكرامة، ولا سؤالاً من أجل القوة والعظمة، ولا إشارة إلى القوة الجسدية والحياة الزمنية. هكذا يقدم الإنسان إهانة شديدة لعظمة الله وجوده إذا ما ترك الطلبات الأبدية واختار أن يسأله أمرًا تافهًا غير ثابت. وأيضًا بدناءة صلاته يجلب لنفسه غضبًا عِوض استعطاف الديان.

25- بركات الصلاة الربانية

هذه الصلاة إن بدت شاملة لكل ملء الكمال، إذ مؤسسها ومرتبها سلطان الرب نفسه، إلا أنها ترتفع بمن يستخدمها إلى حالة علوية سبق أن تحدثنا عنها، وتحملهم إلى صلاة مملوءة حرارة... هذه التي بالحقيقة نعجز أن ننطق بها، إذ تفوق كل أفكار البشر، ولا يميزها صوت أو حركة لسان...! فإذ يستنير الذهن بانسكاب نور سماوي لا يصفه لسان بشر محدود، بل ينسكب بغنى كما من ينبوع غزير في أذهاننا، وتتحدث مع الله بطريقة لا تُوصف، وتُعبِّر في أقصر زمن ممكن عن أمور عظيمة لا يقدر الذهن أن يعبِّر عنها أو يرويها بسهولة بحسب قدرته البشرية المجردة (أو المحدودة).

26- العوامل التي تساعد على الصلوات المنسكبة

لكن من له القدرة - مهما بلغت خبرته - أن يعدد الأسباب التي تثير القلب (بالندامة) فيلتهب مشتعلاً بالنار وتحثه للصلوات الورعة العظيمة الغيرة؟! لكننا نذكر أمثلة قليلة…

· أحيانًا التسبيح بمقطع من المزامير يبعث فينا صلاة حارة.

· وأحيانًا انسجام التلحين لصوت أحد الاخوة يثير الأذهان الخاملة إلى ابتهالات كثيرة.

· كذلك طريقة النطق والوقار الذي للمرنم (بالتسبيح) يلهب غيرة من هم معه.

· أضف إلى هذا نصائح الإنسان الكامل والحديث الروحي غالبًا ما يرفع مشاعر الحاضرين إلى صلاة غنية.

· كذلك يمكننا بواسطة موت أخ أو عزيز لدينا أن نُحمل إلى ندامة كاملة. وأيضًا عندما نتذكر برودنا وإهمالنا تشتعل فينا حرارة الروح.

بهذا لا يقدر أحد أن يشك بأن فرصًا لا حصر لها - في أيدينا - تنزع عن أذهاننا برودنا ونومها.

27- أنواع الندامة المختلفة

أما عن كيف أو بأي طريق تنتج هذه الندامة من مخبأ النفس العميق فهذا ليس بالأمر السهل حتى نتبعه.

1- غالبًا خلال البهجة التي لا يعبّر عنها والحذاقة الرفيعة تظهر ثمرة الندامة الجليلة المقدار، حتى تظهر بالفعل صرخات تُعبّر عن الفرح الذي لا يُوصف ولا يُعبر عنه، وتسمع بهجة القلب وبهجة التهليل في قلاية الأخ المجاور.

2- أحيانًا يخفي العقل نفسه في صمت كامل في هدوء عميق، حتى أنه من دهشته من الاستنارة المفاجئة تتوقف الكلمات وتبهر الروح في مهابتها، فتحتفظ بمشاعرها داخلها، أو تنفك وتسكب رغباتها لله بتنهدات لا يُنطق بها.

3- أحيانًا إذ تمتلئ بندامة شديدة وحزن لا تقدر أن تترجم هذا الشعور إلا بالدموع.

28- سؤال بخصوص الدموع

جرمانيوس: إنني بضعفي لا أجهل هذه المشاعر الخاصة بالندامة جهلاً تامًا، لأنه أحيانًا تنسكب الدموع عند تذكري خطاياي. فإنني بواسطة الافتقاد الإلهي أنتعش بفرح لا يوصف، الذي تتحدث عنه، وشدة هذا الفرح تؤكد لي ألا أيأس من غفران خطاياي. أظن أنه لا توجد أسمى من هذه الحالة الذهنية، فقط لو كان للإنسان إمكانية أن يستدعيها متى أراد. لكن يحدث أنني أحيانًا اشتاق إلى هذه الندامة وتلك الدموع، وأضع أخطائي وخطاياي قدام عيناي، ومع ذلك اعجز عن استعادة الدموع الغزيرة، بل تجف عيناي وتقسو مثل حجر صوان صلد، لا تقطران دمعة واحدة. هكذا قدر ما أنتعش بالدموع الغزيرة، لكنني أحزن بسبب عجزي عن استعادتها مرة أخرى عندما أريد.

29- اسحق: ليست كل الدموع تنبع من مشاعر متشابهة، أو عن فضيلة واحدة.

1- فالبكاء المتسبب عن وخزات خطايانا التي تنخس قلوبنا كما قيل: "تعبت في تنهُّدي. أعوّم في كل ليلة سريري وبدموعي أذوّب فراشي" (مز6:6)، وأيضًا: "اسكبي الدموع كنهر نهارًا وليلاً. لا تعطي ذاتكِ راحةً. لا تكفَّ حدقةُ عينكِ" (مرا 18:2)، هذه الدموع تصدر بطريقة معينة.

2- بطريقة أخرى تأتي الدموع الصادرة عن التأمل في الأمور الصالحة والاشتياق إلى المجد المقبل، إذ تتدفق دموع غزيرة نابعة عن فرح لا يمكن كتمانه وتهليل بلا حدود. فإذ تتعطش أنفسنا إلى الله الحي القدير تقول: "متى أجيءُ وأتراءَى قدام الله. صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً" (مز 2:42، 3)، معلنة ذلك ببكاء يومي ونحيب قائلة: "ويل لي فإن غربتي قد طالت" (مز 5:120).

3- بطريق ثالث تتدفق الدموع، لا عن إحساس بالخطية المهلكة إنما بسبب الخوف من الجحيم وتتذكر يوم الدينونة المرهب، وذلك مثل رعب النبي القائل: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك فإنه لن يتبرر قدامك حي" (مز 2:143).

4- يوجد أيضًا نوع آخر من الدموع، لا ينسكب بسبب معرفة الإنسان لنفسه إنما بسبب قسوة الآخرين وخطاياهم، فصموئيل كان يبكي لأجل شاول. وجاء في الإنجيل عن الرب أنه بكى من أجل مدينة أورشليم كما فعل إرميا في الأيام السابقة. إذ يقول الأخير: "يا ليت رأسي ماء وعينيَّ ينبوع دموع فأبكي نهارًا وليلاً قَتلَى بنت شعبي" (إر1:9).

5- بالتأكيد الدموع المذكورة في المزمور المائة واثنين "إني قد أكلتُ الرماد مثل الخبز ومزجتُ شرابي بدموعٍ" (مز 9:102)، صادرة عن مشاعر تختلف عن تلك التي وردت في المزمور السادس الخاصة بالإنسان التائب، فهي ناشئة عن متاعب هذه الحياة وضيقتها وخسائرها، التي تضغط على الأبرار العائشين في العالم...

30- لا تسكب الدموع قسرًا

توجد دموع مختلفة تمام الاختلاف عما سبق ذكره، تلك التي تأتي قسرًا من عيون جافة وقلب قاس.

بالرغم من أننا لا نقدر أن نعتقد أنها عقيمة تمامًا (لأنهم يحاولون سكبها بنية حسنة، خاصة الذين لم ينالوا بعد المعرفة الكاملة أو التنقية من آثار الخطايا الماضية والحاضرة) لكن بالتأكيد لا يتأتى سكب الدموع بالقوة بالنسبة للذين تقدموا في محبة الفضيلة، ولا نحاول أن نتعب أنفسنا في إبكاء الإنسان الخارجي بمحاولات عنيفة... فإنه بهذا تطرح الدموع نفس المصلي وتفسد جهادها وتهينها وتربكها في أعمال بشرية وتنزعها من الأمور العالية السماوية... إذ يسترخي ذهن المصلي ويصير مريضًا بسبب الدموع العقيمة النابعة عن العنف...

32- الثقة في استجابة الصلاة

يجدر بنا ونحن نصلي ألا نرتاب بنوع من اليأس أو تتزعزع ثقتنا من جهة استجابة طلباتنا.

عندما نسكب صلاتنا نثق بأننا ننال ما نسأله، إذ لا نشك في وصولها إلى الله... لأنه هكذا تُستجاب صلاة الإنسان عندما يؤمن أن الله مهتم به، وقادر أن يعطيه سؤاله، إذ لا يخيب قول الرب: "كلّ ما تطلبونهُ حينما تصلَّون فآمنوا أن تنالوهُ فيكون لكم" (مر24:11).

33- اعتراض بخصوص استجابة الصلاة

جرمانيوس: إننا بالتأكيد نؤمن أن هذه الثقة من جهة استجابة صلاتنا تكون حسب نقاوة الضمير. أما بالنسبة لنا نحن الذين لايزال قلبنا مضروبًا بأشواك الخطايا، كيف نقدر أن نقتني هذه الثقة ونحن ليس لنا أي استحقاق؟!...

34- اسحق: يعلمنا الإنجيل والأنبياء الأسباب المتنوعة لاستجابة الصلاة حسب حالة النفوس.

(أ) فقد أشار الرب عن ثمار الاستجابة في حالة اتفاق اثنين معًا إذ يقول: "إن اتَّفق اثنان منكم على الأرض في أيّ شيءٍ يطلبانهِ فإنهُ يكون لهما من قِبَل أبي الذي في السموات" (مت19:18).

(ب) كذلك في حالة كمال الإيمان، الذي يشبه حبة خردل، إذ يقول: "لو كان لكم إيمان مثل حبَّة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقِلْ من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكنٍ لديكم" (مت20:17).

(ج) وأيضًا في حالة الاستمرار في الصلاة، إذ طلب الرب أن نستمر مثابرين بلجاجة بغير قلق، إذ يقول: "أقول لكم وإن كان لا يقوم ويعطيهِ لكونهِ صديقهُ، فإنهُ من أجل لجاجتهِ يقوم ويعطيه قدر ما يحتاج" (لو8:11).

(د) وأيضًا الاستجابة للصلاة تكون ثمرة من ثمار العطاء "اغلق على الصدقة في أخاديرك فهي تنقذك من كل شر" (ابن سيراخ15:29).

(هـ) وتكون الاستجابة في نقاوة الحياة وأعمال الرحمة، إذ قيل منتهرًا الصوم العقيم: "حَلَّ قيود الشر. فَكَّ عُقَد النير... حينئذٍ تدعو فيجيب الرب. تستغيث فيقول هأنذا" (إش6:58،9).

(و) وكثرة الضيقات تجعل الصلاة مستجابة. "إلى الرب في ضيقي صرخت فاستجاب لي" (مز 1:120). وأيضًا: "لا تضطهد الغريب ولا تضايقهُ... فيكون إذا صرخ إليَّ إني أسمع، لأني رءوف" (خر 21:22، 27).

لقد رأيتم أنه كيف بطرق كثيرة ننال عطية الاستجابة للصلاة، لكي لا يصطدم أحد باليأس من جهة ضميره، ضمانًا لتلك الأمور الأبدية العظيمة المقدار.

(ز) وإن كنا بالتأمل في بؤسنا قد نجد أنفسنا مفتقرين تمامًا إلى كل هذه الفضائل السابقة... فإنه بالتأكيد لا يمكن أن يحرم أحد من تلك الفرصة التي يقدمها الله لكل المشتاقين إلى استجابة الصلاة، وهى وعده بأن كل ما يسأله في الصلاة يعطيه لنا. فيجدر بنا أن نثابر بغير ارتياب، ولا يكون لنا أدنى شك في أنه بالمداومة على الصلاة ننال كل ما نطلبه حسب فكر الله. لأن الله في اشتياقه أن يهبنا السماويات والأبديات يحثنا أن نضغط عليه بلجاجتنا. إنه لا يحتقر اللجاجة أو يستخف بها، بل يُسر فعلاً بها ويمدحها، ويعد بلطف عظيم أن يهب المثابرين ما يطلبونه، قائلاً: "اسأَلوا تُعطَوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يُفتَح لكم. لأنَّ كلَّ مَنْ يسأَل يأْخذ. ومَنْ يطلب يجد. ومَنْ يقرع يُفتَح لهُ" (لو9:11،10). وأيضًا: "وكلّ ما تطلبونهُ في الصلاة مؤْمنين تنالونهُ" (مت22:21)، "ولا يكون شيء غير ممكنٍ لديكم" (مت20:17).

لكن ليتأكد ذاك الذي يرتاب في استجابة صلاته، أنه لن يُستجاب له!

يلزمنا ألا نسأل الله بقلق، وذلك كما يعلمنا دانيال الطوباوي، إذ سمع الله له من اليوم الأول الذي بدأ فيه يقدم الصلاة، لكنه نال ثمرة صلاته بعد 21 يومًا (دا12:10). وهكذا ليتنا لا نفتر في غيرة صلواتنا التي بدأنا فيها، إن تصورنا أن الاستجابة قد أبطأت، لئلا تتأجل الاستجابة التي تهبها لنا العناية الإلهية... هذا ما كان يمكن أن يحدث في حالة النبي المذكور لو لم يوجد مثابرًا على الدوام بثبات في صلواته خلال الـ21 يومًا (رغم أن الاستجابة صدرت من اليوم الأول)...

من المفيد لنا أن نأخذ في اعتبارنا ما قاله الإنجيلي الطوباوي يوحنا... "وهذه هي الثقة التي لنا عنده انهُ إن طلبنا شيئًا حسب مشيئَتهِ يسمع لنا" (1يو14:5). إنه يأمرنا أن تكون لنا ثقة كاملة بغير ارتياب من جهة استجابة الطلبات التي ليست من أجل نفعنا (الأرضي) أو راحتنا الزمنية، إنما تطابق مشيئة الرب. وتعلمنا الصلاة الربانية أن يكون لنا هذا في صلواتنا، إذ نقول "لتكن مشيئَتك"، لا مشيئتنا. فإن تذكرنا كلمات الرسول: "لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي" (رو26:8)، ندرك أننا أحيانًا نسأل أمورًا تضاد خلاصنا. وبواسطة عنايته الإلهية يرفض طلباتنا، لأنه يرى ما هو لصالحنا بحق أعظم مما نستطيع نحن.

هذا حدث مع معلم الأمم عندما صلى أن ينزع منه ملاك الشيطان الذي سمح به الرب لأجل نفعه. "من جهة هذا تضرَّعت إلي الرب ثلاث مراتٍ أن يفارقني. فقال لي: تكفيك نعمتي لأن قوَّتي في الضعف تُكَمل" (2كو8:12،9).

35- الصلاة السرية

قبل كل شيء يجب أن نلاحظ بكل اعتناء الوصية الإنجيلية التي تأمرنا أن ندخل مخدعنا ونغلق بابنا ونصلّي لأبينا. وهذا يتحقق كالآتي:

· نصلّي داخل مخدعنا عندما ننزع من قلوبنا الداخلية الأفكار المقلقة والاهتمامات الباطلة، وندخل في حديث سرّي مغلق بيننا وبين الرب.

· نصلّي بأبواب مغلقة، عندما نصلّي بشفاه مغلقة في هدوء وصمت كامل لذاك الذي يطلب القلوب لا الكلمات.

· نصلّي في الخفاء عندما نكتم طلباتنا الصادرة من قلوبنا وأذهاننا المتقدة بحيث لا نكشفها إلا لله وحده، فلا تستطيع القوات المضادة (الشياطين) أن تكتشفها. لذلك يجب أن نصلّي في صمت كامل، لا لنتحاشى فقط التشويش على إخوتنا المجاورين لنا وعدم إزعاجهم بهمسنا أو كلماتنا العالية، ونتجنب اضطراب أفكار المصلّين معنا، وإنما لكي نخفي مغزى طلباتنا عن أعدائنا الذين يراقبوننا وبالأخص في وقت الصلاة، وبهذا تتم الوصية: "احفظ أبواب فمك عن المضطجعة في حضنك" (مي 5:7)[6].

36- قيمة الصلاة القصيرة والصامتة

يليق بنا أن نكثر من الصلاة ولكن باختصار، فإننا إذ نطيل الصلاة ينجح عدونا الماكر في زرع شيء ما في قلبنا.

هذه (الصلوات القصيرة المتعددة) هي ذبائح حقيقية، "فالذبيحة لله روح منسحق" (مز 17:51). هذه هي تقدمات نافعة، تقدمات نقية، أي "ذبيحة البر"، "ذبيحة الحمد" (مز 22:50)، محرقات جوهرية، تقدمها قلوب متواضعة منسحقة؛ والذين يختبرون هذا الروح المنضبط والملتهب (للصلاة) الذي تحدثنا عنه بقوة فعاله يمكنهم أن يسبحوا: "لتستقم صلاتي كالبخور قدامك، ليكن رفع يديَّ كذبيحة مسائية" (مز2:141). لكن اقتراب الساعة المناسبة (للصلاة) وحلول المساء يحثنا على ممارسة هذا الأمر نفسه بتكريس لائق حسبما نستطيع…

لقد صرنا مبهورين بكلمات القديس إسحق أكثر منا مكتفين. وبعد خدمة العشية استرحنا قليلاً، ومع الهزيع الأول عدنا ثانية حسب وعده أن يقدم لنا حديثًا كاملاً، متهللين بحصولنا على هذه الوصايا…

لقد شعرنا بأن سمو الصلاة صار واضحًا لنا، غير أننا لم نفهم من مناظرته طبيعة الصلاة والقوة التي ننالها ونحتفظ بها بمداومتنا عليها.

 

 


[1 - حاشية مرتبطة بالعنوان] هذا الأب [أي الأب اسحق] تلميذ للقديس أنطونيوس، وقد أشار إليه القديس بلاديوس.

[2] المؤسسات 9:2.

[3] أي العبادة أو الممارسات الخاصة بالعبادة.

[4] خاصة بالرهبان ويمكن لأي مؤمن الاستفادة من ذلك، إذ يلزمه أن يعطى لنفسه فترات ينسى فيها كل شئونه، ليس استهتارا بعمله، بل لأجل نفعه الروحي والجسدي والنفسي، وهذا لا يقلل من أمانته وحبه لعمله كوزنة إلهية.

[5] ذكر الأسقف  Lightfoot في كتاب

 On a Fresh Revision "New Tesement"

ص219 بأن كاسيان اعتمد على ترجمة جيروم في النص اللاتيني مترجمًا الكلمة اليوناني "Supersubstantialis" في مت 11:6 ونفس الكلمة في لو3:11 ترجمها ب"Quatidianum" وهكذا من المدهش أن كاسيان يخطئ بهذا في معرفته باليونانية. (من مجموعة آباء نيقية).

[6] تحدث بعد ذلك عن عظمة الصلاة القصيرة الصامتة أنها ذبيحة مقبولة أمام الله.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع